المكتبةمجتمع

الاستهلاك

 

يُعدّ الاستهلاك من أهمّ طرق التدبير في المعيشة, وهو من الأبحاث الأساسيّة في مجال الاقتصاد. ويجدر بجميع أبناء المجتمع دون استثناء، ولا سيّما المسؤولون منهم، أن يعيروه أهمّيّةً بالغةً, وهو يعني تسخير المصادر المُتاحة, بغية تحقيق متطلّبات الحياة الراهنة والمستقبليّة، أو أنّه يعني تسخير السلع الاقتصاديّة في مجال الاستثمار40.

فيجب على المسؤول المدبّر أن يتّبع المناهج الصحيحة في الاستهلاك, ليتمكّن من تحقيق متطلّبات الرعيّة على المستويَين الماديّ والمعنويّ، كما يجب عليه اجتناب الإسراف والتبذير.

1- أهمّيّة الاستهلاك في الاقتصاد:

لقد خصّص علماء الاقتصاد حيّزاً واسعاً من دراساتهم لمسألة الاستهلاك, كونها تتمتّع بأهمّيّةٍ بالغةٍ بين جميع الشعوب والأمَم، بحيث لا تضاهيها أيّ مسألةٍ أخرى بين مختلف المفاهيم الاقتصاديّة، وكثير منهم يعتقد أنّ الهدف وراء جميع النشاطات الاقتصاديّة يكمن في الاستهلاك, كالتوفير،

40- محمّدي، حميد رضا ملك: على هاوية النزعة الاستهلاكيّة(بر لبه برتكاه مصرف كرائي)، ط1، إيران، منشورات مركز وثائق الثورة الإسلاميّة، 1381هـ.ش، ص20.
والإنتاج، وتوزيع الثروة41.

ويُعدّ الاستهلاك يعدّ هدفاً أساسيّاً في الإنتاج وتوزيع الثروة, إذ له بالغ التأثير في هذا المضمار. من هنا، وضع علماء الاقتصاد أصلاً اقتصاديّاً بعنوان (سيادة المستهلك), وفحواه: أنّ المستهلك هو الذي يعيّن الإطار اللازم للإنتاج، وتخصيص مصادره، ويحدّد طريقة توزيع الثروة. واستناداً إلى هذه النظريّة، فإنّ الاستهلاك ليس محض تابعٍ للإنتاج والتوزيع، بل إنّ الانتاج والتوزيع تابعان له من جهةٍ ما. وبعبارةٍ أخرى: هناك علاقةٌ متبادلةٌ بين الاستهلاك من جهةٍ، وبين الإنتاج والتوزيع من جهةٍ أخرى: فالاستهلاك يُعدّ آليّةً هامّةً في كيفيّة الإنتاج.

ولا شكّ في أنّ السياسات الاستهلاكيّة الصحيحة – ترشيد الاستهلاك – لها تأثيرٌ بالغٌ على السياسات الاقتصاديّة، فمن شأنها إيجاد حافزٍ في أسواق الاستهلاك, الأمر الذي يؤدّي إلى زيادة الإنتاج، وبالتالي ارتفاع مستوى الدخل العامّ.

ولترشيد الاستهلاك فوائد جمّة، فإضافةً إلى كونه منهجاً ضروريّاً للادّخار والاستثمار، كذلك يُعدّ سبباً أساسيّاً للرقيّ الاقتصاديّ.

وهناك مسألةٌ هامّةٌ تجدر الإشارة إليها, وهي: أنّ حاجات

41- تفضّلي، فريدون: النظام الاقتصاديّ العام(اقتصاد كلان)، ط6، طهران، منشورات نَي، 1371هـ.ش، ص3.
الإنسان المادّيّة تُعدّ المحور الأساس للنظريّات الاقتصاديّة في النظامين الرأسماليّ والاشتراكيّ، وعند انعدام الحاجات المادّيّة الضروريّة، فإنّ عمليّة الاستهلاك سوف تستمرّ من خلال إيجاد حاجاتٍ مادّيّةٍ كاذبةٍ. لكنّ الاستهلاك في النظريّة الإسلاميّة لا يختصّ بالحاجات المادّيّة فحسب، بل إنّ بعض متطلّبات الإنسان المعنويّة تعتبر سبباً لإيجاد دافعٍ لدى الإنسان في ذلك, أي أنّ دوافع الاستهلاك في النظام الإسلاميّ أوسع نطاقاً من النظامين الرأسماليّ والاشتراكيّ42.

2- أُسس الاستهلاك الأمثل في الإسلام:

إنّ أُسس الاستهلاك الأمثل في النظريّة الإسلاميّة هي عبارة عن التعاليم التربويّة السامية التي تشكّل منهجاً صحيحاً ومتكاملاً لتدبير المعيشة، ويمكننا التعرّف عليها من خلال القرآن الكريم والأحاديث المباركة، نشير إلى بعضها في ما يلي:

أ- وجوب اجتناب الإسراف43:

“السّرف هو تجاوز الحدّ في كلّ فعلٍ يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر”44 .

42- أنظر: مباني الاقتصاد الإسلامي(مبانى اقتصاد اسلامى)، م.س، ص285-286.

43- سوف نتطرّق إلى بيان الفرق بين الإسراف والتبذير لاحقاً.

44- الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، م.س، مادة “سرف”.

نستلهم من آيات القرآن الكريم أنّ الإسراف يقابل التقتير، حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يُقَتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامَاً﴾45.

وتؤكّد تعاليمنا الدينيّة على أنّ الإسراف من الأعمال الذميمة جدّاً، حيث نهى القرآن الكريم نهياً شديداً عنه، وكذلك هو الحال بالنسبة للأحاديث الشريفة. فالله تعالى عدّه من السُّنَن الفرعونيّة: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾،46 وتوعّد المسرفين بعذابٍ أليمٍ: ﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي

الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾47.

ويُعدّ الإسراف في استهلاك الموارد الطبيعيّة تعدّياً على حقوق الآخرين، وإهداراً للثروة العامّة التي هي حقٌّ لجميع البشر والأجيال كافة. وحسب الرؤية الإسلاميّة، فإنّ نتيجة الإسراف والإنفاق المفرط

ليست سوى إهدار الثروة العامّة، وبالتّالي حرمان الشّعب منها. قال الإمام عليّ عليه السلام في هذا الصدد: “السَّرفُ مَثواةٌ”48.

45- الفرقان: 67.

46- يونس: 83.

47- غافر: 43.

48- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج68، ص347.
أسباب حرمة الإسراف:

يُعدّ الإسراف خروجاً عن مستوى التوازن, أي عن حكم العقل والإذعان لأهواء النفس. فهو إهدارٌ للنعمة التي أكرم الله تعالى بها عباده, لإمرار معاشهم. ونتيجة هذا الإهدار هي البعد عن رحمة الله تعالى

ورضوانه49.

فكما أنّ للمجتمع حقاً في الأموال العامّة، كذلك فإنّ له حقاً – أيضاً – في أموال الناس الخاصّة، وبما أنّ الإسراف يُعدّ تعدّياً على حقوق المجتمع, فالنتيجة أنّ الإسراف في الأموال الخاصّة غير جائزٍ. يقول

العلامة الشهيد مرتضى المطهّري رحمه الله في هذا الصدد: “إنّ الإسراف، والتبذير، وأيّ استخدامٍ غير مشروعٍ للأموال, ممنوعٌ. والمنع هنا ليس ناشئاً من حرمة هذا العمل فحسب، بل لأنّه – أيضاً – يُعدّ

تصرّفاً في الثروة العامّة من دون إذنٍ. فهذا المال، وإن كان خاصّاً, فهو متعلّقٌ بالمجتمع – أيضاً -“50.

فضلاً عن ذلك، ونظراً لمحدوديّة المصادر الاقتصاديّة، فإنّ الإسراف هو سبب لحرمان بعض الناس من تلك المصادر. وكذلك، فإنّ اعتياد الإنسان على الإسراف سيجعل منه شخصاً

49- مير معزيّ، حسين: نظام الإسلام الاقتصاديّ(نظام اقتصادى إسلام)، ط1، إيران، منشورات المؤسّسة الثقافيّة للعلم والفكر المعاصر، 1378هـ.ش، ج2، ص102.

50- مطهّري، إطلالة على النظام الاقتصادي في الإسلام(نظرى به نظام اقتصادى اسلام)، م.س، ص55-56.
أنانيّاً وبعيداً عن المثل العليا التي أرادها الله تعالى من عباده. والأصل – على أساس النظرة التوحيديّة -، أنّ الله تبارك وتعالى هو المالك الأصليّ، ونحن جميعاً مستخلفون من قبله، وكلّ نوعٍ من التصرّف

من دون إذنه ورضاه, فهو قبيحٌ وغير مقبولٍ، ونحن نعلم أنّ الله لم يأذن بالإسراف ولا بالبخل51.

الإسراف مسألةٌ نسبيّةٌ:

المراد من الإسراف تجاوز الحدّ في الإنفاق, أي أنّ الإنسان يتجاوز المستوى المتعارف في إنفاق المال، فينفق أكثر من حاجته، ويسرف في ذلك. فعلى سبيل المثال: شخص لا يتقاضى في اليوم أكثر من

دولارين، لكنّه يشتري لنفسه ولأسرته ثياباً بمئات الدولارات. وقد تطرّق الإمام جعفر الصادق عليه السلام لهذا الأمر، حين قال: “ربّ فقير هو أسرف من الغني, إنّ الغني ينفق ممّا أوتي، والفقير ينفق من

غير ما أوتي”52.

وهذه الرواية تشير إلى بعض الموارد النادرة التي لا يتّبع فيها الفقير برنامجاً صحيحاً في معيشته, وذلك حينما ينفق ما يكسبه من مالٍ يسيرٍ في مسائل لا تتناسب مع وضعه الماديّ، وبالتالي يُهدرِ دخله,

بسبب إسرافه. وبالتأكيد، فإنّ هذا الفعل بالنسبة للأثرياء قد لا يكون إسرافاً, إذ أنّ إسرافهم يتحقّق

51- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج11، ص309.

52- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقة، باب كراهية السرف…، ح4، ص55.
عبر إنفاقهم الأموال في أمورٍ أشدّ فداحة ممّا فعله هذا الفقير.

ومن هنا، يتّضح أنّ معيار حقيقة الإسراف نسبيّ، حيث تكون بعض مصاديق الإنفاق الصادرة من بعض الأفراد مؤدّية إلى الوقوع في الإسراف، ولكنّها ليست كذلك بالنسبة للبعض الآخر.

فبعض موارد الإنفاق التي لا يعدّها العرف تجاوزاً عن حدّ الاعتدال، بينما يعدّها العقل تجاوزاً عن ذلك، لا تُعدّ من أمثلة الإسراف, ولكنّه نُهي عنها في بعض الأحاديث، منها: قول الإمام جعفر الصادق

عليه السلام: “إنَّ القصدَ أمرٌ يُحبُّهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، وإنَّ السَّرفَ أمرٌ يُبغضُهُ اللهُ عزَّ وجلَّ حتّى طرحَكَ النَّواةَ, فإنِّها تَصلحُ لشيءٍ وحتّى صبَّكَ فَضلَ شَرابِكَ”53، بينما هذه الأفعال لا يعدّها العرف اليوم

إسرافاً.

اختلاف الزمان والمكان ونسبيّة الإنفاق:

ما يشير إلى أنّ الإسراف مسألةٌ نسبيّةٌ, هو اختلاف معدّل الإنفاق من مجتمعٍ إلى آخر, لأنّ مستوى رفاهيّة الشعب ورقيّه الاقتصاديّ أو تدنّي مستواه المعيشيّ مختلف من بلدٍ إلى بلدٍ. فلربّما اقتناء بعض

السلع والمؤن أو تقديم بعض الخدمات، يُعدّ تجاوزاً عن الحدّ المتعارف في أحد المجتمعات النامية، لكنّه

53- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقة، باب فضل القصد، ح2، ص52.
ليس كذلك في مجتمعٍ متطوّرٍ, لذا يمكن القول: إنّ الإسراف مسألةٌ نسبيّةٌ54.

