المكتبةفكرية

التربية الولائية

 

سلسلة المعارف التعليمية

التربية الولائية

الكتاب:

التربية الولائية

نشر:

جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

إعداد:

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

الإعداد الإلكتروني:

شبكة المعارف الإسلامية_www.almaaref.org

الطبعة الأولى:

2017م- 1438هـ

جميع حقوق الطبع محفوظة ©

سلسلة المعارف التعليمية

التربية الولائي

الفهرس

9

المقدّمة

11

الدرس الأول: ولاية الله وأولي الأمر

13

المقدّمة

13

الحاكميّة لله جلّ وعلا

15

ولاية الأنبياء والرسل عليهم السلام

16

ولاية الأئمّة المعصومين عليهم السلام

17

ملاحظات في دلالة الآية

21

الدرس الثاني: تفويض الولاية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم

23

المقدّمة

23

أبعاد الولاية وحدودها

26

العلماء حَمَلة المسؤوليّة

27

الخلاصة

29

الدرس الثالث: التربية الولائية عند أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم

31

المقدّمة

31

معركة بدر الكبرى

32

نماذج من مواقف الولاية والطاعة

34

لمحة سريعة حول معركة أُحد

35

مخالفة التكليف وعدم الالتزام بأومر القيادة

 

 

35

آثار المعركة

36

المواقف في معركة أحد

39

الدرس الرابع: الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

41

تمهيد

42

عشق الإمام علي عليه السلام

45

التسليم للإمام عليه السلام

49

الدرس الخامس: المتخاذلون ورفضُ الولاية العلوية

51

تمهيد

52

القاسطون

54

النّاكثون

55

المارقون

56

ثمرة البحث

61

الدرس السادس: الولاية عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

63

المقدّمة

63

من مواقف الأصحاب والآل الولائيّة

65

الولاية المطلقة لإمام زمانهم عليه السلام

66

صفات الأصحاب الولائيّة

71

الدرس السابع: صفات المتخاذلين عن ثورة الإمام الحسين عليه السلام

73

ظاهرة قلّة الأنصار في كربلاء

73

عوامل إيجابية مرجّحة لكثرة الأنصار

76

أسباب الخذلان ومنطلقاتُه

85

الدرس الثامن: الولاية وثقافة الانتظار

87

تمهيد

 

 

88

الولاية وانتظار الفرج

89

تجليات الولاية في عصر الغيبة

97

الدرس التاسع: وظائفُ الفقيه وصلاحيّاته

99

المقدّمة

99

الولاية بين اللغة والاصطلاح

101

وظائف الوليّ

107

الدرس العاشر: أدلّة ولاية الفقيه (1)

109

المقدّمة

109

الأدلّة النقليّة

117

الدرس الحادي عشر: أدلة ولاية الفقيه (2)

119

المقدّمة

119

الدليل العقليّ المحض

121

نتيجة مقدّمات الدليل العقليّ

123

الدليل العقليّ المركَّب

125

صياغة أخرى للدليل العقليّ

127

الدرس الثاني عشر: صفات الوليّ وشروطُه

129

المقدّمة

129

الفقاهة

131

الحصانة الأخلاقيّة

132

شرط الكفاءة

132

شروط أخرى

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله الطاهرين، وبعد…

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: “… إنّ لزوم الحكومة لِبَسْط العدالة، والتعليم والتربية، وحفظ النظام، ورفع الظلم، وسدّ الثغور، ومنع تدخّل القوى الأجنبية، من أوضح أحكام العقول، من غير فرقٍ بين عصرٍ وعصرٍ، أو مِصرٍ ومِصرٍ”[1].

تُعتبر الحاجة إلى الحكومة في المجتمع – قديماً وحديثاً – من الأمور المسلَّمة عند المفكّرين السياسيين، وقد ظهر ذلك جليّاً في أهداف بعثة الأنبياء عليهم السلام، ولا سيما أصحاب الشرائع، وبيّنوا للناس كيفية إدارة المجتمع، وضرورة الحكومة فيه.

وإنّ التأمّل في بعض أهداف الأنبياء عليهم السلام كإيجاد الأمن والنظام، وحكومة القسط والعدل، ورفاهية الحياة المادّية والمعنوية، وحفظ الحدود، وغيرها من المقرّرات الّتي أرادها الإسلام من أتباعه يُبيّن بالبداهة ضرورة إيجاد الحكومة في المجتمع، ويغنينا عن الاستدلال على ذلك.

ولقد أوهمَنا المستعمرون أنّه لا حكومة في الإسلام، ولا توجد فيه تشكيلات حكومية، وعلى فرض وجود مثل هذه الأحكام، فإنّ الإسلام يفتقر إلى الجهة المنفِّذة لهذه الأحكام، وبالتّالي فالإسلام دين تشريع فقط[2]، وهذا ما لا يوافق عليه علماء المسلمين كافّة.
لأنّهم يعتقدون بأنّ الله هو المالك الحقيقيّ، والحاكمية لله تعالى ومَن كلّفه الله إجراء القوانين الإلهية. فالعالَم مخلوق لله، وليس للإنسان أيّ دور في إيجاد الوجود ودوامه، ولا بدّ للإنسان من إطاعة خالقه، ولا ملزم لأيّ إنسان باتّباع غيره من الناس؛ لأنّ الناس متساوون، ولا ولاية أو تفضيل لأحد على غيره، ومن ثمّ فإنّ المقنِّن الواقعيّ هو الله سبحانه، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ[3].

وعليه، فإنّ قبول الحاكمية الإلهية يعني أنّ الحاكمية المشروعة هي الحكومة المكلّفة من قِبَل الله تعالى فقط، وأمّا حاكمية الظالمين فلا مشروعية لها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ[4].

هذا الكتاب “التربية الولائيّة” يتضمّن مجموعة دروس ميسَّرة في ولاية الفقيه، تهدف إلى التعريف بولاية الفقيه، مع الإشارة إلى ضرورة التربية على الأبعاد العملية للولاية، التي ترتبط بسلوك الإنسان العمليّ في مختلف الميادين والساحات، فضلاً عن إيمانه واعتقاده.

والحمد لله رب العالمين

مركز نون للتأليف والترجمة

الدرس الأول: ولاية الله وأولي الأمر

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن الأصل في موضوع الحاكميّة.

2- يشرح ولاية الأنبياء والرسل عليهم السلام.

3- يستدلّ على ولاية الأئمّة عليهم السلام

المقدّمة

لا شكّ في أنّ العقل السليم يقضي بضرورة وجود الحكومة، فالإنسان مدنيّ الطبع، والحكومة ضرورة في تنظيم علاقاته وإدارة سلوكه وتدبير شؤونه الحياتيّة. ولا ريب في أنّها تحتاج إلى قيّم وحاكم يديرها ويترأّسها، ويكون مسلَّطاً مبسوط اليد، فلمن تكون هذه الحاكميّة على الأفراد؟ ومن أين تنشأ؟

الحاكميّة لله جلّ وعلا

تعدّدت الآراء والنظريّات حول موضوع الحاكميّة، فمنهم من يرى بأّنها لمن تسلّط على الناس، ولو كان هذا التسلّط ظلماً وعدواناً، ومنهم من جعلها محصورةً بطبقة معيّنة وفئة خاصّة من الناس، وذلك من خلال تقسيم المجتمع إلى طبقة الأشراف وطبقة العمّال، والطبقة الأولى لها حقّ التقنين وإدارة المجتمع، بينما يرى آخرون بأنّ الحقّ هو للطبقة الثانية. كما ذهب بعض المفكّرين الغربيّين إلى أنّ هذا الحقّ لا يختصّ بفردٍ معيّن، بل هو لكلّ فرد من الناس، والأفراد هم الذين يعطون الشرعيّة للقوانين من خلال الانتخاب والتصويت وما شاكل.

وللإسلام نظرته الخاصّة في موضوع الحاكميّة، حيث يرى الإسلام أنّ هذا الحقّ ينحصر بالله تعالى، فهو مبدأ الوجود، والإنسان محتاج إليه في أصل وجوده، وبقاؤه متوقّف عليه، فالله جلّ وعلا هو المالك الحقيقيّ للإنسان، وبالتالي هو الوليّ والحاكم الواقعيّ له، ويجب على الإنسان إطاعة مَن منحه الوجود. وهناك الكثير من الآيات الكريمة التي تشير

إلى هذه الرؤية، يقول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[5]. تشير هذه الآية إلى أنّ الله هو مالك كلّ شي، وهو عليه قدير، ومن لوازم مملوكيّة الإنسان لله ومالكية الله عزّ وجلّ للإنسان أن يكون تدبير أمور المجتمع بيده فقط، والجميع مطيع لأمره خاضع له. وفي مكان آخر يقول الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾[6].