والحال كذلك بالنسبة لاختلاف الزمان وتنوّع المسؤوليّات, أي حينما يتمتّع الناس بحياةٍ مرفّهةً في زمانٍ ما، ويشهد مجتمعهم تنامياً اقتصاديّاً, فسوف يحظون بحياةٍ أفضل، وبإمكانهم اقتناء سلعٍ أكثر وذات

جودةٍ عاليةٍ, وهذا بدوره لا يعدّ إسرافاً، لكن بشرط عدم الإفراط والطغيان. ومن هنا، لو حاول البعض في هذه المجتمعات المرفّهة الإعراض عن نعم الله تعالى، وقيّدوا أنفسهم بحياة الفقر، والعوز،

وارتداء الخرق من الثياب, فإنّ زهدهم هذا يحمل على الرياء. فالبعض قد يغفل عن حقيقة الحكمة العمليّة في الإسلام، وهؤلاء موجودون في كلّ عصرٍ ومكانٍ, إذ أنّ ضيق إطار أفكارهم يحفّزهم على

مؤاخذة الآخرين جهلاً، حتّى أنّهم قد يعترضون على الأئمّة المعصومين عليهم السلام. فقد روى مسعدة بن صدقة أنّ سفيان الثوري دخل على الإمام الصادق عليه السلام فرأى عليه ثياباً بيضاء ناعمة، فقال

له: إنّ هذا اللباس ليس من لباسك، فأجابه عليه السلام: “اسمَعْ مِنِّي وعِ ما أقولُ لَكَ, فإنَّهُ خَيرٌ لَكَ عاجِلاً وآجِلاً إنْ أنتَ مِتَّ عَلَى السُّنَّةِ ولَم تَمُتْ عَلَى بِدعَةٍ، أُخبِرُكَ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم

كانَ فِي زَمانٍ مُقفِرٍ جَدبٍ, فَأمّا إذا أقبَلَتْ الدُّنيا فَأحَقُّ أهلِها

54- مباني الاقتصاد الإسلامي(مبانى اقتصاد اسلامى)، م.س، ص290.

بِها أبرارُها لا فُجّارُها، ومؤمِنُوها لا مُنافِقُوها، ومُسلمُوها لا كُفّارُها، فَما أنكرتَ يا ثَوريّ؟! فَوَاللهِ إنِّي لَمَعَ ما تَرِى ما أتَى عَلَيَّ مُذ عَقِلت صباحَ ولا مساءَ وللهِ فِي مالِي حَقٌّ أمرَنِي أنْ أضَعهُ مَوضِعاً, إلا وَضَعتُهُ”55.

كما روى عليّ بن أسباط أنّ سفيان الثوريّ قال للإمام الصادق عليه السلام: يُروى أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس الخشن من الثياب، وأنت تلبس القوهي المَرْوي! فقال له عليه السلام: “

وَيحَكَ، إنَّ عَليّاً عليه السلام كانَ فِي زَمانِ ضِيقٍ, فَإذا اتَّسَعَ الزَّمانُ، فَأبرارُ الزَّمانِ أولَى بِهِ”56.

فذوي الفكر المتحجّر من أمثال سفيان الثوريّ، يعتبرون ارتداء الإمام المعصوم عليه السلام الثياب الحسنة تجاوزاً عن الحدّ المتعارف، بينما هذا الأمر الذي لم يكن رائجاً في الأزمنة السالفة كان متعارفاً في

ذلك العهد.

إذن، لا بدّ أن تكون أفعال الإنسان وطريقة معيشته منسجمةً مع مقتضيات زمانه, فالإسراف مسألةٌ نسبيّةٌ!

والجدير بالذكر، أنّ بعض موارد الإنفاق تقتضي بذل أموالٍ كثيرةٍ, ولا يعدّ ذلك إسرافاً, لأنّ إنفاق المال بكثرةٍ – أحياناً – يكون سبباً لحفظها, وهو بالتالي جزءٌ من حسن التدبير في

55- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب دخول الصوفية…، ح1، ص65.

56- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج5، كتاب الصلاة، باب7، ح11، ص19.
المعيشة, كاقتناء ثيابٍ مختلفةٍ لأغراضٍ مختلفةٍ، مثل: الثياب المخصّصة للنوم أو للعمل أو للسفر أو للضيافة، أو ما يُرتدى في مختلف فصول السنة, وهذا الأمر لا يعتبر إسرافاً, حيث إنّه من ضرورات

التدبير في المعيشة. رُوي عن إسحاق بن عمّار أنّه سأل الإمام موسى الكاظم عليه السلام: الرجل يكون له عشرة أقمصةٍ، أَيكون ذلك من السَّرف؟ فقال عليه السلام: “لا، ولكِنَّ ذلِكَ أبقَى لثِيابِهِ، ولكِنَّ

السَّرفَ أنْ تَلبَسَ ثَوبَ صَونِكَ فِي المكانِ القَذِرِ”57.

لذلك، فإنّ اقتناء ثيابٍ كثيرةٍ بداعي الحاجة إليها حسب مقتضيات الزمان، لا يُعدّ من الإسراف بوجهٍ, لأنّها تستخدم عند الحاجة إليها, على العكس من ذلك، الذين يفرطون في امتلاك أنواع الثياب،

ويكدّسونها في خزانتهم، بحيث لا يحتاجون إليها كافّة, وهذا هو الإسراف بعينه.

ب- وجوب اجتناب التّبذير:

التبذير: التفريق، وأصله إلقاء البذر وطرحه، فاستعير لكلِّ مُضيِّعٍ لماله، فتبذير البذر: تضييعٌ في الظاهر لمن لم يعرف مآل ما يلقيه58.

والتبذير يخصّ الحالات التي يصرف فيها الإِنسان أمواله بشكلٍ غير منطقيٍّ وفاسدٍ. وبتعبيرٍ آخر: إنّ التبذير هو هدر

57- الطبرسي، مكارم الأخلاق، م.س، ص98.

58- الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة “بذر”.
المال في غير موقعه, ولو كان قليلاً، بينما إذا صُرِفَ في محلِّه، فلا يُعدّ تبذيراً, ولو كان كثيراً59.

والتبذير – دائماً – ما يتلازم مع إتلاف المال, لأنّ إنفاق المال في أغراضٍ غير عقلائيّةٍ هو إهدارٌ للثروة.

لذا، فإنّ إهدار المال وإنفاقه عبثاً يُعدّ من الأفعال المحرّمة دينيّاً، سواءٌ أكانت هذه العبثيّة من الناحيّة الكمّيّة أم من الناحية النوعيّة, إذ يجدر بالإنسان أن يأخذ بعين الاعتبار الجوانب النوعيّة لمؤونته التي

يقتنيها، ومدى كفاية المصادر الإنتاجيّة والخدماتيّة التي يعتمد عليها في معيشته, أي عليه أن يسخّر كلّ مصدرٍ إنتاجيٍّ أو خدماتي, بطريقةٍ يمكنه معها بلوغ أقصى درجات الاستثمار, لكي يستغلّ طاقته

الكامنة بشكلٍ أمثل60.

والقرآن الكريم بدوره عدّ المبذّرين إخوانَ الشياطين، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾.61

إنّ الله أعطى الشيطان قدرةً وقوّةً واستعداداً وذكاءاً خارقاً للعادة، ولكنّ الشيطان استفاد من هذه الأُمور في غير محلِّها, أي في طريق إغواء الناس وإبعادهم عن الصراط المستقيم.

59- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج8، ص452.

60- مباني الاقتصاد الإسلامي(مبانى اقتصاد اسلامى)، م.س، ص292.

61- الإسراء: 27.
أمّا كون المبذّرين إخوان الشياطين, فذلك لأنّهم كفروا بنعم الله، حيث وضعوها في غير مواضعها تماماً, كما فعل الشيطان مع نِعم الله تعالى، ثمّ إنّ استخدام (إخوان) تعني أنّ أعمالهم متطابقةٌ ومتناسقةٌ مع

أعمال الشيطان, كالأخَوين اللَّذَين تكون أعمالهما متشابهةً62.

مصاديق الإسراف والتبذير:

لكلمَتي الإسراف والتبذير معنىً واسعاً جدّاً يتجلّى في الأفعال اليوميّة للبشر، وقد تطرّقت النصوص الدينيّة إلى ذكرها بشكلٍ مجملٍ أو مفصّلٍ, نشير إلى بعضها في ما يلي:

المأكل والمشرب: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾63.

الإنفاق والعطاء الذي يتجاوز الحدّ المتعارف: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾64.

طلب المقام والاستكبار في الأرض: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾65.

تجاوز الحدّ في القصاص: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ

62- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج8، ص453.

63- الأعراف: 31.

64- الفرقان: 67.

65- الدخان: 30-31.
بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾66.

ارتكاب المعاصي: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾67.

القضاء بين الناس بغير حقٍّ: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ

اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾68.

وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه مرّ بسعد, وهو يتوضّأ، فقال له: “ما هذا السّرفُ يا سَعدُ؟!”. قال سعد: أَفي الوضوء سرفٌ؟ فأجابه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “نَعَم، وإنْ كُنتَ عَلَى

نَهرٍ جارٍ”69.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: “الخلْقُ عِيالُ اللهِ”70، وكذلك هم أُمناؤه على ماله. وعليه، يتوجّب على الإنسان أن يُنفق أمواله في ما فرضه الله تعالى, بتسخيرها لقضاء حوائجه وتلبية متطلّبات معيشته.

 

لذلك، فإنّ الإنفاق الزائد عن الحاجة, يُعدّ إتلافاً للمال، وسوء تصرّفٍ فيه, بما يؤدّي إلى الإسرافٌ والتبذيرٌ.

66- الإسراء: 33.

67- الزمر: 53.

68- غافر: 28.

69- ابن حنبل، أحمد: مسند أحمد، لاط، بيروت، دار صادر، لات، ج2، ص221.

70- الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب الاهتمام بأمور المسلمين…، ح6، ص164.
وحسب بعض الروايات، فإنّ الإسراف والتبذير يتحقّقان حتّى في طرح نواة التمر، وما فَضُل من الماء، أو ارتداء ثيابٍ فاخرةٍ أثناء العمل، أو اقتناء سلعٍ لا نفع منها71.

فالبناء الذي يمكننا أن نقطنه أو نسخّره لمنافع أخرى، لا يجوز لنا تخريبه لمجرّد عدم مطابقته لموضة العصر, فهذا الخراب هو التبذير بعينه. وتدمير الحديقة التي تثرينا سنويّاً بمحاصيل زراعيّةٍ وثمار

طريّةٍ، وتشييد أبنيةٍ محلّها, يُعدّ تبذيراً – أيضاً -، حيث يمكننا أن نُشيّد هذا البناء في الأراضي الفسيحة الموجودة في ضواحي المدينة, والتي هي أقلّ ثمناً وأكثر مساحةً. كما أنّ إهمال الحديقة، وعدم

الاعتناء بأشجارها، وكذلك عدم صيانة المباني حتّى تندرس, هو في الحقيقة تبذيرٌ أيضاً.

وحسب أحكام الفقه الإسلاميّ، يجب على مَن يمتلك حيواناً أن يوفّر له الماء والكلأ، وإذا لم يتمكّن من ذلك، عليه أن يُطلقه, ليرعى، وإذا لم يفعل, فإنّ حاكم الشرع يرغمه على ذلك، وإذا لم يستجب لهذا

الأمر, فإنّ حاكم الشرع يتولّى ذلك. وبالطبع فإنّ ملكيّة الإنسان لماله تتيح له حرّيّة التصرّف فيه، لكنّ هذا التصرّف محدودٌ, إذ لا يجوز له أن يتلف ماله عامداً72.

71- انظر: الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقة، باب فضل القصد، ص52-54.