وقد جاءت النصوص كثيرة وواضحة في الكتاب الكريم بوجوب طاعة الله تبارك وتعالى، ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[7].

هذا فيما يعني الحاكميّة لله جلّ وعلا، فالأصل أنّه لا حاكميّة لفردٍ على فرد، وأنّ الحكم يكون لله فقط، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل أعطى الله هذه الحاكميّة لأحدٍ من عباده؟ وإنْ كان كذلك، فما هو الدليل؟ وما هي حدود هذه الحاكميّة؟

يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: “الولاية تعني الحاكميّة وقيادة المجتمع الإسلاميّ، ومن الطبيعيّ أنّها أمر مغاير للولاية والقيادة والحكومة في المجتمعات الأخرى. ولاية المجتمع في الإسلام مختصّة بالله تعالى، ليس لأيّ إنسان الحقّ في تولّي إدارة أمور الآخرين، فهذا الحقّ مختصّ بالله المتعال والمُنشِئ والعالِم بالمصالح، والمالك لأمور الناس، والمالك لجميع ذرّات عالم الوجود. وهذا الشعور نفسه في المجتمع الإسلاميّ أمرٌ قلّ نظيره، فأيّ سلطة، وأيّ سيف حادّ، وأيّ ثروة، وحتّى أيّ قوّة علميّة وإداريّة، لا تعطي لأحدٍ الحقَّ بأن يكون المالك والمقرّر لمصير الآخرين؟!

الله سبحانه تعالى يُعمِلُ هذه الولاية والحاكميّة من قنوات خاصّة، أي عندما يُنتخب الحاكم الإسلاميّ ووليّ أمر المسلمين، سواءٌ على أساس تعيين الشخص، كما حدث، طبقاً لعقيدتنا بالنسبة إلى أمير المؤمنين والأئمّة عليهم السلام، أو على أساس المعايير والضوابط، عندما

تُعطى له هذه الصلاحيّة بأنْ يدير أمور الناس، فإنّ هذه الولاية أيضاً هي ولاية الله، هذا الحقّ هو حقّ الله، وهذه هي السلطة والحكم الإلهيّان اللذان يجريان في الناس. ذلك الإنسان – مهما كان ويكون – من دون الولاية الإلهيّة والسلطة الإلهيّة، ليس له أيّ حقّ على الآخرين. وهذه نفسها مسألة مهمّة جداً، وحاسمة في مصير المجتمع الإسلاميّ”[8].

ولاية الأنبياء والرسل عليهم السلام

يحتاج الإنسان في حياته الاجتماعيّة المدنيّة إلى برنامجٍ ومرشدٍ لسلوك طريق الحياة، وضمان السعادة الحقيقيّة، والوصول إلى الكمال المنشود، وهو بنفسه عاجز عن اكتشاف طريق التكامل، كما يعجز عن تطبيقه وتنفيذه على نفسه وعلى الآخرين، فهو كما يحتاج إلى الله في أصل وجوده وخروجه من حيّز العدم، كذا يحتاج إليه تعالى في معرفة ذلك الطريق وسلوكه

لذا كان الأنبياء والرسل، لهداية الناس، وإخراجهم من غيّهم والظلامات، إلى نور الهدى والإيمان، فهم رسل الله إلينا، والدعاة إليه، وقد اصطفاهم الله من بين خلقه، لعلمه بصلاحهم وحسن سريرتهم وقدرتهم على تحمّل عبء الدعوة ومشقاتها، فاكتنفهم وأحاطهم بالعصمة، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ[9]، وقرن دعوتهم بالمعجزات، وفرض على الناس طاعتهم، بل إنّه جعل طاعتهم من طاعته، كيف لا؟ وهم الذين أرسلهم لبيان شريعته وأحكامه، والعمل على تثبيتها وتطبيقها.

وقد بيّن الله ذلك في كتابه الكريم، في مواضع عديد، وبأساليب دلاليّة وبلاغيّة مختلفة، حيث تدلّ الآيات إلى أنّ الله قد فوّض إليهم مرتبةً من الولاية، وعلى الناس أن تطيعهم وتنصاع لهذه الولاية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾[10].

ويخاطب الله رسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ﴾[11]، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾[12]، وكذا في خطاب بقية الرسل، قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾[13].

فهذه الآيات وغيرها، واضحة الدلالة في وجوب الطاعة للرسل، وبأنّهم أئمّة للناس، وخلفاء الله في أرضه، وما يصدر عنهم من أفعال وأقوال إنّما هو وحيٌ إلهيّ: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى[14].

﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ *  مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ *  وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ *  وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ[15].

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ[16]

هذه الآيات وغيرها، تبيّن أنّ الله تعالى قد جعل ولايةً لرسله على الناس، وأنّهم مفترضوا الطاعة من قِبَلِه، ويجب على الناس الاقتداء بهم وبهديهم، والالتزام بأوامرهم، لأنّها أوامر الله تعالى.

ولاية الأئمّة المعصومين عليهم السلام

مع رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الدنيا، أُغلِق باب الوحي الإلهيّ، فهو سيّد الأنبياء وخاتمهم، والرسالة الإسلاميّة هي الرسالة الخاتمة والناسخة لجميع الرسالات قبلها، يقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾[17]. وكان لا بدّ من تعيين خليفة بعد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، يقوم بتولّي مهامه

في قيادة الإسلام والمسلمين. وبحسب عقيدة الإماميّة، فإنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عيّن في حياته الإمام عليّاً عليه السلام خليفةً له، وذلك بأمرٍ إلهيّ، فاستودعه العلوم والمعارف ليقوم بحفظ الشريعة وأحكام الإسلام، ونشرها وتبليغها، كما عيّن بعد أمير المؤمنين عليه السلام أحدَ عشرَ معصوماً لمقام الخلافة، ومسؤوليّة الدعوة والتبليغ، يدافعون عن الإسلام، ويعملون على تنفيذ أحكامه وقوانينه، مع مراعاة متطلّبات الأوضاع والظروف المحيطة، ومقتضيات الزمان والمكان.

وهذا المنصب قد جعله الله عزَّ وجلَّ لهم، وإطاعتهم واجبة بأمر من الله ورسوله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[18].

ملاحظات في دلالة الآية

– وردت كلمة “وليّ” بصيغة المفرد، مع أنّ سياق الآية هو الحديث عن ولاية الله والنبيّ وبعض المؤمنين، وهذا يدلّ على أنّ الولاية هي لله فقط بشكل أساس، أمّا للنبيّ والأئمّة الأطهار عليه السلام فهي بالتبع والتعيين منه جلّ وعلا.

– تشير الآية في ختامها إلى حادثة تاريخيّة حصلت مع أمير المؤمنين عليه السلام، فقد ورد في سبب نزولها: إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل أصحابه بعد نزول الآية: من منكم تصدّق في ركوعه؟ فأجابه الفقير الذي وصلته الصدقة بأنّه أمير المؤمنين عليه السلام، وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “نحن قوم فرض الله عزَّ وجلَّ طاعتنا”[19]. فالآية ليست ناظرة إلى بيان حكم من الأحكام، والتصدّقُ أثناء الصلاة، ولا سيّما أثناء الركوع، ليس من مستحبّات الصلاة.

والنتيجة هي أنّ من ختاره الله عزَّ وجلَّ لتكون له “الولاية” إنّما هم الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، بمعنى أنّ لهم حقّ إدارة شؤون المجتمع، وإنّ طاعتهم واجبة بأمرٍ من الله.

وقد ورد في السنّة النبويّة الشريفة روايات تتحدّث عن خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، منها ما دلّ على كونهم من قريش، ومنها ما دلّ على كونهم من بني هاشم، وبعضها ذكر عددهم وأسماءهم، نذكر منها:

– عن جابر بن سمرة، قال: “كنت مع أبي عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فسمعته يقول: “يكون بعدي اثنا عشر أميراً”، ثمّ أخفى صوته، فقلت لأبي: ما الذي أخفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: قال: “كلّهم من قريش”[20].

– عن سلمان الفارسيّ (رحمه الله)، قال: دخلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا الحسين على فخذيه، وهو يقبّل عينيه، ويلثم فاه، وهو يقول: “أنت سيّد ابن سيّد، أنت إمام ابن إمام، أنت حجّة ابن حجة، أبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم”[21].

المفاهيم الرئيسة

1- يرى الإسلام أنّ حقّ الحاكميّة منحصر بالله تعالى، فهو مبدأ الوجود. والإنسان محتاج إليه في أصل وجوده، وبقاؤه متوقّف عليه، فالله جلّ وعلا هو المالك الحقيقيّ للإنسان، وبالتالي هو الوليّ والحاكم الواقعيّ له، ويجب على الإنسان إطاعة من منحه الوجود.

2- الأصل هو عدم ولاية فرد على فرد، والحاكميّة أوّلاً وآخراً هي لله الخالق

3- إنّ الله تعالى قد جعل ولايةً لرسله على الناس، وهم مفترضوا الطاعة من قبله، ويجب على الناس الاقتداء بهم وبهديهم، والالتزام بأوامرهم، لأنّها أوامر الله تعالى.

4- عيّن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حياته الإمام عليّاً عليه السلام خليفةً له، وذلك بأمرٍ إلهيّ، كما عيّن بعد أمير المؤمنين عليه السلام أحدَ عشرَ معصوماً لمقام الخلافة، ومسؤوليّة الدعوة والتبليغ، وهذا المنصب قد جعله الله عزَّ وجلَّ لهم، وإطاعتهم واجبة بأمر من الله ورسوله.

الدرس الثاني: تفويض الولاية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن أبعاد الولاية وحدودها.

2- يشرح دور العلماء في عصر الغيبة الكبرى.

3- يوضّح التسلسل في الولاية من الله إلى الأنبياء والرسل، ثمّ الأئمّة، فالعلماء.

المقدّمة

تكلّمنا في الجزء الأوّل من هذا الدرس عن الأصل في موضوع الحاكميّة، وأنّ الأصل هو عدم ولاية فردٍ على آخر، إلا ما خرج بدليل، فالحاكميّة هي لله جلّ وعلا فقط، يمنحها لمن يشاء ويصطفي من عباده، وقد اصطفى الرسل والأنبياء والأوصياء عليهم السلام، فمنحهم إيّاها، وعلى ذلك أدلّة وبراهين عديدة من القرآن الكريم.

وفيما يأتي في الجزء الثاني من الدرس، نتكلّم عن الأبعاد والحدود لهذه الولاية من قِبل الله لأنبيائه ورسله وأوصيائه، ثمّ بعد هؤلاء المصطفَين من الناس، لمن تكون هذه الولاية، ومن الذي يرث هذا العبء العظيم الذي خصّ الله به بعض عباده.

أبعاد الولاية وحدودها

الأبعاد التي تشملها الولاية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام هي الآتية:

1- تفويض النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تشريع الأحكام:

إنّ أصل تشريع الأحكام بيد الله عزَّ وجلَّ، ولكنّه في بعض الموارد جعل تشريعَ سلسلة من الأحكام بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لبيان عظمته صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه الموارد إنّما كانت تحت إرادة الله وإمضائه.

وأيضاً قد يصدر من النبي مجموعة من الأوامر لأجل تطبيق وإجراء الأحكام الكلّية الإلهيّة، وقد جعل عزَّ وجلَّ أمر اختيارها وتشريعها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجعل طاعتها والالتزام بها واجباً كسائر الأحكام الإلهيّة.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا[22]

وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام: “إنّ الله عزَّ وجلَّ فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات، فأضاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة، فصارت عديلَ الفريضة، لا يجوز تركهنّ إلّا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله عزَّ وجلَّ ذلك كلّه… وفرض الله في السنّة صوم شهر رمضان، وسنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صوم شعبان وثلاثة أيّام في كلّ شهر مثليّ الفريضة، فأجاز الله عزَّ وجلَّ له ذلك كلّه”[23].

2- الزعامة السياسيّة والاجتماعيّة:

البعد الثاني في الولاية هي القيادة السياسيّة والاجتماعية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الطاهرين عليهم السلام من قبل الله عزَّ وجلَّ في جميع الشؤون السياسيّة والاجتماعية والاقتصادية، والمجتمع الإسلاميّ. وطاعتهم في هذه الأمور واجبة، ومعصيتهم محرّمة. وهذا الأمر تثبته الروايات والآيات:

قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ[24].

وقال الله تعالى أيضاً: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾[25].

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الغدير عندما عيَّن عليّاً عليه السلام لمقام الخلافة: “أيّها الناس، من وليّكم وأولى بكم من أنفسكم؟”.

قالوا: الله ورسوله.

فقال: “من كنت مولاه فعليّ مولاه…”[26].

3- المرجعيّة في أمور القضاء وفصل الخصومة:

من المناصب التي جعلها الله عزَّ وجلَّ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة، الولايةُ في القضاء وفصل الخصومة. نعم هذا المنصب هو فرع من الزعامة الدينيّة لهؤلاء، والناس مأمورون بالرجوع إليهم والتسليم لهم، ويؤكّد ذلك السيرة القائمة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام.

قال الله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾[27].

وعن الإمام الصادق عليه السلام: “اتّقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، لنبيّ أو وصيّ نبيّ”[28].

4- المرجعيّة الدينيّة:

إنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام هم مرجع العلم والمعرفة والدين، وما يؤخذ عن غيرهم باطل، والحقّ لا يؤخذ إلا من عندهم، وهذا ما دلّت عليه الروايات والأحاديث الشريفة:

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام لرجل من أهل الكوفة، عن قول أمير المؤمنين عليه السلام: “سلوني عما شئتم، فلا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به”، قال: “إنّه ليس أحد عنده علم شيء إلا خرج من عند أمير المؤمنين عليه السلام، فليذهب الناس حيث شاؤوا، فوالله ليس الأمر إلا من هاهنا، وأشار بيده إلى بيته”[29].

وعن الإمام أبي جعفر عليه السلام أيضاً لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: “شرّقا وغرّبا، فلا تجدان علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهلَ البيت”[30].

العلماء حَمَلة المسؤوليّة

استمرّت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وُلده الأطهار عليهم السلام حتى شهادة الإمام الحادي عشر، الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام، وانتقلت مواريث الإمامة إلى ولده صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وكانت الغيبة الصغرى بوساطة السفراء الأربعة بين الإمام وبين الناس، ثمّ كانت الغيبة الكبرى.

وقد خلّف الأئمّة الأطهار عليهم السلام مئات الألوف من الأحاديث والروايات في شتّى المعارف والمجالات الإسلاميّة، كما تخرّج على أيديهم آلاف العلماء والشخصيّات القادرة على استيعاب المعارف الدينيّة العالية، وتحمّل مسؤوليّة تطبيق الأحكام والقوانين الإلهيّة، والقيام بنشرها وتبليغها، والدفاع عن الإسلام والمسلمين.

لقد عمد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام بعده إلى تربية أعداد كبيرة من هذه العناصر الواعية العالمة لكي تتحمّل مسؤولية التبليغ والهداية والدفاع. وهناك الكثير من الأحاديث التي تشير إلى ضرروة قيام العلماء بالتصدّي وتحمّل مسؤولية ومهام الإمامة في عصر الغيبة:

عن الإمام الصادق عليه السلام: “إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وذَاكَ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُورِثُوا دِرْهَماً ولَا دِينَاراً، وإِنَّمَا أَوْرَثُوا أَحَادِيثَ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَقَدْ أَخَذَ حَظَّاً وَافِراً، فَانْظُرُوا عِلْمَكُمْ هَذَا عَمَّنْ تَأْخُذُونَه، فَإِنَّ فِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِي كُلِّ خَلَفٍ عُدُولاً يَنْفُونَ عَنْه تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ”[31].

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّ مَثل العلماء في الأرض كمَثل النجوم في السماء، يُهْتدَى بها في ظلمات البرِّ والبحر، فإذا طُمِست أوشك أن تضلّ الهداة”[32].

وخير دليلٍ على تنصيب العلماء لمهام الولاية في عصر الغيبة الكبرى، هو ما ورد في توقيع صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ردّاً على مكاتبة إسحاق بن يعقوب: “… وأمّا الحوادث الواقعة

فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله…[33]. كدليلٍ نقليّ على الولاية العامّة للفقهاء في عصر الغيبة الكبرى.