72- المبادئ العامّة للاقتصاد الإسلاميّ(كليّات اقتصاد اسلامى)، إشراف محمّد واعظ زاده الخراسانيّ، ط1، مشهد المقدّسة، مؤسّسة الأبحاث الإسلاميّة في الروضة الرضويّة المقدّسة، 1369هـ.ش، ج1، ص266-267.
إذن، يتّضح لنا ممّا ذُكِرَ سعة نطاق الإسراف والتبذير، ويجدر بالإنسان العاقل أن يراعي الدقّة والاعتدال في إنفاقه, ليصون نفسه من الإثم والزلل في هذا المجال.

الاختلاف بين الإسراف والتبذير:

تستعمل مفردتا الإسراف والتبذير في كثير من الأحيان بمعنىً واحدٍ, حيث يعطف أحدهما على الآخر, توكيداً، ونلاحظ ذلك في قول الإمام عليّ عليه السلام: “ألا وَإنَّ إعطاءَ المالِ فِي غَيرِ حَقِّهِ تَبذِيرٌ

وَإسرافٌ، وَهوَ يَرفَعُ صاحبَهُ فِي الدُّنيا، وَيضَعُهُ فِي الآخِرةِ، ويُكرِمُهُ فِي النّاسِ، وَيُهينُهُ عِندَ اللهِ”73.

في الواقع، لا يوجد هناك بحثٌ واضحٌ عند المفسّرين في التفاوت الموجود بين الإسراف والتبذير، ولكن عند التأمُّل بأصل هاتين الكلمتين في اللغة، يتبيَّن أنّ الإسراف, هو: الخروج عن حدّ الاعتدال، ولكن

دون أن نخسر شيئاً, فمثلاً نلبس ثوباً ثميناً، بحيث يعادل ثمنه أضعاف سعر الملبس الذي نحتاجه، أو أنّنا نأكل طعاماً غالياً بحيث يمكننا إطعام عددٍ كبيرٍ من الفقراء بثمنه. كلّ هذه أمثلةٌ على الإسراف, وهي

تمثّل خروجنا عن حدّ الاعتدال، ولكن من دون أن نخسر شيئاً. أمّا كلمة (تبذير), فهي تعني: الصرف الكثير, بحيث يؤدّي إلى إتلاف الشيء وتضييعه، فمثلاً نهيّئ طعاماً يكفي لعشرة أشخاصٍ من

73- الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج2، الخطبة126، ص7.
أجل إطعام شخصين, كما يفعل ذلك بعض الجهلاء، ويعتبرون ذلك فخراً، حيث يرمون الطعام الزائد في المزابل74.

والحال نفسه بالنسبة لإقامة مجالس اللهو واللعب التي هي إثمٌ محضٌ، وكذلك السهرات والحفلات التي غالباً ما يرافقها تبذيرٌ وإسرافٌ.

وفي النتيجة إنّ إنفاق كلّ مالٍ في غير طاعة الله تعالى, هو في حقيقته إسرافٌ وتبذيرٌ، كما روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “مَن أنفَقَ شَيئاً فِي غَيرِ طاعَةِ اللهِ, فَهوَ مُبَذِّرٌ، وَمَن أنفَقَ فِي سَبيلِ اللهِ, فَهوَ مُقتَصِدٌ”75.

الآثار السلبيّة للإسراف والتبذير:

تطرّقنا آنفاً إلى بعض نتائج الإسراف والتبذير السيّئة، وهناك نتائج أخرى, مثل: ابتلاء المجتمع بالاختلافات الطبقيّة. فأصحاب الدخل العالي يستولون على مقادير كبيرةٍ من الثروة العامّة، ويهدرونها في

لهوهم وعبثهم, بينما هناك كثير من أصحاب الدخل المتدنّي الذين يعانون من الفقر، ويعيشون حياةً ماديّةً صعبةً، ولا يملكون ما يسدّ رمقهم. والسبب في ذلك يعود إلى الكمّيّة الكبيرة من الأموال التي يمتلكها

أولئك الأثرياء وطريقة معيشتهم التي يعتمدونها, أي أنّ طبيعة الإسراف

74- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج8، ص459.

75- النوري، مستدرك الوسائل، م.س، أبواب النفقات، باب23، ح4، ص269.
والتبذير في الأموال والمؤونة التي تسود أفعالهم تؤدّي إلى عدم مبالاتهم بالمجتمع، وتبديد ثرواته، وإعراضهم عن تقديم خدماتٍ لأبناء جلدتهم، وعدم توفير متطلّبات معيشتهم.

ومن النتائج السيّئة الأخرى للإسراف والتبذير, ابتلاء الفرد والمجتمع بالفقر والحرمان. فالمُسرَف الذي لا يُحسن التدبير في معيشته، قد يُبتلى بالفقر, بسبب إسرافه، وبالتالي لا يتمكّن من تأمين متطلّبات

معيشته. وكذلك، فإنّ عدداً من المسرفين قد يؤثّرون سلبيّاً على المجتمع برمّته إثر إسرافهم وإهدارهم الثروة العامّة, أي أنّهم يحرمون الآخرين من استثمار هذه الثروة, ليكون سوء تصرّفهم موجباً لحرمان

المجتمع، ورواج الفقر فيه. يقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام في هذا الصدد: “إنَّ السّرفَ يُورِثُ الفَقرَ، وَإنَّ القَصدَ يُورِثُ الغِنَى”76.

وبتحريم الإسراف والتبذير، والمنع من اكتناز الأموال، والتشجيع على الإنفاق, فإنّ ديننا الإسلاميّ يكون كفيلاً بوضع منهج مناسب لاجتثاث الاختلافات الطبقيّة من المجتمع, إذ يتمّ ذلك عبر إتاحة الفرصة

للطبقة المحرومة, لاستثمار ما كان زائداً عن حاجة الأثرياء, الأمر الذي يؤدّي إلى تقليص الفارق الطبقيّ، ورفع المستوى المعيشيّ للفقراء. فلو دقّقنا في إسراف بعض المترفين وعبثهم بالأموال, لوجدنا قطعاً

76- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقات، باب فضل القصد، ح8، ص53.
أنّ اجتناب هذه التصرّفات من شأنه أن يسدّ رمق الكثير من المحرومين، ويوفّر لهم الكسوة اللازمة. وكذلك، فإنّ المباني الشاهقة والقصور الضّخمة التي يشيّدها هؤلاء الأثرياء والتي تحفل بالكثير من الأمتعة والأغراض الفائضة عن الحاجة, يمكن الاستعاضة عنها بما هو أنسب, لاستثمار الفاضل منها, لبناء منازل بسيطةً تؤوي من لا قدرة له على اقتناء منزلٍ، فأصحاب القصور عادةً لا ينتفعون إلا من جزءٍ محدودٍ منها77.

والقرآن الكريم بدوره أنّب المسرفين والمبذّرين تأنيباً شديداً، وذمّ تصرّفاتهم في موارد كثيرة، حيث أكّد على أنّهم سيُحرَمون من محبّة الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾78. كما قال تعالى في الصدد نفسه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾79. وشبّههم في آيةٍ أخرى بالشياطين الذين عاقبتهم جهنّم وبئس المصير: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ

77- مباني الاقتصاد الإسلامي(مبانى اقتصاد اسلامى)، م.س، ص291.

78- الأنعام: 141.

79- الأعراف: 31.
الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾80.

وأشار القرآن إلى سوء عاقبتهم ووجوب عذابهم في جهنّم: ﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾81. وإلى أنّ عاقبتهم هي الهلاك: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾82.

النهي عن اتّباع المسرفين

نهى القرآن الكريم عن اتّباع المسرفين، وشبّه إسرافهم بالفساد في الأرض وعدم إصلاحها، في قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُون﴾83 فـ(الإسراف) هو التجاوز عن حدّ قانون التكوين وقانون التشريع، ومن الواضح أيضاً أنّ أيّ تجاوزٍ عن الحدّ موجبٌ للفساد والاختلال, وبتعبيرٍ آخر: إنّ مصدر الفساد هو الإسراف، ونتيجة الإسراف هي الفساد أيضاً84.

وللعلامة السيد محمّد حسين الطباطبائيّ رحمه الله بيانٌ رائعٌ في هذا المجال، حيث قال: “وذلك أنّ الكون على ما بين

80- الإسراء: 26- 27.

81- غافر: 43.

82- الأنبياء: 9.

83- الشعراء: 151-152.

84- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج11، ص430.
 أجزائه من التضادّ والتزاحم، مؤلّفٌ تأليفاً خاصّاً يتلاءم معه أجزاؤه بعضها مع بعضٍ في النتائج والآثار, كالأمر في كفّتي الميزان, فإنّهما على اضطرابهما واختلافهما الشديد, بالارتفاع والانخفاض،

متوافقتان في تعيين وزن المتاع الموزون, وهو الغاية والعالم الإنسانيّ الذي هو جزءٌ من الكون. كذلك الفرد من الإنسان, بما له من القوى والأدوات المختلفة المتضادّة مفطورٌ على تعديل أفعاله وأعماله,

بحيث تنال كلّ قوّةٍ من قواه حظّها المقدّر لها، وقد جُهِزّ بعقلٍ يميّز بين الخير والشرّ، ويعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه. فالكون يسير بالنظام الجاري فيه إلى غاياتٍ صالحةٍ مقصودةٍ، وهو في ما بين أجزائه من

الارتباط التامّ يخطّ لكلٍّ من أجزائه سبيلاً خاصّاً يسيّر فيها بأعمالٍ خاصّةٍ, من غير أن يميل عن حاق وسطها إلى يمينٍ أو يسارٍ، أو ينحرف بإفراطٍ أو تفريطٍ, فإنّ في الميل والانحراف, إفساداً للنظام

المرسوم، ويتبعه إفساد غايته وغاية الكلّ. ومن الضروريّ أنّ خروج بعض الأجزاء عن خطّها المخطوط لها، وإفساد النظم المفروض لها ولغيرها، يستعقب منازعة بقيّة الأجزاء لها، فإن استطاعت أن

تقيمه وتردّه إلى وسط الاعتدال فهو، وإلا أفنته وعفت آثاره, حفظاً لصلاح الكون, واستبقاءاً لقوامه. والإنسان الذي هو أحد أجزاء الكون، غير مستثنىً من هذه
الكلّيّة، فإن جرى على ما تهديه إليه الفطرة, فاز بالسعادة المقدّرة له، وإن تعدّى حدود فطرته وأفسد في الأرض, أخذه الله سبحانه بالسنين، والمثلات، وأنواع النكال والنقمة, لعلّه يرجع إلى الصلاح والسداد. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِما كَسِبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾85. وإن أقاموا مع ذلك على الفساد, لرسوخه في نفوسهم, أخذهم الله بعذاب الاستئصال، وطهّر الأرض من قذارة فسادهم”86.

ج- ذمّ البخل والتقتير:

إنّ البخل والتقتير (التفريط في الإنفاق) مفهومان يتضادّان مع الإسراف والتبذير (الإفراط في الإنفاق). وهذه الخُلق مذمومةٌ جملةً وتفصيلاً, لأنّ فيها انحرافاً عن الاعتدال في الإنفاق الذي أكّد عليه الله تعالى في كتابه المجيد, حيث نهى تعالى عن البخل والإسراف، وأوصى الناس باتّباع الوسطيّة في الإنفاق: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يُقَترُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامَاً﴾87.

والطريف أنّ البخيل، وإن كان ثريّاً, فإنّه لا يحيى حياةً

85- الروم: 41.

86- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج15، ص306-307.

87- الفرقان: 67.
 كريمةً، ويحرم نفسه وأهله ممّا يحتاجون إليه رغم استطاعته من توفيره, فيبقى ذليلاً بين الناس ببخله وتقتيره. وقد نهى الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن طلب العون من هذا الشخص بقوله: “تُدخِل يَدَكَ فِي فَمِ التنِّينَ إلى المِرْفَقِ خَيرٌ لَكَ مِن طَلَبِ الحوائجِ إلى مَن لَم يَكُن لَه فَكانَ”88، فهذا الوصف كنايةٌ عن رسوخ البخل والتقتير في نفوس بعض الناس.

كما أنّ التعاليم الإسلاميّة قبّحت هذه الخصلة الرديئة, لأنّ البخيل – في الحقيقة – يظلم نفسه قبل أن يظلم غيره، حيث يمتنع من إنفاق بعض أمواله لقضاء حوائجه، ولا ينتفع منها, ليتمتّع بها الآخرون بعد

موته! وقد أشار الإمام عليّ عليه السلام إلى هذه الحقيقة المُرَّة، بقوله: “البَخيلُ يَبخلُ عَلَى نفسِهِ باليَسيرِ مِن دُنياهُ، وَيَسمَحُ لوِرّاثِهِ بِكُلِّها”89. فالثريّ البخيل يعيش في الدنيا حياة الفقراء، ويعاني كما يُعانون!

بينما يُحشر يوم القيامة في زمرة الأثرياء ويُحاسب حسابهم! قال الإمام عليّ عليه السلام: “عَجِبتُ للبَخيلِ الّذِي استَعجَلَ الفَقرَ الّذِي مِنهُ هَرَبَ، وفاتَهُ الغِنَى الّذِي إيّاهُ طَلَبَ، يَعيشُ فِي الدُّنيا عَيشَ الفُقَراءِ، ويُحاسَبُ فِي الآخِرةِ حِسابَ الأغنِياءِ!”90.

88- الحرّاني، تحف العقول، م.س، ص365.

89- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص56.

90- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص330.
فالبخيل لا ينفق أمواله في ما يجب، ويكتنزها لغيره, كما صرّح بذلك الإمام عليّ عليه السلام: “البَخيلُ خازِنٌ لِوَرَثَتِهِ”91. لذا فهو أسوأ خلق الله تعالى حسب وصف الإمام الصادق عليه السلام: “شِرارُكُم بُخَلاؤكُم”92. وبالتالي، فهو محرومٌ من نعيم الآخرة وجنان الخلد, الأمر الذي أكّد عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “حُرِّمَت الجنَّةُ عَلَى المنّانِ، وَالبَخِيلِ، والقتّاتِ”93. وبالطبع، فإنّ عاقبته ليست سوى جنّهم وبئس المصير, طبقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “سِتَّةٌ يَدخُلُونَ النّارَ بِغَيرِ حِسابٍ… وَالأغنِياءُ بالبُخلِ”94.

د- وجوب اجتناب الإفراط في التجمُّل:

أجازت الشريعة للناس استثمار نِعَم الله تعالى بطريقةٍ معقولةٍ, حسب الضوابط والشروط التي حدّدتها لهم, كمشروعيّة مصادر الدخل، واجتناب الإسراف والتبذير، وأداء حقوق الآخرين.

فالله تعالى ذكر بعض نِعَمه، وحفّز الناس للانتفاع منها، ودعا إلى شكره عليها، في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ

91- الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، م.س، ح464.

92- الإحسائي، ابن أبي جمهور: عوالي اللئالي، تقديم السيد شهاب الدين النجفي المرعشي، تحقيق الحاج آقا مجتبى العراقي، ط1، قم المقدّسة، مطبعة سيد الشهداء عليه السلام، 1403هـ.ق/ 1983م، ج1، ص371.

93- ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه، م.س، ج4، ص17.

94- الهندي، كنز العمل، م.س، ح44030، ص87.
جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾،95 وقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾96.

كما أنّ كثيراً من الروايات والأحاديث – أيضاً – قد أكّدت بدورها على ضرورة شكر نِعَم الله تعالى، والاعتراف بها، وذمّت إنكارها، والتظاهر بالفقر والحرمان. فلو أنعم الله تعالى على إنسانٍ نعمةً تغيّر مسيرة حياته نحو الرقيّ والرفاهية, وجَب عليه الاعتراف بتلك النعمة، وعدم التظاهر أمام الناس بأنّه محرومٌ. روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “إنَّ اللهَ يُحِبُّ الجمالَ وَالتَّجَمُّلَ، وَيُبغِضُ البُؤسَ والتَّباؤسَ, فَإنَّ اللهَ إذا أنعَمَ عَلَى عَبدِهِ بِنعمَةٍ أحَبَّ أنْ يَرَى عَلَيهِ أثَرَها”97.

وكما توصي تعاليمنا الدينيّة باستثمار النعمة، والترفيه عن النفس، والتجمّل وفق القواعد والأصول, فإنّها في الوقت نفسه تنهى عن حياة البذخ، والإفراط في التجمّل، واتّخاذه هدفاً في الحياة, إذ أنّ التجمّل المفرِط ذو عواقب وخيمةٍ على الفرد والمجتمع.

الآثار السلبية لحياة الترف والتجمّل:

نشير في ما يلي إلى بعض الجوانب السيّئة من حياة الترف

95- سبأ: 15.

96- الضحى: 11.

97- الطوسي، الأمالي، م.س، المجلس10، ح64، ص275.
والتجمّل المفرط:

الغفلة عن ذكر الله تعالى: لو انتهج الإنسان أسلوب التجمّل المفرِطَ في حياته, فسوف يقع في شباك المظاهر الدنيويّة البرّاقة، ويغفل عن ذكر الله عزّ وجلّ، بحيث يطغى ويتمرّد بدلَ أن يستثمر النعمة بعقلٍ وتدبير، ويشكر خالقه عليها. قال تعالى في كتابه المجيد: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾98، وقال – أيضاً -: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا﴾99.

ابتلاء الإنسان بالفخر والتكبّر: لا شكّ في أنّ أحد أهمّ أسباب التفاخر على الآخرين والتكبّر عليهم, هو: ترف الإنسان، وإفراطه في زينته وتجمّله. والقرآن الكريم بدوره ذمّ هذه الأخلاق السيّئة ذمّاً شديداً، حيث قال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.100 وقال – أيضاً -: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾101.

وذمّت الروايات – كذلك – تسخير النِّعَم لأهدافٍ منهيٍّ عنها, كالتكبّر، والتبختر، والفساد، حيث قال الإمام عليّ عليه السلام

98- العلق: 6-7.

99- الإسراء: 83.

100- الحديد: 23.

101- الإسراء: 37.
في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُها لِلَّذِينَ لا يُريدُونَ عُلُوَّاً فِي الأرْضِ وَلا فَسادَاً﴾102، “إنَّ الرَّجُلَ لَيُعجِبُهُ أنْ يَكونَ شِراكُ نَعلِهِ أجوَدَ مِن شِراكِ نَعلِ صاحِبِهِ، فَيدخُلُ تَحتَها”103، والمقصود تحت عنوان التكبر والتبختر.

وحذّرت الأحاديث الشريفة بدورها من التكبّر على الآخرين, لما يكمن في هذا الأمر من سوءٍ وقبحٍ لا يقبله الشرع، ولا العرف، وإن كان في أبسط الأمور, كشراك النعل مثلاً. فهذا الخلُق الذميم مرفوضٌ بأيّ شكلٍ كان، وفي جميع مجالات الحياة, في الملبس، والمسكن، ووسائل الزينة، وما إلى ذلك. وربّما يكون السبب في دعاء أئمة أهل البيت عليهم السلام لأنفسهم ولأتباعهم, بأنْ يرزقهم الله ما فيه كفاية لمعيشتهم فحسب, هو حفظ أنفسهم من الغفلة، ومن الوقوع بشباك حبّ الدّنيا، وبالتّالي النّجاة من الابتلاء بالتكبّر. فقد كانوا يحضّون المؤمنين على عدم جمع ثرواتٍ طائلةٍ، والاكتفاء بما يسدّ حاجتهم، ويكفي أهلهم من رزقٍ104.

عدم الاعتناء بالطبقة المحرومة من المجتمع: إنّ الإفراط

102- القصص: 83.

103- ابن طاووس، علي بن موسى(رضي الدين): سعد السعود، لاط، قم المقدّسة، منشورات الرضي, مطبعة أمير، 1363هـ.ش، ص88.

104- الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام: الصحيفة السجاديّة، خط حاج عبد الرحيم أفشاري زنجاني، لاط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة، 1404/ 1363هـ.ش، الدعاء30.
في التجمّل يجعل الإنسان غافلاً عن بني جلدته، ولا سيّما الطبقة المحرومة. فحياة البذخ من قِبَل البعض، وعدم اكتراثهم بحقوق الآخرين, من أهمّ أسباب رواج الفقر في المجتمع, الأمر الذي أشار إليه الإمام عليّ عليه السلام حين قال: “إِنَّ اللهَ سُبحانَهُ فَرَضَ فِي أَموالِ الأَغنِياءِ أَقْواتَ الفُقَراءِ، فَما جاعَ فَقِيرٌ إِلاّ بِما مَنَعَ غَنِيٌّ، واللهُ تَعالَى جَدُّهُ سائِلُهُمْ عَنْ ذلِكَ”105. وتطرّق عليه السلام إلى هذا الأمر في مناسبةٍ أخرى بتفصيلٍ أكثر، في قوله: “إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى الأَغنِياءِ فِي أَموالِهِم بِقَدرِ ما يِكفِي فُقَراءَهُم، وإِن جاعُوا وعَرُوا وجَهدُوا, فَبِمَنعِ الأَغنِياءِ، وَحَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ يُحاسِبَهُم يَومَ القِيامَةِ ويُعَذِّبَهُم عَلَيهِ”106.

فحقوق الفقراء في أموال الأثرياء غير مقصورةٍ في جانبٍ واحدٍ، بل هي ثابتةٌ في عدّة جوانب, كالزكاة، والخمس. ولو امتثل هؤلاء الأثرياء لحكم الشرع، وأدَّوا ما في ذمّتهم من حقوقٍ, لما ساد الفقر في

المجتمع، ولعاش الناس حياة الرفاهية والكفاف. وقد أشار الإمام جعفر الصادق عليه السلام إلى هذه الحقيقة, عندما قال: “إِنَّما وُضِعَتْ الزَّكاةُ, اختِباراً للأَغنِياءِ، وَمَعُونَةً للفُقَراءِ، وَلَو أَنَّ النّاسَ أَدّوا زَكاةَ

أَموالِهُم ما بَقِيَ مُسلِمٌ فَقيراً مُحتاجَاً، وَلاستَغنَى بما فَرَضَ اللهُ لَهُ، وإِنَّ النّاسَ ما افتَقرُوا وَلا احتاجُوا

105- الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج4، الحكمة 328، ص78.

106- الهندي، كنز العمال، م.س، ج6، ح16840، ص528.
وَلا جاعُوا وَلا عَرُوا, إِلا بِذُنوبِ الأَغنِياءِ”107.

حياة البذخ والإسراف في الإنفاق: لا شكّ في أنّ حياة التجمّل عادةً ما تترافق مع الإسراف والتبذير، وعاقبة تصرّفاتٍ كهذه – بالطبع – تتجلّى في زلزلة أركان المجتمع، ورواج الفساد فيه, بشتّى أنواعه.

هـ- وجوب مراعاة الاعتدال في المعيشة:

إنّ الحدّ المعقول من استثمار نِعَم الله تعالى والمقرّر حسب تعاليم ديننا الحنيف, هو ما كان مطابقاً للاعتدال والوسطيّة. فالإنفاق المعتدل, يعني: خلوّه من الإسراف والتقتير في آنٍ واحدٍ، وقد عبّرت عنه

الأحاديث بـ (القصد) أو (الاقتصاد). والإمام عليّ بن الحسين عليه السلام يطلب من الله تعالى أن يكرمه بهذه النعمة بدعائه: “وَاحجُبنِي عَن السّرفِ وَالازدِيادِ، وَقَوّمنِي بالبَذلِ وَالاقتِصادِ”108.

والاعتدال في استهلاك النِعمة هو أسلوبٌ يكون البذل فيه متنوّعاً، ويتمكّن الإنسان من خلاله من تلبية حوائجه، كما أنّه يؤدّي إلى نظم أمور معيشته. رُوِيَ أنّ أحد أصحاب الإمام جعفر الصادق عليه السلام

سأله، فقال: إنّا نكون في طريق مكّة فنريد الإحرام، فلا يكون معنا نخالةٌ نتدلّك بها من النورة،

107- ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه، م.س، ج2، كتاب الزكاة، باب علة وجوب الزكاة، ح1579، ص7.