الخلاصة

الأصل هو عدم ولاية فرد على فرد، والحاكميّة أوّلاً وآخراً هي لله الخالق، ويجب على عباده طاعته والالتزام بأوامره ونواهيه. وهذه الحاكميّة جعلها الله تبارك وتعالى لبعض عباده، لخصوصيّة فيهم، ولأهليّتهم لها، وهم الرسل والأنبياء الذين بعثهم قادة وسادة لقافلة الوجود، ثمّ كان الدين الخاتم مع الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، وبرحيله كانت الولاية من الله جلّ وعلا لخلفائه الأطهار عليهم السلام، ثمّ كانت الغيبة الكبرى لصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، لقلّة الناصر والمعين، فكانت الولاية في عصر غيبته الكريمة، وبأمرِ منه عليه السلام، للعلماء والفقهاء، بغية الحفاظ على الدين الإسلاميّ وأحكامه، وضمان استمراره نهجاً نيّراً لكلّ من ينشد السعادة والكمال.

المفاهيم الرئيسة

1- الأبعاد التي تشملها الولاية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة هي الآتية:

– تفويض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تشريع الأحكام.

– الزعامة السياسيّة والاجتماعيّة.

– المرجعيّة في أمور القضاء وفصل الخصومة.

– المرجعيّة الدينيّة.

2- عمد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ووالأئمّة عليهم السلام بعده إلى تربية أعداد كبيرة من العلماء، لكي تتحمّل مسؤولية التبليغ والهداية والدفاع.

3- وهناك الكثير من الأحاديث التي تشير إلى ضرروة قيام العلماء بالتصدّي وتحمّل مسؤولية ومهام الإمامة في عصر الغيبة.

الدرس الثالث: التربية الولائيّة عند أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى معركتي بدر وأحد وما جرى فيهما.

2- يذكر بعضاً من المواقف الولائيّة في المعركتين.

3- يشرح سبب نكسة المسلمين في معركة أحد.

المقدّمة

نتحدّث في هذا الدرس عن أهمّ المعارك التي حصلت مع الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، بعد هجرته إلى يثرب، المدينة المنوَّرة، بسنوات قليلة، وهما معركتا بدرٍ وأحد، في السنة الثانية والسنة الثالثة من الهجرة، محاولين الاستفادة من دروسهما في ما يعني الولاية والطاعة، ومدى تأثير هذه الولاية في النتيجة من نصرٍ أو هزيمة.

معركة بدر الكبرى

“معركة بدر” هي أوّل معركة مُسلَّحة كبرى خاضها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون في مواجهة المشركين من قريش، وذلك يوم الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثانية من الهجرة، قُرْبَ بئر بدر، على بُعد مئةٍ وستين كيلو متراً من المدينة تقريباً، فيما بينها وبين مكّة المكرّمة.

خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً من أصحابه، يبغون السيطرة على القافلة التجاريّة المتوجِّهة من الشام إلى مكّة، بقيادة أبي سفيان. وحين علم أبو سفيان بتحرُّك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم غيّر طريقه، وأرسل إلى مكّة يطلب النجدة، فأقبلت قريش بألف مقاتل لحماية القافلة، وفعلاً نجت القافلة، إلّا أنّ أبا جهل وغيره أصرَّوا على العدوان، وقرّروا الهجوم على المسلمين، والتقى الجمعان في بدر، وبدأت المعركة دون أدنى تكافؤ، لا في العدد ولا في العتاد، ولكنّ الله أنزل الكثير من ألطافه ورحمته، فتدخّلت يد الغيب، وجاء المدد الملائكيّ، فحقّق الله سبحانه النصر للإسلام والمسلمين، واندحرت قوّة قريش، وأسفرت المعركة عن سبعين قتيلاً وسبعين أسيراً من المشركين، ولم يسقط من المسلمين

سوى تسعة شهداء، وقيل أحد عشر، وقيل أربعة عشر شهيداً، ولم يُؤسر أحدٌ منهم.

وأثبتت تجربة بدر:

1- أنّ القِلّة المؤمنة المجاهدة الصابرة التي تملك إرادة قويّة وعزيمة راسخة، وإخلاصاً ووعياً وتخطيطاً، تستطيع أن تُحقّق الانتصارات والإنجازات الكبرى بإذن الله، حتّى ولو كان العدوّ يملك الكثرة والقوّة الماديّة الكبيرة.

يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ[34].

2- إنّ النصر بحاجة إلى عنصر روحيّ معنويّ هو الإيمان بالله، والإخلاص له، والاعتماد عليه، والثقة به، وغير ذلك ممّا يُوفِّر للإنسان قوّة روحيّة ومعنويّة، تُبعده عن الشعور بالقلق والخوف والضياع أمام مواقف التحدّي.

وقد كان هذا العنصر حاضراً بقوّة في بدر ومجاهديها، وقد ساهم بصورة أساس في تحقيق الانتصار في هذه المعركة، وفي كلّ المعارك التي خاضها المسلمون في مواجهة أعدائهم.

نماذج من مواقف الولاية والطاعة

إنّ القيادة الصالحة والحكيمة المتمثّلة بشخص الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، لهو عنصر أساس في موضوع النصر الإلهيّ في بدر، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام: “كُنّا إذا احمرّ البأس، اتّقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يكن أحد منّا أقرب إلى العدوّ منه”[35]، مضافاً إلى عنصرٍ آخر تجسّد في الالتزام والطاعة والانصياع الكامل والتامّ لأوامر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وخططه، والمصداق الأبرز للعنصر الثاني هو أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ الحمزة عمّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وابن عمّه عبيدة

بن الحارث، وخصومهم الثلاثة: عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾[36].

هذا في المعركة، وقد تجلّت مواقف عدّة قبل المعركة، تدلّ على مدى إيمان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتسليمهم المطلق، وولائهم الكامل، نذكر منها:

1- موقف المقداد بن الأسود:

وللمقداد بن الأسود موقف يُبرز هذه الطاعة الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك عندما أتاه خبرٌ عن قريش ومسيرهم ليمنعوا عِيرهم، فاستشار الناسَ وأخبرهم عن قريش، فقام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله، امضِ لأمر الله، فنحن معك. واللهِ، لا نقول لك كما قالت بنوا إسرائيل لنبيها: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[37]، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون. والذي بعثك بالحقّ، لو سرتَ بنا إلى بُرك الغماد لسرنا معك” (وبرك الغماد من وراء مكة بخمس ليالٍ من وراء الساحل ممّا يلي البحر، وهو على ثمان ليال من مكّة إلى اليمن)، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيراً، ودعا له بخير”[38].

2- موقف سعد بن معاذ:

ولِسعد بن معاذ موقفٌ مماثلٌ، جسّد فيه موقف الأنصار مع الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، عندما خاطبهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: “أشيروا عليّ أيّها الناس”.

فقام سعد بن معاذ، فقال: “أنا أجيب عن الأنصار، كأنّك يا رسول الله تريدنا”، قال: “أجل”، قال: نّك عسى أن تكون خرجت عن أمرٍ قد أُوحي إليك في غيره، وإنّا قد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ كلّ ما جئت به حقٌّ، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة، فامضِ يا نبيّ الله، فوالذي بعثك بالحقّ، لو استعرضتَ هذا البحر فخضتَه لخضناه معك، ما بقي منّا رجل، وَصِلْ مَنْ شئت، واقطعْ مَنْ شئت، وخُذْ من أموالنا ما شئت، وما أخذتَ من أموالنا أحبُّ إلينا ممّا تركت. والذي نفسي بيده، ما سلكتُ هذا

الطريق قطّ، وما لي به من علمٍ، وما نكره أن يلقانا عدونا غداً، إنّا لصبرٌ عند الحرب، صدقٌ عند اللقاء، لعلّ الله يُريك منّا ما تقرّ به عينك”[39].

إنّ في هذين الموقفين دلالةً واضحةً على مدى التسليم والطاعة للوليّ، ومدى تأثير ذلك في تحقيق النصر وصنعه، فهذا الإيمان بالله تعالى، والثقة التامّة برسوله، عاملان أساسان في هزيمة قريش وانتصار المسلمين في بدر، والذي شكّل مفاجأة غير مُتوقَّعة، وصلت أصداؤها إلى الحبشة.

لمحة سريعة حول معركة أُحد

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾[40].