108- الصحيفة السجاديّة، م.س، الدعاء30.
فندلّك بالدقيق، فيدخلني من ذلك ما الله به أعلم. قال عليه السلام: “مخافة الإسراف؟”. قلت: نعم. قال عليه السلام: “لَيسَ فِي ما أصلَحَ البَدَنَ إسرافٌ. أنا رُبَّما أمرتُ بالنّقي فيلت بالزَّيتِ فَأتَدلَّكُ بهِ، إنَّما الإسرافُ في ما أتلَفَ المالَ وأضَرَّ بالبَدنِ”. قلت: فما الإقتار؟ قال عليه السلام: “أكلُ الخبزِ والملحِ، وأنتَ تَقدِرُ عَلَى غَيرِهِ”. قلت: فالقصد؟ قال عليه السلام: “الخبزُ، والَّلحمُ، والَّلبَنُ، والزَّيتُ، والسَّمنُ, مَرَّةً ذا، ومَرَّةً ذا”109.

الميزان من الإسراف والتقتير:

كما أنّ هناك حدوداً خاصّةً لكسب المال, فإنّ بعض الروايات ذَكَرَت حدوداً خاصّةً في تصرّف الإنسان بأمواله الخاصّة, إذ حسب قواعد الملكيّة الخاصّة، فإنّ الإنسان غير مخوّلٍ بأن يتصرّف بأمواله من دون ضابطةٍ، وكيفما يشاء، بل هناك حدودٌ وشروطٌ في ذلك تقيّده, بالاعتدال، وعدم الإسراف. لذلك، لا يجوز لمالك المال أن يسرف في إنفاقه، ويتجاوز الحدّ عمّا تتطلّبه معيشته. فالإنفاق من أسمى أنواع التصرّف في الأموال الخاصّة، ولكنّ هذا التصرّف لا بدّ أن يكون محدوداً ومشروطاً, بالاعتدال، والوسطيّة, فلا الإسراف محمودٌ، ولا التقتير.

لذا، فإنّ كيفيّة توفير مصاريف الأسرة يجب أن تكون متوازنةً

109- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقات، باب فضل القصد، ح10، ص53-54.
بين عدم الإسراف وعدم التقتير في آنٍ واحدٍ110. فالمال يكون سبباً, لبقاء الفرد، ونظم أمور المجتمع, عندما لا يكون مصدراً للإفراط والتفريط, لأنّه، إن أُنفِقَ بإفراطٍ أو حُفِظَ بتفريطٍ, لأصبح آلةً تقضي على الفرد والمجتمع معاً, حيث أكّد الإمام عليّ عليه السلام على ذلك حينما قال: “لَنْ يَهلِكَ مَن اقتَصَدَ”111. وكذلك قال في هذا الصدد: “مَن لَم يُحسِن الاقتِصادَ أهلَكَهُ الإسرافُ”112.

ومن المؤكّد أنّ الأسلوب الصحيح في الإنفاق له فوائد جمّةٌ, منها: رقيّ المجتمع اقتصاديّاً، ورفاهيّة جميع أبناء المجتمع، وارتفاع كفاءة الفرد والمجتمع، بالإضافة إلى دوام النّعمة. وهناك كثير من الأحاديث

في هذا المضمار، نذكر منها ما يلي:

عن الإمام عليّ عليه السلام: “القَصدُ مَثراةٌ”113.

وعنه عليه السلام أيضاً: “الاقتصادُ يُنمِي القَليلَ”114.

وعن الإمام موسى الكاظم عليه السلام: “مَن اقتَصَدَ وَقَنَعَ, بَقِيَت عَلَيهِ النِّعمَةُ، وَمَن بَذَّرَ وَأسرَفَ, زالَت عَنهُ النِّعمَةُ”115.

110- الحكيمي، معيارهاى اقتصادى در تعاليم رضوى(باللغة الفارسية)، م.س، ص83.

111- الحرّاني، تحف العقول، م.س، ص85.

112- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص445.

113- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقات، باب فضل القصد، ح4، ص52.

114- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص39.

115- الحرّاني، تحف العقول، م.س، ص403.

وفي رحاب الإنفاق الصحيح, سيتسنّى لمعظم الناس الاستفادة من الثروات وجميع الإمكانيّات المتاحة لقضاء حوائجهم، وبالتالي سينجو المجتمع من مهلكة الفقر، ويتخلّص أبناؤه من مصاعب الغلاء المفتعل والحرمان من النعمة.

و- القناعة(الرضا بالنصيب):

“القَناعة بالفتح: الرِّضا بالقِسْمِ”116. وفي اللغة تعني “الرضا باليسير من العطاء”117.

و”القناعة ضدّ الحرص, وهي ملكةٌ للنفس تُوجِب الاكتفاء بقدر الحاجة والضرورة من المال، من دون سعي وتعب في طلب الزائد عنه, وهي صفةٌ فاضلةٌ يتوقّف عليها كسب سائر الفضائل، وعدمها يؤدّي

بالعبد إلى مساوئ الأخلاق والرذائل”118.

وللقناعة نتائج حميدة أشار إليها المعصومون عليهم السلام في أحاديثهم، نذكر منها ما يلي:

قال الإمام عليّ عليه السلام: “طَلَبتُ الغِنَى، فَما وَجدتُ إلا

116- لسان العرب، ابن منظور، م.س، ج8، ص298، مادّة”قنع”.

117- ابن الأثير، مجد الدين: النهاية في غريب الحديث والأثر، لاط، لام، منشورات المكتبة الإسلاميّة، لات، ج4، ص114.

118- النراقي، محمد مهدي: جامع السعادات، لاط، لام، منشورات إسماعيليان، لات، ج2، ص101. والمقصود هنا طبعاً الاكتفاء بما يحتاجه الإنسان بنفسه من ضرورات حياته.
بالقَناعةِ، عَلَيكُم بالقَناعَةِ تَستَغنُوا”119.

وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “الغِنَى فِي القَناعَةِ، وَهُم يَطلبُونَهُ فِي كَثرَةِ المالِ فَلا يَجِدُونَهُ”120.

كما قال الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: “مَن رَضِيَ عَن اللهِ تَعالى بالقليلِ مِن الرِّزقِ, رَضِيَ اللهُ مِنهُ بالقَليلِ مِن العَملِ”، وقال عليه السلام أيضاً: “لا يَسلكُ طَريقَ القَناعَةِ إلا رَجُلانِ: إمّا مُتعَبِّدٌ يُريدُ أجرَ الآخِرةِ أو كَريمٌ يَتنَزَّهُ مِن لِئامِ النّاسِ”121.

إذن، لا حيلة لابن آدم سوى أن يتّخذ القناعة منهجاً في معيشته، وإلا ستلتهمه نيران الحرص وتقضي عليه. وقد شكا رجلٌ إلى الإمام الصادق عليه السلام أنّه يطلب فيصيب ولا يقنع، وتنازعه نفسه إلى ما هو أكثر منه، وقال له: علّمني شيئاً أنتفع به، فقال له الإمام عليه السلام: “إنْ كانَ ما يَكفِيكَ يُغنِيكَ, فَأدنَى ما فِيها يُغنيك، وإنْ كانَ ما يَكفِيكَ لا يُغنِيكَ, فَكُلُّ ما فِيها لا يُغنِيكَ”122.

119- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج66، ص399.

120- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): معاني الأخبار، لاط، طهران، منشورات مكتبة الصدوق، 1379هـ.ش، ص230.

121- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج75، ص349.

122- الكليني، الكافي، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب القناعة، ح10، ص139. والجدير بالذكر أنّ القناعة تكون في الإنفاق والاستهلاك، وليس في الإنتاج، فعندما قال شخصٌ لأحد المعصومين عليهم السلام أنّه يملك مالاً يكفيه حتّى آخر عمره ولا حاجة بالعمل والتجارة, نهره الإمام ولم يؤيّده في ذلك.
وسبيل كسب القناعة والرضا بالنصيب, عيّنه لنا الإمام الصادق عليه السلام في قوله: “انظُر إلى مَن هُو دُونكَ فِي المقدِرةِ، ولا تَنظُر إلى مَن هُو فَوقكَ فِي المقدِرةِ, فإنَّ ذلِكَ أقنَع لَكَ بِما قُسِمَ لَكَ”123.

ز- الإنفاق في سبيل المعروف ومساعدة الفقراء:

من المفروض على كلّ مسلمٍ أن يُبرمج حياته الفرديّة والاجتماعيّة طبق أصول دينه ومبادئه، ويؤدّي أعماله وفق ذلك. كما أنّ الله تعالى منح الإنسانَ الحقَّ ببذل أمواله في ما يحتاج إليه، واستثمار نِعم الطبيعة, ففي الوقت ذاته كلّفه بواجباتٍ في هذا المضمار، وألزمه بأداء حقوق الآخرين, كالخمس، والزكاة، والحقّ المعلوم. والإذعان لهذا التكليف – بالتأكيد – من شأنه تقليص مستوى الفقر في المجتمع.

وللفقراء والمساكين مكانةٌ هامّةٌ في المنهج الصحيح لبذل الأموال حسب التعاليم الإسلاميّة.

وطبق الاصطلاح الدينيّ, فإنّ الفقير هو الذي لا يملك الكفاف في معيشته.

والفقراء في المجتمع على قسمين، هما:

– الذين لا يتمكّنون من استيفاء حقّوقهم في المجتمع, مهما بذلوا من جهودٍ, بسبب عجزهم عن العمل, كالمعاقين،

123- الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح338، ص244.
والطّاعنين في السنّ، والأطفال القُصّر، والمرضى.

– الذين يتمكّنون من العمل، لكنّ دخلهم لا يضاهي حاجتهم المادّيّة، ولا يتمكّنون من بلوغ درجة الكفاف.

حيث إنّ لهاتين الفئتين حقاً في أموال الأثرياء وبيت المال, الأمر الذي أكّد عليه القرآن الكريم وكثير من الأحاديث، فقد مدح الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بقوله: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائلِ وَالمحرُومِ﴾124، ويقول العلامة الطباطبائيّ رحمه الله في تفسير هذه الآية: “هذه الآية تبيّن – خاصَةً – سيرة المتّقين في جنب الناس, وهي: إيتاء السائل والمحروم، وتخصيص حقّ السائل والمحروم بأنّه في أموالهم – مع أنّه لو ثبت, فإنّما يثبت في كلّ مالٍ – دليلٌ على أنّ المراد أنّهم يرون بصفاء فطرتهم أنّ في أموالهم حقّاً، فيعملون بما يعملون, نشراً للرحمة، وإيثاراً للحسنة”125.

طرق استفادة الفقراء من الأغنياء:

رُوي عن الإمام عليّ عليه السلام قوله: “إِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوالِ الأَغْنِياءِ أَقْواتَ الْفُقَراءِ، فَما جاعَ فَقِيرٌ, إِلاَّ بِما مَنَعَ غَنِيٌّ، واللهُ تَعالَى جَدُّهُ سائِلُهُمْ عَنْ ذلِكَ”126. وهذا الحديث

124- الذاريات: 19.

125- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج18، ص369.

126- الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج4، الحكمة328، ص78.
يثبت أنّ الله عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضةً تسدّ حاجتهم. ويمكن استيفاء حقوق الفقراء من أموال الأغنياء بعدّة طرقٍ، منها:

الخمس: قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾127.

الزكاة: قال تعالى: ﴿إِنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالمساكِين﴾128.

الحقّ المعلوم: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَموالِهِمْ حَقٌّ مَعلُومٌ * لِلسّائلِ وَالمحرُومِ﴾129. وقد سأل رجلٌ الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام عن معنى (الحقّ المعلوم) في هذه الآية، فقال عليه السلام: “الحقُّ المعلومُ.