استمرّت أحداث بدر ومعركتها التاريخيّة تتفاعل حقداً وكيداً في نفوس المشركين في مكّة. ولم يكن لدى أبي سفيان، قائد الشرك والعدوان آنذاك، غير التفكير بالحرب ومعاودة الهجوم على المسلمين بدافع الثأر، وتحقيق نصر عسكريّ يُغيِّر الآثار النفسيّة والإعلاميّة التي أنتجتها معركة بدر.

دقّ المشركون طبول الحرب، وخطّطوا للعدوان والهجوم على المدينة، ثمّ زحفوا نحوها، وكان عددهم ثلاثة آلاف مقاتل، ومعهم عتاد وسلاح كثير، وأخرجوا النساء معهم ليُشجعنّ الجنود على القتال.

عرف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمسيرهم، فأعلن التعبئة العامّة في صفوف المسلمين استعداداً للدفاع، وبثّ العيون ورجال الاستطلاع في المنطقة لجمع المعلومات، وبعد أن استشار أصحابه في سُبُل التصدّي، قرّر مواجهة العدوّ خارج المدينة، فخرج صلى الله عليه وآله وسلم في ألف مقاتل تقريباً، غير أنّ المنافقين بقيادة عبد الله بن أُبيّ بن سلول، انسحبوا قبل الوصول إلى ساحة المعركة، وكانوا ثلاثمئة، فواصل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسيرة الجهاد بسبعمئة مقاتل، والتقى الفريقان عند جبل

أُحد على بُعد بضعة كيلومترات من المدينة، في شهر شوّال من السنة الثالثة من الهجرة

رسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خارطة المعركة، وحدّد مواقع جيشه، فوضع الرماة عند تلّة مشرفة في الجبل، وكان عددهم خمسين رجلاً، ليسُدَّ بهم ثغرة يُمكن للعدوّ أن يتسلّل منها، وليُوفّر حماية خلفيّة للجيش الإسلاميّ، وأمرهم بعدم ترك مواقعهم مهما حدث، فقال: “احموا ظهورنا، فإنْ رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا، وإنْ رأيتمونا قد غنمنا فلا تُشركونا”[41].

مخالفة التكليف وعدم الالتزام بأومر القيادة

بدأت المعركة، وكان النصر حليف المسلمين في الجولة الأولى، فاستولت قوّاتهم على ساحة المعركة، وانهزم العدوّ، وبدؤوا بجمع الغنائم، فاستهوت الغنائم نفوس بعض الرماة، فتركوا مواقعهم، واندفعوا نحو الغنائم، مخالفين بذلك أوامر قائدهم الذي رفض مع قلّةٍ منهم أن يترك موقعه امتثالاً لتكليف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ممّا أحدث ثغرة في صفوف المجاهدين، فاستغلّها خالد بن الوليد، أحد قادة المشركين آنذاك، فهاجم المجاهدين من خلفهم، فتسبّب هذا الهجوم ببعثرة الجيش الإسلاميّ، وانهزامه أمام المشركين الذين استعادوا أنفاسهم بعدما تمكّن خالد بن الوليد من قتل القلّة التي بقيت على الجبل، والالتفاف على المسلمين المُنشغلين بجمع الغنائم، وصرخ صارخ أنّ محمّداً قد قُتل، فَتَشَتَّت المسلمون تحت وقع المُباغتة، وتفرّقوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

آثار المعركة

لقد أُصيب المسلمون، بفعل النكسة في أُحد”، بصدمة عنيفة وحزن عميق، وشعروا بالضعف والإحباط، حتّى كاد اليأس يتسرّب إلى بعضٍ منهم، والشكّ إلى بعضٍ.

الخسارة كانت فادحة، فقد سقط فيها سبعون شهيداً تقريباً، وفي مقدّمهم حمزة بن عبد المطّلب ومصعب بن عمير، مضافاً إلى عدد كبير من الجرحى، حتّى أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أُصيب ببعض الجراح في وجهه، وبلغت جراحات الإمام عليّ عليه السلام نيّفاً وستّين جراحة،

وقيل أكثر من ذلك، بين طعنة ورمية وضربة، أثناء دفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

المواقف في معركة أحد

إنّ من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى فشل المسلمين في أُحد”، هو عدم الانضباط والتقيُّد بأمر القائد وتوجيهاته مهما كانت الظروف، فعناية الله بالمؤمنين، وتسديده لهم، لا يعني إلغاء الأسباب الطبيعيّة جميعها كليّاً، بل إنّ العناية والمدد الإلهيّين مشروطان بالسعي والالتزام والولاية المطلقة.

وإنّ من أخطر المواقف التي واجهت المسلمين في أُحد هو موقف مَنْ بدأ يبحث عمّن يأخذ له الأمان من العدو لينجوَ بنفسه، وبدأ يشكّك بصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته، وذلك بعدما انتشرت إشاعة مقتله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال بعضهم: ليتنا نجد من يأخذ لنا الأمان من أبي سفيان”، وقال آخرون: و كان محمّد نبياً لم يُقتل، الحقوا بدينكم الأول”.

وقد تحدّث القران عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ[42].

بينما نرى الموقف الولائيّ المطلق لأمير المؤمنين عليه السلام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعد فرار المسلمين، حيث ثبت معه يذود عنه بسيفه، وفي هذه المعركة نادى جبرائيل عليه السلام: “لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلا عليّ”[43].

المفاهيم الرئيسة

1- “معركة بدر” هي أوّل معركة مُسلَّحة كبرى خاضها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون في مواجهة المشركين من قريش.

2- أثبتت معركة بدر أنّ القِلّة المؤمنة المجاهدة الصابرة تستطيع تحقيق إنجازات كبرى بإذن الله، حتّى ولو كان العدوّ يملك الكثرة والقوّة الماديّة الكبيرة. وأنّ النصر يحتاج إلى عنصر روحيّ معنويّ هو الإيمان بالله، والإخلاص له، والاعتماد عليه، والثقة به.

3- تجلّت مواقف عدّة قبل المعركة، تدلّ على مدى إيمان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتسليمهم المطلق، وولائهم الكامل، كموقف المقداد بن الأسود، وسعد بن معاذ.

4- إنّ من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى فشل المسلمين في “أُحد”، هو عدم الانضباط والتقيُّد بأمر القائد وتوجيهاته مهما كانت الظروف، وإنّ العناية والمدد الإلهيّين مشروطان بالسعي والالتزام والولاية المطلقة.

الدرس الرابع: الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن كيف تجليات العشق في مواقف الأصحاب عليه السلام.

2- يُدرك أهميَّة الثبات على الولاية من خلال مواقف الخُلّص من أصحاب الإمام علي عليه السلام.

3- يذكر بعض مواقف التسليم والطاعة للإمام علي عليه السلام.

تمهيد

إنّ من يطالع حياة أصحاب أهل البيت عليهم السلام، وينظر في مواقفهم المشرّفة، يلاحظ مجموعة من القيم، أبرزها: عشق الإمام، ومودَّته، وطاعته، والتسليم لأمره، والثبات على ولايته، وصولاً إلى الشهادة بين يديه، مهما كانت الصعوبات أو التضحيات.

هذه حال أصحاب الأئمة عليهم السلام، ومنهم أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام الذين صمدوا مع الإمام عليهم السلام، وحاربوا إلى جنبه، وكانوا على قدرٍ كبير من البصيرة في أصعب مراحل التاريخ الإسلاميّ وأشدّها، حتى قال فيهم أمير المؤمنين عليه السلام: “لا يحمل هذا العلم إلّا أهل البصر والصبر[44].

كانوا شخصيات مؤمنة ذوي بصيرة ووعي، وكان لهم دورٌ مؤثر في بثّ الوعي بين شرائح المجتمع الإسلاميّ، ولهذا السبب يُلاحَظ أن الهجمات الأساس لأعداء أمير المؤمنين عليه السلام وُجّهت صوب هذه الشخصيات، ضد مالك الأشتر وعمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر، وضدّ كل من وقف إلى جانب أمير المؤمنين عليه السلام، وأثبت صلابة إيمانه وإخلاصه، وسلامة بصيرته، وصدق ولايته لإمام زمانه، ولهذا قضى أكثر الأصحاب شهداء.

لذا سنحاول في هذا الدرس أن نسلّط الضوء على بعض المواقف الولائية المشرّفة التي سطّرها بعض أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام، لما لهذه المواقف من دروس وعبر تربوية غاية في الأهمية عند كل متبصّر حريص على بناء وإعداد نفسه، ليكون على أتمّ الجهوزية والاستعداد لنصرة دين الحق وأئمته عليهم السلام.

عشق الإمام علي عليه السلام

إنّ محبة أهل البيت عليهم السلام فرض إلهي واجب، جعله الله عز وجل أجراً لرسوله

﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى[45]، فمودتهم وطاعتهم واجبة. لذا عندما جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ليسأله عن حبّ الإمام علي عليه السلام قائلا: “هَلْ يَنْفَعُنِي حُبُّ عَلِيٍ‏ عليه السلام فَقَالَ: وَيْحَكَ، مَنْ أَحَبَّهُ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي أَحَبَّ اللَّهَ، وَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ لَمْ يُعَذِّبْهُ”[46]. وقَالَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يَا سُلَيْمَانُ، حُبُ‏ عَلِيٍ‏ إِيمَانٌ،‏ وَبُغْضُهُ نِفَاقٌ. وَاللَّهِ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُ إِلَّا مُنَافِق[47]‏.

وقد حفلت حياة أصحاب الامام علي عليه السلام بأسمى آيات الحبّ والموّدة، بل إنّ عشق الإمام عليه السلام أخذ بأفئدة الأصحاب حتى أعرضوا عن كل شيء ما خلا المعصومين.

وهذا غيضٌ من فيض، وبعضٌ من مواقف العشق لعلي عليه السلام:

1- عدي بن حاتم الطائيّ وإنصافُه للإمام:

روي أنَّ عدي بن حاتم الطائيّ وكان قد أُصيب بعينه يوم معركة الجمل، واستُشهد أولاده الثلاثة: طريف وطراف وطرفة مع أمير المؤمنين عليه السلام دخل ذات يوم على معاوية بن أبي سفيان، وعنده عبد الله بن الزبير، فقال له ابن الزبير: “يا أبا طريف، متى ذهبت عينك، قال: يوم فرّ أبوك منهزماً فقُتل، وضُربتَ على قفاك وأنت هارب، وأنا مع الحق، وأنت مع الباطل. فقال معاوية: ما فعل الطُرْفان (يعني طريفاً وطرافاً وطرفة أبناءه)؟ قال: قُتلوا مع أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له: ما أنصفَك عليَّ إذ قَدّم أبناءك وأخّر أبناءه! قال: بل أنا ما أنصفته، قُتل وبقيتُ بعده”[48].

عمّار بن ياسر ومعركةُ صفين:

روي أنَّ عمار بن ياسر ارتجز بعض هذه الأبيات قبل شهادته في معركة صفين، وفيها تتجلّى أسمى آيات العشق العلويّ:[49]

كَلّا وربِّ البيت لا أبرح أجي       حتى أموت أو أرى ما أشتهي

لا أفتأ الدهر أحامي عن علي       صهرِ الرسول ذي الأمانات الوفي

ينصرنا ربّ السماوات العلي       ويقطع الهام بحدّ المشرفي

يمنحنا النصر على من يبتغي       ظلماً علينا جاهداً ما يأتلي.

الثبات على الولاية

تُعتبر مسألة الثبات مسألة أساس في تماسك التنظيم واستمراريته ونجاحه في بلوغ أهدافه وتحقيق مساعيه. فمن دون الثبات لا يمكن لأيّ تنظيم أن يستمرّ، خصوصاً إذا واجهته ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية ضاغطة.

والعارف بحقيقة التنظيم الشيعيّ لن يستغرب ثبات أفراده على مبادئهم، فهم أناس عقائديون أصحاب مشروع أخرويّ لا خسارة فيه، والدنيا عندهم ليست سوى دار ممر، ومزرعة للآخرة. وهم أيضاً مؤمنون بهدفهم، ويعرفون لماذا يجاهدون. وهم أيضاً يعشقون المعصوم عليه السلام، ويرونه قد تحمّل من المصائب والمصاعب أكثر ممّا تحمّلوا بكثير. لذلك فهم مستعدّون للتضحية بأرواحهم وأهلهم وأولادهم وكل ما يملكونه، لنصرة مشروعهم الذي هو مشروع المعصوم عليه السلام، وهو مشروع الله عز وجل.

والثبات والتضحية يأخذ أشكالاً عديدة في حياة الإنسان، فقد يكون الثبات عبارة عن التضحية بالروح، وقد يكون عبارة عن تحمّل الفقر وشَظَفِ العيش في سبيل المعتقدات، وقد يكون عبارة عن تحمّل طبيعة وظروف العمل الشاقة التي لا يستطيع أن يتحمّلها ويصبر عليها إلّا الثابتون على مبادئهم ومعتقداتهم.

وقد جسَّد أصحاب الامام علي عليه السلام أرقى معاني التضحية والثبات، حيث قُتلوا وصلبوا وقُطّعت أيديهم وأرجلهم، وقطّعت ألسنتهم، وهُجّروا وسُجنوا ومُنعوا من بيت مال المسلمين، وقُتّل أهلهم وإخوانهم وأصحابهم، وحوصروا، إلّا أنّهم بقوا متمسّكين بمشروعهم وهدفهم وانتمائهم الفكريّ والعقائديّ والسياسيّ.

وقد سطّر التاريخ نماذج مذهلة من ثبات وتضحيات أصحاب الامام علي عليه السلام، وسنعرض جزءًا يسيراً من هذه التضحيات:

1- رُشيد الهجريّ والصبرُ على الولاية:

عن أبي حسان العجليّ، عن قنوا بنت رُشيد الهجريّ، قال: قلت لها: أخبريني بما سمعتِ من أبيك، قالت: سمعت من أبي يقول: قال: حدّثني أمير المؤمنين عليه السلام فقال: “يا رُشيد، كيف صبرك إذا أرسل إليك دعيّ بني أُميّة فقطع يديك ورجليك ولسانك؟”، فقلت: يا أمير المؤمنين، آخر ذلك الجنّة؟ قال: “بلى يا رُشيد، أنت معي في الدنيا والآخرة”. قالت: فوالله ما ذهبت الأيّام حتّى أرسل إليه الدعيّ عبيد الله بن زياد، فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام، فأبى أن يتبرّأ منه، فقال له الدعيّ: فبأيّ ميتة قال لك تموت؟

قال: أخبَرني خليلي أنّك تدعوني إلى البراءة منه فلا أتبرأ منه، فتُقدّمني فتقطع يديّ ورجليّ ولساني، فقال: والله لأكذبنّ قوله فيك، قدّموه فاقطعوا يديه ورجليه، واتركوا لسانه، فحملت طوائفه[50] لمّا قطعت يداه ورجلاه، فقلت له: يا أبه، كيف تجد ألماً لما أصابك؟

فقال: لا يا بنية إلّا كالزحام بين الناس، فلمّا حملناه وأخرجناه من القصر، اجتمع الناس حوله، فقال: ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم ما يكون إلى أن تقوم الساعة، فإنّ للقوم بقية لم يأخذوها منّي بعد، فأتوه بصحيفة فكتب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. وذهب لعينٌ فأخبره أنّه يكتب للناس ما يكون إلى أن تقوم الساعة، فأرسل إليه الحجّام حتّى قطع لسانه فمات”[51].

2- ميثم التمّار ورفضُ البراءة:

روي عن ميثم التمّار (رضي الله عنه) أنه قال: دعاني أمير المؤمنين عليه السلام وقال: “كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعيّ بني أُمية ابن دعيّها عبيدُ الله بن زياد إلى البراءة منّي؟”، فقال: فذاك في الله قليل، فقال: “يا ميثم، إذاً تكون معي في درجتي”[52].

3- حجر بن عدي والثباتُ على الولاية:

يروى أيضا أنه لمّا أراد عامل معاوية قتل حجر بن عدي وأصحابه، طلب حجر أن يقتلوا ابنه قبل أن يقتلوه، فقالوا له: تعجّلت الثكل! فأجابهم (رضي الله عنه): خفت أن يرى ولدي هول السيف على عنقي فيرجع عن ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام”[53].

التسليم للإمام عليه السلام

تُعتبر الطاعة ركيزة أساس في أي تنظيم. فكل تنظيم، مهما كان نوعه، يجب أن يكون له قائد، ويجب أن يُطاع القائد، وإلا فليس هناك أي معنى لقيادته.

فالتسليم للمعصوم عليه السلام هو قرار يُتّخذ بعد عملية تفكير، والتسليم هو نتيجة عقلية يصل إليها الإنسان البصير بعد استعراض مقدّمات مهمّة جداً. فالذي يصل إلى مرحلة التسليم يكون ممّن هداه الله، وأرشده إلى حقيقة الأمور وأصلها، وأزاح عن قلبه غشاوة حبّ النفس والنظر إليها. فالمُسلِّم إنسان أدرك حقيقة محدودية معرفته، وأدرك حقيقة أنّه لا بدّ من وجود وسيلة بين عالم الحضور وعالم الغيب، ولا بدّ أن تكون هذه الوسيلة عالمة بعلم إلهيّ واسع جداً، ولا بدّ أن تكون هذه الوسيلة حكيمة ومسدَّدة من الله عزّ وجلّ، لذلك يجب عليه أن يتبع هذه الوسيلة التي هي المعصوم، وأنّ يُسلِّم لها مطلقاً. أمّا الذي لم يصل إلى مرتبة التسليم، فهو إمّا جاهل بجهله وبمحدودية علمه، أو أنَّه عالم بجهله ولكنّه لم يُهدَ إلى من يملك العلم والحكمة.

كما أن التسليم لا يمنع الإبداع والتفكير، بل يجب أن يُحفّز التفكير والإبداع. فالمعصوم يُحدد الهدف ويرسم الطريق، ويطلب من الأفراد أن يجتهدوا ويبدعوا في تحقيق الهدف والوصول إلى المطلوب.

وأبرز مصداقٍ للتسليم والطاعة هو تسليم الامام علي عليه السلام لأمر الرسول حين أمره بالمبيت في فراشه، وقد خُلِّد هذا الموقف في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ[54].

وقد كان التسليم صفة بارزة في شخصية أصحاب الامام علي عليه السلام، مَعْلَماً بارزاً من معالم التنظيم الشيعيّ. وسنعرض بعض النماذج من حياة أصحاب الأمير عليه السلام:

روي أن عمرو بن الحمق الخزاعيّ قال لأمير المؤمنين عليه السلام في وقعة صفين: والله، ما جئتك لمال من الدنيا تعطينيه، ولا لالتماس السلطان ترفع به ذكري، إلّا لأنّك ابن عمّ رسول الله، وأولى الناس بالناس، وزوج فاطمة سيدة نساء العالمين، وأبو الذرّية التي بقيت لرسول الله، وأعظم سهماً للإسلام من المهاجرين والأنصار. والله، لو كلّفتني نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي أبداً حتى يأتي عليّ يومي، وفي يدي سيفي أهزّ به عدوّك، وأقوّي به وليّك، ويُعلي به اللهُ كعبك، ويفلج به حجّتك، ما ظننت أنّي أدّيت من حقّك كلّ الحقّ الذي يجب لك عليّ. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: “اللهم نوّر قلبه باليقين، واهده إلى الصراط المستقيم، ليت في شيعتي مائة مثلك”[55].

وعن منصور بن بزرج قال: “قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: ما أكثر ما أسمع سيّدي ذكر سلمان الفارسيّ، فقال: “لا تقل سلمان الفارسيّ، ولكن قل سلمان المحمديّ. أتدري ما كثرة ذكري له؟”، قال: “لثلاث خلال: إحداها إيثاره هوى أمير المؤمنين عليه السلام على هوى نفسه، والثانية: حبّه للفقراء واختياره إيّاهم على أهل الثروة والعدد، والثالثة: حبّة للعلم والعلماء. وإنّ سلمان كان عبداً صالحا حنيفاً مسلماً، وما كان من

المشركين”[56]. فسلمان لم يكن فقط مطيعاً لأمير المؤمنين عليه السلام، بل كان مؤثراً هوى أمير المؤمنين عليه السلام على هوى نفسه، وهذه أعظم مراتب الطاعة والتسليم.

ورويَ عن أبي الجارود أنه قال: قلت للأصبغ بن نباتة: ما كان منزلة هذا الرجل فيكم (يريد علياً عليه السلام)؟ قال: ما أدري ما تقول، إلّا أن سيوفنا كانت على عواتقنا، فمن أومأ إلينا ضربناه بها”[57]. وسُئل الأصبغ: كيف سمّاك أمير المؤمنين عليه السلام وأشباهك بشرطة الخميس؟ فقال: إنّا ضمنّا له الذبح، وضمن لنا الفتح”، أي شرطنا له القتال معه حتى النصر أو الشهادة، وشرط لنا الجنّة وضمنها[58].

وتتّضح هنا أسمى درجات التسليم للإمام والانقياد له بكل ما يقوله.

المفاهيم الرئيسة

1- حفلت حياة أصحاب الامام علي عليه السلام بأسمى آيات الحبّ والمودّة، بل إنّ عشق الامام عليه السلام أخذ بأفئدة الأصحاب حتى أعرضوا عن كل شيء ما خلا المعصومين.

2- تُعتبر مسألة الثبات مسألة أساس في تماسك التنظيم واستمراريته ونجاحه في بلوغ أهدافه وتحقيق مساعيه. فمن دون الثبات لا يمكن لأيّ تنظيم أن يستمرّ، خصوصاً إذا واجهته ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية ضاغطة.

3- جسَّد أصحاب الامام علي عليه السلام أرقى معاني التضحية والثبات، حيث قُتلوا وصلبوا وقطّعت أيديهم وأرجلهم، وقطّعت ألسنتهم، وهُجّروا وسُجنوا وُمنعوا من بيت مال المسلمين، وقُتّل أهلهم وإخوانهم وأصحابهم، وحوصروا، إلّا أنهم بقوا متمسكين بمشروعهم وهدفهم وانتمائهم الفكريّ والعقائديّ والسياسيّ.

4- يروى أيضاً أنه لمّا أراد عامل معاوية قتل حجر بن عدي وأصحابه، طلب حجر أن يقتلوا ابنه قبل أن يقتلوه، فقالوا له: تعجّلت الثكل! فأجابهم (رضي الله عنه): “خفت أن يرى ولدي هول السيف على عنقي فيرجع عن ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام”[59].

5- تُعتبر الطاعة ركيزة أساس في أيّ تنظيم، فكلّ تنظيم، مهما كان نوعه، يجب أن يكون له قائد، ويجب أن يُطاع القائد، وإلا فليس هناك أيّ معنى لقيادته.

الدرس الخامس: المتخاذلون ورفضُ الولاية العلوية

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يحدّد من هم القاسطون والمارقون والناكثون؟

2- يبيّن السبب الرئيس في رفضهم بيعة الإمام عليه السلام.

3- يبيّن أنَّ الحدّ الفاصل بين تياري الحق والباطل هو البصيرة والوعي.

تمهيد

في الجهة المعاكسة لتيار الحقّ والولاية، الذي تمثّل بمالك الأشتر وعمار وميثم التمار وحجر بن عدي وغيرهم من خُلّص أتباع امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، اصطفّت زمرة من المنافقين والمتخاذلين، أرادت مبايعةً مشروطةً للإمام عليه السلام[60]، وذلك بالتنازل عن القيم والمبادئ الإسلامية، والركون إلى الفساد والانحلال، لكنَّه عليه السلام أبى ذلك، معلناً اتّباعه منهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحكم، وعدم المهادنة في الشريعة الإسلامية، فقد كانت سياسة الإمام صريحة وواضحة، وهي السعي في إقامة العدل والحق، والقضاء على الظلم والفساد وجوهه كافّة.

إذ يُنقل أنَّ طلحة والزبير عاتبا الإمام واعترضا على عدله، ومساواته بين المسلمين في تقسيم بيت المال، فقالا للأمير عليه السلام: “إنّك جعلت حقّنا فـي القَسْم كحقّ غيرنا، وسوّيت بيننا وبين من لا يُماثلنا فـي ما أفاء الله تعالى بأسيافنا ورماحنا”. فردَّ الإمام عليه السلام أنّ حُكمه امتدادٌ لحكم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “فإنّ ذلك أمر لم أحكم فيه برأيي ولا وليته هوى منّي، بل وجدتُ أنا وأنتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد فرغ منه”[61].

وكان ثمن الموقف العلويّ ثلاثة حروبٍ خاضها الامام عليه السلام والخُلَّصُ من أصحابه وأوليائه، وهي: حرب الجمل، وصفين، والنهروان.