الشَّيءُ يُخرجهُ الرَّجُلُ مِن مالِهِ لَيسَ مِن الزَّكاةِ، وَلا مِن الصَّدَقَةِ المفروضَتَينِ”. فقال الرجل: فإذا لم يكن من الزكاة ولا من الصدقة، فما هو؟ فقال الإمام عليه السلام: “هُو الشَّيءُ يُخرِجُهُ الرَّجُلُ مِن مالِهِ, إنْ شاءَ أَكثَرَ، وإِنْ شاءَ أَقَلَّ عَلَى قَدرِ ما يَملكُ”. فقال له الرجل: فما يصنع به؟ قال عليه السلام: “يَصِل بِهِ رَحِمَاً، وَيقرِي بِهِ ضَيفَاً، وَيِحملُ بِهِ كَلاًّ، أو يَصِلُ بِهِ أَخَاً لَهُ فِي اللهِ، أو لِنائبَةٍ تَنُوبُهُ”. فقال الرجل: الله يعلم حيث يجعل رسالاته130.

127- الأنفال: 41.

128- التوبة: 60.

129- المعارج: 24-25.

130- الكليني، الكافي، م.س، ج3، كتاب الزكاة، باب فرض الزكاة…، ح11، ص500.
فالحقّ المعلوم: هو المال الزائد على الخمس والزكاة, إذ يجب على صاحب المال أن يساعد الفقراء بحسب استطاعته. وختاماً، هناك ملاحظة تجدر الإشارة إليها في هذا الإطار, وهي أنّ حقّ الفقراء في أموال الأغنياء لا يُسوّغ لهم انتزاعه بأنفسهم, لأنّ هذا الأمر يؤدّي إلى اضطراباتٍ وأعمال شغب, لذا فإنّ المسؤول عن تحصيل هذا المال وتقسيمه بين الفقراء, إمّا أصحاب الأموال أنفسهم، أو الوليّ الفقيه الذي يتولّى مقاليد الحكم.

3- النزعة الاستهلاكيّة المفرطة:

إنّ الهدف الأساس للمذهبين الاقتصاديّين: الرأسماليّ والاشتراكيّ, محدودٌ في إشباع رغبات الإنسان المادّيّة، وتلبية شهواته، وليست لهما أهدافٌ أخرى تُذكَر. بينما جعل الإسلام هدفه الاقتصاديّ الأسمى:

استثمارَ النِّعم والخدمات المتاحة, بطريقةٍ مُثلى, لكي ينعم الإنسان بسلامة النفس والجسم معاً, وذلك عبر الامتثال لأوامر الله تعالى. وبالتالي، فإنّه سينعم – أيضاً – برضا ربّه ويتقرّب إليه.

وبالطبع، فإنّ الإعراض عن هذا الهدف، وعدم أخذه بعين الاعتبار من قِبَل البعض, ناشئٌ من جهلهم بحقيقة الحياة، وحرصهم الشديد على الدنيا. فهذا الحرص يسلبهم فرصة

استثمار ما هو ميسّرٌ لهم من خدماتٍ وأموالٍ بشكلٍ مطلوبٍ. لذا، ذمّت تعاليمنا الدينيّة استهلاك الإمكانيّات المادّيّة المتاحة, رياءاً، وبهدف التباهي والتفاخر على الآخرين، ومنافستهم منافسةً غير مشروعةٍ، وما إلى ذلك من نوايا رذيلةٍ, واعتبرتها دوافع سلبيّةً لا تتناسب وشأن الإنسان الصالح. وتبدو هذه الحقيقة جليّة لنا في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “مَن لَبسَ ثَوباً فَاختالَ فِيهِ, خَسَفَ اللهُ بِهِ مِن شَفِيرِ جَهَنَّم، وَكانَ قَرينَ قارونَ”131.

إنَّ قيمة الإنسان في المجتمع الإسلاميّ لا تُقاس بقدرته الاستهلاكيّة، فليس من الصحيح أن تكون فضيلة الإنسان بين أبناء جلدته منوطةً بمقدار إنفاقه الأموال, أي: إذا زاد استهلاكه المادّيّ, علا مقامه!

لذلك، كلّما ترسّخت القيَم والمبادئ الدينيّة في المجتمع, فإنَّ الرَّغبات الذَّميمة في الاستهلاك بين أبنائه تنحسر شيئاً فشيئاً، وتصل إلى أدنى درجةٍ لها. ويجدر بالمسلمين أن يعيروا هذه المسأله الحسَّاسة أهمّيّةً

بالغةً، كي يصونوا أنفسهم من عواقبها الوخيمة.

ومن أجل تسليط الضوء على هذا الموضوع الهامّ، يجب تقسيمه إلى أربعة أبواب، وفق التالي: أسباب شيوع النزعة الاستهلاكيّة

131- ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه، م.س، ج4، ص13.
المفرطة، والعواقب الوخيمة للنزعة الاستهلاكيّة المفرطة، والمعيار الأنسب في الاستهلاك، وكيفيّة التصدّي للنزعة الاستهلاكيّة المفرطة.

أ- أسباب النزعة الاستهلاكيّة المُفرِطة:

لا يختلف اثنان في أنّ الهدف الأساس من الاستهلاك هو توفير الظُّروف الملائمة للإنسان، ومنحه الطاقة اللازمة, كي تستمرّ عجلة حياته بالدوران. فهو يهيّئ جانباً من متطلّباته عن طريق استهلاك السلع، وتسخير بعض الخدمات, وهذا الأمر بذاته ليس اعتباطيّاً، بل إنّ له ضوابط ومعايير خاصّة لو راعاها كلّ شخصٍ, فسوف ينعكس تأثيرها على المجتمع برمّته. فالمجتمعات التي تبلغ أعلى درجات الرقيّ والتطوّر هي التي يسودها نظامٌ استهلاكيٌّ يطابق القواعد والمعايير التي لا تتعارض مع حكم العقل والمنطق, أي أنّ هناك تناسقاً بين الإمكانيّات المتوافرة فيها ومتطلّبات أبنائها, مثل: تشجيع الإنتاج المحلّي، وتقليص حجم البضائع المستوردة.

فالحياة التي تشوبها النزعة الاستهلاكيّة المُفرِطَة لوسائل التّرفيه وسائر الخدمات, هي حياةٌ مشوبةٌ بالمخاطر، ولا تبشّر بخيرٍ، ولن تعمّها السعادة. فعدم ترشيد الاستهلاك، وإهمال الجانب الإنتاجيّ في

المجتمع، لهما أسبابٌ عديدةٌ، منها ما يلي:

حبّ التنافس:

بعض أبناء الطبقة المتوسّطة والمحرومة في المجتمع يقعون في فخّ تنافسٍ غير متكافئ مع الطبقة المرفّهة, بسبب انبهارهم بحياة البذخ والترف لهذه الطبقة, إذ أنّهم يتأثّرون بمبادئ وهميّةٍ لا قيمة لها. فهم

يعتقدون أنّ الاستهلاك المفرِط شأنٌ اجتماعيٌّ راقٍ, لذلك يسخّرون مواردهم الاقتصاديّة حسب معايير وهميّة، ويتناسون واقع حياتهم, فيتورّطون في مصاعب لا تُحمد عقباها.

والتنافس في الاستهلاك غير محدودٍ بفئةٍ معيّنةٍ أو موضوعٍ ما، بل له أمثلة عديدة, كالتنافس مع الأقارب، والجيران، والأصدقاء. فعلى سبيل المثال: قد يشتري الإنسان ثوباً هو في غنىً عنه أو باهظ الثمن

بالنسبة له، أو يتناول طعاماً لا يرغب فيه أو لا يتناسب ودخله المحدود. والأمثلة من هذا القبيل كثيرةٌ لا حصر لها, أبرزها – اليوم -: التجمّلات الزائفة في حفلات الزواج وسائر المناسبات العائليّة في

الأحزان والمسرّات, إذ تتجلّى فيها مظاهر الإسراف، والتبذير، والتجمّل، وحياة البذخ الذميمة بوضوحٍ. فهذا البذخ قد يجعل حياة البعض رهن القروض والديون المُنْهِكَة132، وأحياناً يشلّ اقتصاد الأسرة

بالكامل. إذ أنّ حمّى التنافس المُفرِط في الاستهلاك, من شأنها أن تغيّر مسار حياة البعض, لدرجة أنّهم يقلّصون من إنفاقهم الضروريّ لمعيشتهم, ويدّخرونه لمثل مناسباتٍ كهذه!

ومن ناحيةٍ أخرى: إنّ حبّ التنافس في الاستهلاك المُفرِط يتنافى مع مبادئ الأخلاق الحميدة، ويشكّل سبباً لرواج الفساد في المجتمع، ناهيك عن عواقبه الاقتصاديّة السيّئة. ولذلك، ردعت تعاليمنا الدينيّة عن كلّ هذه الأفعال، وأكّدت على وجوب التصدّي لها بشتّى السبُل.

ويجب التمييز بين نوعٍ – كهذا – من التنافس السيّئ وبين التنافس المحمود, الذي يتجلّى في السبق إلى عمل الخير، وكسب رضا الإله. وبالتأكيد، فإنّ الأحاديث والروايات الشريفة نهت عن التنافس الذميم، وحذّرت منه: عن الإمام عليّ عليه السلام: “لا تَكُنْ مِمَّن يُنافِسُ فِي ما يَفنَى، وَيُسامِحُ فِي ما يَبقَى”133.

ب- حبّ حياة البذخ من قبل الأثرياء:

أحد أهمّ أسباب النزعة الاستهلاكيّة المُفرِطَة لدى البشر يكمن في حبّ العيش برفاهيةٍ وبذخٍ من قِبَل أثرياء المجتمع. فهؤلاء يستهلكون إمكانيّاتٍ مادّيّةً ضخمةً أكثر ممّا تتطلّبه معيشتهم بأضعافٍ مضاعفة, بسبب أنانيّتهم، وطلباً لإشباع

132- لا شكّ في أنّ الإنفاق المُفرط من أموالٍ يقترضها الإنسان, يُعدّ من الأمور المذمومة، لكنّ استثمار القروض في أعمال إنتاجيّة وغيرها ليس من الأمور المذمومة.

133- الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج4، الحكمة150، ص39.
شهواتهم ورغباتهم المُفرِطَة، إذ أنّ الاستهلاك المُفرِط – باعتقادهم – يُعدّ من القيَم النبيلة! فيتنافسون في ما بينهم, فخراً، وزهواً, بغير حقٍّ. وهؤلاء الأثرياء لا يعيرون أهمّيّةً لأبناء جلدتهم، وهمّهم الوحيد هو المصالح المادّيّة فقط، بينما حوائج الفقراء والمحرومين, من المأكل، والملبس، والعلاج ليست لها أيّ أهمّيّةً لديهم، بل إنّهم يقتنون السلع الفاخرة والبرّاقة, حتّى لو استوجب الأمر استيرادها من خارج البلاد بأثمانٍ باهظةٍ.

الآفات الثقافيّة:

إنّ الانحراف الثقافيّ هو سببٌ آخر في رسوخ النزعة الاستهلاكيّة المُفرِطَة لدى البعض, وهو ناشئٌ من شيوع ثقافة تقليد الغير التي تتنافى مع حكم العقل. فشعوب بعض بلدان العالم الثالث ترجّح اقتناء البضائع المستوردة، وتُعرِض عن البضائع المحليّة, إثر سيطرة الثقافة الغربيّة الذميمة عليها. والأمور التي تساعد على ترويج هذه الثقافة بين الشعوب كثيرةٌ، منها: الدعايات والإعلانات التجاريّة، والسياسة الخاطئة لبعض المنتجين المحليّين, بسبب انحسار هدفهم في الربح، وإنتاج سلعٍ محلّية غير مرغوبٍ فيها, كونها متدنيّة الكفاءة، وإنتاج سلعٍ أجنبيّةٍ مرغوبٍ فيها, كونها عالية الكفاءة.

كما أنّ تدنّي المستوى الثقافيّ في المجتمع ذو تأثيرٍ على المنهج الاستهلاكيّ لدى الفرد والمجتمع. فالضعف الثقافيّ من شأنه أن يرسّخ في النفس نزعةً استهلاكيّةً مفرطةً. كما أنّ البرامج التربويّة الخاطئة تُعدّ من الأسباب المساعدة على شيوع هذا التوجّه المنحرف. وللتدنّي الثقافيّ عواقب وخيمة تؤثّر على اقتصاد البلد برمّته, إذ يسوق أبناءَ المجتمع إلى اقتناء سلع أجنبيّةٍ، وإهمال السلع المحلّيّة الصنع, لدرجة أنّ بعض المنتجين المحلّيّين يسوّغون لأنفسهم الغشّ من خلال عرض بضائعهم في السوق بعلاماتٍ تجاريّةٍ أجنبيّةٍ. وللأسف الشديد، فإنّ هذا الانحراف الثقافيّ سيرسّخ في أذهان الناس مبدأ أفضليّة البلدان الصناعيّة من جميع النواحي، وليس من الناحية الاقتصاديّة فحسب، فيتوهّمون بأفضليّتها في شتّى المجالات، مثل: اللغة، وتربية الأطفال، ونوع المأكل والملبس، وحتّى في الآداب والأعراف. وآثار هذه الثقافة ستظهر على الأجيال القادمة بشكلٍ جليٍّ, إذ ستسود بينهم روح الاتّكاليّة على الآخرين، وستتزلزل أركان مجتمعهم أمام أيّ نائبةٍ يتعرّض لها بكلّ سهولةٍ, لأنّهم مستهلِكُون فقط، ولا يفكّرون إلا في إشباع بطونهم، وتلبية رغباتهم الدنيويّة.

النظام التعليميّ:

إنّ لكلّ نظامٍ تعليميٍّ تأثيرٌ فعّالٌ على أبناء المجتمع في أسلوب

الاستهلاك, سلبيّاً أو إيجابيّاً. وقد أثبتت التجربة أنّ وصايا المعلّمين وتعاليمهم التي يغذّون أذهان تلامذتهم بها، لها تأثيرٌ ملموسٌ عليهم, في تقبّلهم إيّاها بسهولةٍ. لذا، لو أوصى المعلّم تلامذته بترشيد استهلاك القرطاسيّة، وعدم الإسراف في الملبس والمأكل، وسائر الخدمات المعيشيّة, فإنّ ذلك سوف لا ينعكس على تصرّفاتهم وحسب، بل على المجتمع برمّته, فينشأ جيلٌ مقتصدٌ يتّبع مبادئ تربويّةً صحيحةً. لكن، لو كان الأمر بالعكس، وانتهج المعلّم أسلوب البذخ، وشجّع تلامذته على الاستهلاك المفرط, فسوف ينشأ جيلٌ مسرفٌ يُثقل كاهل المجتمع.

الدعايات ووسائل الإعلام:

إنّ وسائل الإعلام بأنواعها تلعب دوراً هامّاً في انتهاج الإنسان سياسةً صحيحةً في الاستهلاك أم سياسةً خاطئةً، مثل: الإذاعة، والتلفزيون، والصحف, بمختلف أنواعها، والكتب، والإعلانات التجاريّة.

فالعديد من الناس يسلكون الطريق الخطأ, بسبب تأثّرهم بالمنهج الخاطئ لبعض وسائل الإعلام والدعايات العارية عن الحقيقة، فيقتنون سلعاً فاخرةً وزينةً لا هدف منها سوى التجمّل المُفرِط، وهناك آخرون

ينتهجون المسلك الصحيح في الاستهلاك, متأثّرين بالطريقة الصحيحة التي تتّبعها بعض وسائل الإعلام.

إذن، نستنتج ممّا ذُكِرَ أنّ أحد أسباب تخلّف بعض المجتمعات عن عجلة التطوّر يعود إلى الأسلوب المُفرِط في الاستهلاك. وبالطبع، فإنّ البلدان الصناعيّة هي المستفيد الوحيد من هذه الظاهرة المنحرفة. ويُعدّ الإفراط في الاستهلاك مرضاً فتّاكاً يصيب البلدان الفقيرة, لأنّه سببٌ لإهدار ثرواتها، وتزلزل أركان اقتصادها والحؤول دون انتعاش الاستثمار فيها134.

ب- العواقب الوخيمة للنزعة الاستهلاكيّة المُفرِطة:

إنّ الإنسان بطبعه يسعى وراء المشتهيات ولا يكتفي بما يسدّ حاجته منها، بل يطلب الزيادة منها, فلا يمكن إشباع رغباته مهما زاد من نطاق استهلاكه. وبعد تلبية كلّ رغبةٍ، ستظهر لديه رغبةٌ أخرى, وهذه العجلة ستستمر بالدوران على هذا المنوال. ومن جانبٍ آخر، فإنّ الإمكانيّات الاقتصاديّة ومصادرها في الكرة الأرضيّة محدودةٌ، ولا يمكنها تلبية الرغبات اللامحدودة للبشر. لذا، فإنّ هذه الرغبات المُفرِطة, ستؤدّي إلى تأزّم أوضاع الفرد النفسيّة، وقد تتمخّض عنها وقوع أحداث شغبٍ في المجتمع أو حتّى نزاعات وإراقة دماء.

وطبق التعاليم الإسلاميّة، فكلّ إنفاقٍ غير متعارفٍ ويتجاوز حدّ الكفاف يُعدّ استهلاكاً مفرطاً. ولهذا الإنفاق نتائج سلبيّة

134- لمزيد من الاطّلاع، انظر: الحكيمي، دراسة ظاهرة الفقر والتنمية(شناسي فقر وتوسعه)، م.س، ج2، ص212-224.
وأضرار فادحة كبيرة جدّاً، حيث يتسبّب في: إهدار الثروات والإمكانيّات المتاحة، وعدم استثمار المصادر الاقتصاديّة بطريقةٍ مثلى، وهلاك الفرد، وتزلزل أركان المجتمع، وتحمّل نفقاتٍ إضافيّةٍ في المعيشة، وتحمّل أضرارٍ فادحةٍ، وحدوث اضطراباتٍ ومشاكل، والتبعيّة الاقتصاديّة، وتهديد سلامة الروح والجسد، وعدم التنعّم بالثروة بشكلٍ أمثل، وحرمان الإنسان من كرامة النفس وصفاء الباطن، والتخاذل والتكاسل، وخسارة الأموال المدّخرة, وما إلى ذلك من عواقب وخيمةٍ تُنهِك الإنسان، وتجعل المجتمع هزيلاً غير متماسك.

فالاستهلاك المُفرِط للنعمة, يُعدّ سبباً لتنامي النفس البهيميّة في الإنسان وهيمنتها عليه، ومن ثمّ يؤدّي إلى انحطاطه في المجتمع. ولهذا السبب عدّت التعاليم الدينيّة المُفرطين في الاستهلاك بأنّهم آفاتٌ اجتماعيّةٌ, لأنّهم يخالفون المبادئ السليمة في الحياة، ويخلقون مشاكل جمّةً للمجتمع, بأسلوبهم الخاطئ في المعيشة، وميلهم المفرط نحو التجمّل135.

وعبر الاستهلاك الأمثل للثروة, سيتسنّى تلبية جميع متطلّبات المجتمع، وتوزيع الثروة بعدلٍ وإنصافٍ، كما يمكن من خلاله تسخير مصادر الإنتاج لخدمة المجتمع، وبالتالي سيُحظى الناس بالسعادة والاستقرار الاقتصاديّ, لأنّهم

135- الحكيمي، الحياة، م.س، ج3، ص102-103.
سينعمون بحياةٍ مثاليّةٍ لا تنافس فيها ولا إفراط. فالاستهلاك المعقول يتجلّى في الاعتدال والقناعة, الأمر الذي أكّدت عليه النصوص الدينيّة، وشجّعت الناس على انتهاجه. أمّا المنهج المُفرِط في الاستهلاك, فإنّه يؤدّي إلى بروز حاجاتٍ وهميّةٍ في المجتمع، ويقع حائلاً أمام التوزيع العادل للثروة، ويؤثّر سلبيّاً على إدارة مصادر الإنتاج، وكذلك يتسبّب في التنافس المذموم, وهذه الأمور برمّتها تهدّد مصالح المجتمع، وتعرّضه لمخاطر جمّة136.

ج- المعيار الأنسب في الاستهلاك:

إنّ الشريعة الإسلاميّة بيّنت لنا المعايير الصحيحة في استثمار النعمة، ووضعت منهجاً قويماً لاستهلاكها, كمراعاة القيَم الأصيلة واستهلاك الأموال طبق مصالح النظام الإسلاميّ.

د- وجوب مراعاة القيَم في الاستهلاك:

القيَم هي الأصول والمعتقدات والسلوكيّات التي تتناسب مع تعاليم الشريعة الإسلاميّة. وبالطبع، فإنّ القيَم لا تنحصر في أداء الواجبات وترك المحرّمات، بل تشمل كلّ أمرٍ حثّت عليه الشريعة, أي الأعمال المستحبّة. وعلى الرغم من عدم وجوب العمل بالمستحبّات، ولكنّها تُعدّ من القيَم

136- الحكيمي، دراسة ظاهرة الفقر والتنمية(شناسي فقر وتوسعه)، م.س، ج2، ص210، 225-232.
السامية، وتشمل جميع المبادئ الحقوقيّة، والاجتماعيّة، والسلوكيّة.

وقد بيّن لنا القرآن الكريم المعيار الصحيح في استثمار النِعمة, وقوامه مراعاة الأسس التالية:

– التقوى: ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾137.

– العمل الصالح: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾138.

– الشكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾139.

– عدم الطغيان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾140.

– أداء الحقوق واجتناب الإسراف: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾141.

137- المائدة: 88.

138- المؤمنون: 51.

139- البقرة: 172.

140- البقرة: 172.

141- الأنعام: 141.
– ترك الذنوب وعدم اتّباع الشيطان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾142.

لقد خاطب الله تعالى خلقه بكلمة (كلوا) إيذاناً منه باستثمار نعمه التي أسبغها عليهم. والمراد من هذا الاستثمار أو الاستهلاك, مطلق التصرّف في النعمة، وليس الأكل فقط، فالأكل هو أحد مصاديق التصرّف بالنعمة. وكون مراعاة هذه التعاليم شرطٌ في الاستهلاك, فإنّ ذلك لا يعني الحرمة في تركها. فعلى سبيل المثال، الآية المباركة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾143 تحضّ الناس على شكر نِعم الله تعالى، ولكنّ استهلاك النعمة من دون شكر الله تعالى لا يُعدّ حراماً من الناحية الفقهيّة، بل إنّ العبد يُحرز رضا الله تعالى بشكر النِعمة.

ومراعاة القيَم السامية في استثمار الثروات غير مقيّدةٍ في مرحلةٍ محدّدةٍ، بل تشمل جميع المراحل، ابتداءاً من الإنتاج، ومروراً بالتوزيع، وانتهاءاً إلى الاستهلاك. فالإنسان مكلّفٌ بمراعاة هذه القيَم الأصيلة, لكي يتسنّى له تطوير واقعه الاقتصاديّ، والحفاظ على تماسك مجتمعه. ومن هنا، فعليه أن

142- البقرة: 168.

143- البقرة: 172.
يبذل قصارى جهوده في هذا المضمار، وأن يترك الأنانيّة في برنامجه الاستهلاكيّ, بحيث لا يعير أهمّيّةً لمصالحه الخاصّة، ويهمل المصالح العامّة, لأنّ الشريعة الإسلاميّة منعت الإفراط في استثمار الثروة وإهمال المصالح العامّة. فالإنسان الناجح في حياته هو من يحاول استثمار الثروة والإمكانيّات المتاحة بأسلوبٍ صحيح, حسب القيَم الدينيّة. وكذلك، فإنّ المجتمع المثاليّ في الاستهلاك هو الذي تروج فيه هذه المبادئ الأصيلة.