فقد اصطفّت ضدّ عليّ عليه السلام في أيّام حكومته الّتي استمرّت أقلّ من خمس سنوات، ثلاثة تيارات، تمثلت بالقاسطين والناكثين والمارقين، أُمِرَ عليه السلام بقتالهم، وفي ذلك قوله عليه السلام: “أُمرت أن أُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين[62].

فمن هم الناكثون؟ ومن هم القاسطون؟ ومن هم المارقون؟ وما هي غاياتهم؟ ولماذا رفضوا حكومة الإمام عليه السلام، واصطفّوا ضدّه؟ هذا ما سوف نتناوله في درسنا الحاليّ.

القاسطون

القسوط: الجور، والعدول عن الحق، وقد قسط يقسط قسوطا. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا[63]. والقِسط بالكسر: العدل، ومنه: أقسَط الرجل فهو مُقسِط[64].

والقاسطون فئة دخلت الإسلام ظاهريّاً بهدف الحفاظ على مصالحها الخاصّة، ورفضت الحكومة العلويّة. والتفّت تلك الفئة حول محور بني أميّة، وعلى رأسه معاوية بن أبي سفيان[65]، ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة. شكّل هذا المحور جبهة رفض التّفاهم والاتّفاق مع أمير المؤمنين عليه السلام، وكان يرنو إلى نمطٍ آخر من الحكم يكون زمامه بيده، فقد كانت غايتهم الوصول إلى حكومة دنيويّة محضة تدور في فلك ذواتهم ومصالحهم الذاتية.

ومع أنّ المغيرة بن شعبة وعبد الله بن عبّاس وغيرهما ممن أشار على أمير المؤمنين عليه السلام في بداية حكومته بالإبقاء عليهم في مناصبهم لفترة وجيزة، غير أنّه عليه السلام أبى ذلك، لأنَّ في بقائهم إقراراً للظلم والاستبداد. فذهبت بهم الأوهام إلى أنّ الامام عليه السلام لم يُحسن اتّخاذ الموقف السياسيّ المناسب.

وكان معاوية قد حكم الشّام لسنواتٍ طوال، وبسط نفوذه فيها، وأسّس فيها قاعدة شعبية وعسكرية واسعة[66].

وكان قد أعدّ، ومنذ فترة سبقت خلافة الإمام علي عليه السلام، مقدّمات الخلافة لنفسه في الشام، وعندما استلم الإمام عليه السلام الخلافة، قام بعزل ولاة عثمان، ودكّ عروش الظالمين، ومنهم معاوية بن أبي سفيان، وكان حصيلة هذا النزاع معركة صفين، وكان الامام علي عليه السلام على مشارف النصر، لولا معاوية وخديعته التي أحدثت تمرداً بين عناصر جيش الإمام، والتي عُرفت بخديعة التحكيم، أو خديعة رفع المصاحف، حيث قام جيش معاوية برفع المصاحف على رؤوسهم، وطلبوا تحكيم كتاب الله.

وانطلت الخدعة على معسكر الإمام، وأعلن بعضهم العصيان والتمرّد والرضوخ لطلب معاوية، ولم يُجْدِ كلامُ الإمام معهم نفعاً، وأصرّوا على الانسحاب من ساحة القتال والقبول بالتحكيم، وقاموا بانتخاب عدو الإمام الخبيث موسى الاشعريّ ليكون ممثلاً لهم، ولم يرضَ هؤلاء بانتخاب مالك الأشتر أو ابن عباس وغيرهما من ذوي البصيرة.

وانتُخب عمرو بن العاص حكماً ممثلاً للجهة المعادية. وبعد اجتماع الحكمين، أعلن موسى الأشعريّ خلع الامام عليه السلام متبجِّحاً بقوله: “قد خلعتُ علياً كما خلعتُ عمامتي هذه” وأهوى إلى عمامته فخلعها[67].

وبعد إعلان رأي الحكمين، خرج بعض المسلمين الذين كانوا في صف الإمام عليه، وانتقدوه لقبوله التحكيم الذي فرضوه هم أنفسهم عليه. وقد حدث قتال القاسطين عام 37 هجرية[68].

ومن يطالع التاريخ الإسلاميّ يُدرك الدوافع التي أدّت إلى قيامهم وإعلان الحرب ضدَّ إمام زمانهم، فقد كانت دوافعهم دنيويةً محضة، ومشكلتهم مع الإمام علي عليه السلام

تكمن في إصراره على تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية على المستويات كافة، وإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقَّه، لأنّ رؤية الإمام علي عليه السلام إلى الحكم تتلخص في أنَّ الحكم والمنصب ليس إلّا وسيلة لخدمة النّاس وإحقاق الحق ودحض الباطل، وأنَّ معيار انتخاب الولاة والعمال هو في مدى التزامهم بالمبادىء الإسلاميّة والضوابط الشرعية. لذا رفع القاسطون وغيرهم من المنافقين والمعادين والحاقدين لواء العصيان ضد الإمام عليه السلام، وأجّجوا نار الفتنة بين المسلمين، محرّضين الناس على إمام زمانهم بهدف إبعاده عن طريق أهدافهم ومشاريعهم الدنيوية.

 

النّاكثون

نكث: نكث العهد ينكثه نكثاً، أي: نقضه بعد إحكامه، ونكث البيعة[69]. والناكث هو الناقض، والمراد به هنا ناقض البيعة.

الجبهة الثّانية الّتي حاربت أمير المؤمنين عليه السلام هي جبهة الناكثين. وأبرز الشخصيات الناكثة للبيعة هما طلحة والزبير اللّذين بايعا علياً وكانا قد طلبا منه أن يولّيهما أعمال البصرة والكوفة، ولكن الإمام رفض ذلك، وتركا المدينة سراً وفرّا إلى مكة وقاما بإعداد وتجهيز جيشٍ لقتال أمير المؤمنين عليه السلام بأموال بيت المال المختلَس من قبل بني أُمية، وانطلقوا نحو البصرة واستولوا عليها.

فتحرّك الامام علي عليه السلام تاركاً المدينة للقضاء عليهم، وحدثت حرب طاحنة قرب البصرة انتهت بانتصار عليّ وهزيمة الناكثين، وهذه هي حرب الجمل التي لها مساحة كبيرة في التاريخ، والتي اندلعت سنة 36 هجرية[70].

فهذه الفئة بايعت أمير المؤمنين عليه السلام في البداية، إلّا أنّها نقضت البيعة فيما بعد ونكثتها. وكان أفراد هذه الفئة – على العكس من الفئة الأولى – مسلمين ملتزمين، وفي الخندق الموالي، إلّا أنّ ولاءهم واعترافهم بحكومة عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان منوطًا

بإعطائهم حصّة مقبولة فيها، والتّشاور معهم، ومنحهم المناصب والمسؤوليّات الحكوميّة، مع عدم التعرّض لما في أيديهم من ثروات، وعدم السّؤال عن مصادرها.

ولهذا السّبب بايع أكثرهم منذ البداية، فطلحة والزبير وأكابر الصّحابة وغيرهم بايعوا أمير المؤمنين عليه السلام، وأسلموا له القيادة، بيد أنّهم أدركوا، بعد مضيّ ثلاثة أو أربعة أشهر، عدم إمكانيّة الانسجام مع هذه الحكومة الّتي لا تُفرّق في تعاملها بين القريب والبعيد، ولا ترى لذاتها ولا لأفراد أُسرتها أيّ امتياز، ولا تقرّ بأيّ امتياز للسّابقين في الإسلام – وإن كان أمير المؤمنين عليه السلام نفسه أوّلهم إسلامًا-، ولا تُجاري أحداً في تطبيق الأحكام الإلهيّة. ولهذه الأسباب جنّدوا أنفسهم لمعارضة هذه الحكومة، وتسبّبوا في وقوع معركة الجمل التي كانت مثاراً للفتنة بين المسلمين، وقُتل في هذه المعركة عددٌ كبيرٌ من المسلمين، وانتهت المعركة بانتصار أمير المؤمنين عليه السلام وإعادة الأمور إلى نصابها. وهذه هي الجبهة الثانية الّتي شغلت أمير المؤمنين عليه السلام ردحاً من الزمن[71].

المارقون

المارق بمعنى الخارج والهارب. مرق السهم من الرمية مروقا، أي خرج من الجانب الآخر. ومنه سمّيت الخوارج مارقة، لقوله عليه السلام: “يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية[72].[73]

الجبهة الثالثة كانت