هـ – استهلاك الثروة وفق مصالح النظام الإسلاميّ:

قد تقتضي المصالح الاجتماعيّة والسياسيّة للمجتمع الإسلاميّ – أحياناً – تحريم استهلاك السلع المستوردة من البلدان غير الإسلاميّة, وذلك عندما تكون العلاقات السياسيّة والاجتماعيّة بين الدولة الإسلاميّة وتلك البلدان سبباً لبسط سيطرة هذه البلدان، واتّساع رقعة نفوذهم، أو في التبعيّة السياسيّة أو الاقتصاديّة لهم، أو في الحطّ من شأن المسلمين وإضعافهم. وبالطبع، فإنّ جميع المسلمين مكلّفون بالدفاع عن كيانهم السياسيّ والاقتصاديّ، وحفظ استقلالهم، وهذا الدفاع يمكن أن يكون عن طريق مقاطعة استهلاك السلع المنتجة في تلك البلدان، أو من خلال عدم بيعهم منتجات السوق الإسلاميّ.

قال الإمام الخمينيّ قدس سره في كتاب تحرير الوسيلة في هذا الصدد: “لو خِيف على حوزة الإسلام من الاستيلاء السياسيّ والاقتصاديّ المنجرّ إلى أسرهم السياسيّ والاقتصاديّ، ووهن الإسلام والمسلمين

وضعفهم, يجب – عندها – الدفاع بالوسائل المشابهة، والمقاومات المنفيّة, كترك شراء أمتعتهم، وترك استعمالها، وترك المراودة والمعاملة معهم مطلقاً”144.

وقال قدس سره في مورد آخر: “لو كان في الروابط التجاريّة، من الدول أو التّجار مع بعض الدول الأجنبيّة أو التجّار الأجنبيّين، مخافةً على سوق المسلمين وحياتهم الاقتصاديّة, وجب تركها، وحرمت

التجارة المزبورة، وعلى رؤساء المذهب مع خوف ذلك أن يحرّموا متاعهم وتجارتهم, حسب اقتضاء الظروف، وعلى الأُمّة الإسلاميّة متابعتهم، كما يجب على كافّتهم الجدّ في قطعها”145.

وفي أوضاعٍ كهذه، يجب على وليّ أمر المسلمين الحكم بحرمة المتاجرة بضائع كهذه، كما يجب على أبناء المجتمع الإسلاميّ الانصياع لهذا الحكم، ومقاطعة تلك البضائع, كما حدث في قضيّة تحريم التنباكو(التبغ) بعد فتوى الميرزا

144- الخميني، روح الله: تحرير الوسيلة، ط3، بيروت، دار التعارف، 1401هـ.ق، ج1، ص485، المسألة4.

145- الخميني، تحرير الوسيلة، م.س، ص487، مسألة10.
الشيرازيّ في عهد ناصر الدين شاه القاجاريّ146.

و- كيفيّة التصدّي للنزعة الاستهلاكيّة المُفرِطَة:

إنّ كلّ متبحّرٍ في المسائل الاقتصاديّة يُدرك أنّ إمكانيّة ادّخار ثروةٍ في بلدٍ ما, بغية تطويره, لها صلةٌ وثيقةٌ بالثقافة الاستهلاكيّة للشعب، ومدى توفير الأموال من دخلهم. فحينما تشوب النزعةُ الاستهلاكيّة ثقافةَ الناس، ويصبح إنفاقهم بمستوى دخلهم أو أعلى منه, فيسدّون الحاجة الزائدة عن الدخل عبر القروض والديون, فلا يتسنّى لهم توفير المال مطلقاً. لكن، حينما تكون ثقافتهم مقتصدةً، ويدّخرون ما زاد عن حاجتهم, فسوف تدور عجلة التطوّر في المجتمع، ويتّسع نطاق الاستثمار فيه، وفي الوقت نفسه سوف ينحسر نطاق الإسراف والتبذير.

لذا، فالمجتمعات الإسلاميّة بحاجةٍ ماسّةٍ إلى أنموذجٍ أمثلٍ في الاستهلاك، ومن الواضح أنّ ترويج الثقافة الصحيحة في الاستهلاك بحاجةٍ إلى تعليمٍ مستمرٍّ, لكي يترسّخ مبدأ القناعة بين الناس بصفته أصلاً

دينيّاً، وفي الوقت نفسه يُستأصل مبدأ الإفراط في الاستهلاك. ونتيجةً لذلك، سوف تنصبّ جلّ جهود أبناء المجتمع في توسيع نطاق الإنتاج، وسيسخّرون طاقاتهم فداءاً لمجتمعهم من خلال الانصياع لتعاليم دينهم.

146- أنظر: مباني الاقتصاد الإسلامي (مبانى اقتصاد اسلامى)، م.س، ص293.

ولو دقّقنا في أوضاع البلدان الأوروبيّة وسائر البلدان المتطوّرة، سنلاحظ أنّه رغم امتلاكها ثرواتٍ طائلةً وقدرةً عظيمةً, فإنّها تحارب الإسراف في مجتمعاتها على كافّة الأصعدة، مثل: الكهرباء، والماء، والغذاء، والوقود، كما تشوّق شعوبها لأن يكونوا مقتصدين وقانعين, لدرجة أنّهم يعتبرون إسراف الوافدين إلى بلدانهم إهانةً لهم، ولولا هذه الخصال المنافية للإسراف, لما تمكّنوا من تطوير بلدانهم، والتربّع على سلَّم الرقيّ الاقتصاديّ في العالم. وبفضل مراعاة الثقافة الاستهلاكيّة الصحيحة تمكّنوا من بلوغ هذه المكانة147.

ومن البديهيّ أن تكون ترويج فكرةٍ ما أو نشر ثقافةٍ معيّنةٍ في أيّ مجتمعٍ يقع على عاتق المسؤولين في البلاد. أمّا الحكومة الإسلاميّة، فيجدر بها أن تتّخذ إجراءاتٍ وتدابير منسجمةً مع المعايير الدينيّة, بغية تربية الأجيال الجديدة في مدارسهم وفي أحضان أسرهم تربيةً صالحةً, لتترسّخ في أذهانهم ثقافةً استهلاكيّةً صحيحةً يميّزوا من خلالها أضرار الاستهلاك المفرط وفوائد الاستهلاك المقتصد, وذلك من خلال الحدّ من رغباتهم، والتقليل من طلباتهم. وبالتالي، سوف يلعبون دوراً هامّاً في تحسين أوضاعهم المعيشيّة وأوضاع مجتمعهم مستقبلاً.

147- الحكيمي، دراسة ظاهرة الفقر والتنمية (شناسي فقر وتوسعه)، م.س، ج1، ص241.
ثالثاً: الادّخار:

لا يختلف اثنان في تأثير ادّخار الأموال على تماسك الأسرة والمجتمع ورقيّهما، وهذا الأمر – طبعاً – من أهمّ سياسات حُسن التدبير في المعيشة. فلو تصفّحنا تأريخ الأنظمة الحاكمة المستقرّة، والمجتمعات

البشريّة المتطوّرة والأسر الناجحة, للمسنا أهمّيّة التوفير، ومدى تأثيره الإيجابيّ عليها. أمّا النصوص الدينيّة فهي بدورها تطرّقت إلى أهمّيّة هذا الأمر، حيث سنشير إلى بعضها في الأبحاث التالية:

1- أهمّيّة الادّخار:

إنّ روح الانسجام والتعاون بين أعضاء الأسرة والمجتمع من أهمّ العوامل التي تساعد على تنامي الرغبة في التوفير لديهم. فعندما تسود هذه الروحيّة بينهم، ويتولّى زمام أمورهم وليّ أمرٍ مدبّرٍ, فسوف

يتسنّى لهم الادّخار، ولكن لو فُقد الانسجام والتعاون بينهم وبين إدارتهم، أو أنّهم تمرّدوا على أوامر ولي أمرهم, فسوف لا يتمكّنون من ادّخار أموالهم، وسيواجهون مصاعب في إدارة أمورهم.

إذن، لو سلك أعضاء الأسرة أو المجتمع نهج الإسراف والتبذير, فسوف لا يمكنهم ادّخار ما يلبّي متطلّباتهم عند الحاجة، حتّى وإن كان وليّ أمرهم مدبّراً وقانعاً. فإذا تمكّن

 الناس من ادّخار أموالهم وتسخيرها في النشاطات الإنتاجيّة, فسوف تتهيّأ الأرضيّة اللازمة للرقيّ الاقتصاديّ، وتتوافر فُرص العمل، ويرتفع المستوى المعيشيّ للناس. كما أنّ الادّخار بذاته يُعدّ سبباً للحيلولة دون الإسراف والتبذير. وكلّما زادت قدرة الناس على الادّخار, فسوف يبتعدون عن طبيعة الاستهلاك المُفرِط إلى حدٍّ كبيرٍ.

ومصادرنا الدينيّة حافلةٌ بنصوصٍ تؤكّد على أهمّيّة الادّخار، منها: ما قاله الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام :”إنَّ الإنسانَ إذا أدخل (ادّخر) طَعامَ سَنَةٍ, خَفَّ ظَهرُهُ وَاستَراحَ. وَكانَ أبو جَعفر وَأبو عَبدِ اللهِ عليهما السلام لا يَشتَريانِ عُقدَةً, حَتَّى يُحرِزا طَعامَ سَنَتِهِما”148.

فلو انتهج الإنسان هذا الأسلوب في المعيشة, سينعم براحة البال، ويستقرّ نفسيّاً. وبالطبع، فإنّ راحة بال أيّ إنسان لها تأثيرٌ كبيرٌ على نشاطاته, فهي تعتبر أساساً لتطوّره الفكريّ، ووازعاً لعطائه العمليّ، كما أنّها من أسباب تكامل شخصيّة الإنسان وسموّ المجتمع، وتعدّ ـ أيضاً ـ من دواعي امتثال أعضاء الأسرة لأداء مسؤوليّاتهم.

إذن، لا ريب في أنّ التوفير سيزرع روح الطمأنينة بين جميع أعضاء الأسرة والمجتمع، ولا يُبقي مجالاً للقلق والاضطراب

148- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب إحراز القوت، ح1، ص89.

بشأن المستقبل في أذهانهم. فوليّ أمر كهذه أسرةٍ أو مجتمعٍ كهذا, سيكون محترماً ومستّقلاً، حيث لا يضطرّ لأن يمدّ يده إلى الآخرين, طلباً للمعونة، وفي الوقت نفسه سوف لا يُجبر على مخالفة الأصول الأخلاقيّة والمعايير الدينيّة.

لذا، فإنّ تأكيد الإمام الرضا عليه السلام على ضرورة توفير متطلّبات الحياة لمدّة عامٍ, هو مثالٌ على الادّخار الممدوح الذي سنتطرّق إلى ذكره لاحقاً, وهو في الحقيقة تأكيدٌ على أهمّيّة الادّخار بشكلٍ عامٍّ149.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الادّخار ليس دائماً, بمعنى: توفير الأموال في الحياة الدنيويّة، فهناكٌ ادّخارٌ معنويٌّ – أيضاً – أكّدت عليه النصوص الدينيّة, وفيه بركاتٌ عظيمةٌ لا تفنى، وتفوق بركات الادّخار المادّيّ. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :”إذا ماتَ المؤمِنُ انقَطَعَ عَمَلُهُ، إلا مِن ثَلاثٍ: صَدَقَةٌ جاريَةٌ، أو عِلمٌ يُنتَفَعُ بهِ، أو وَلَدٌ صالِحٌ يَدعُو لَهُ”150.

149- إنّ مسألة ادّخار مؤونة سنةٍ, هي برنامجٌ يتمّ إجراؤه في الظروف العاديّة، وليس في الظروف المتأزّمة، ففي هذه الحالة فإنّ أئمّتنا عليهم السلام حالهم حال سائر الناس, إذ يهيّؤون مؤونتهم يوميّاً، ولا يجوّزون ادّخارها لمدّة سنةٍ. وبطبيعة الحال، في وقتنا الحاضر لا يتحقّق الادّخار بتوفير الأطعمة، بل يتمّ من خلال توفير الدخل الماليّ الزائد عن الحاجة.
المصدر:متابعات.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock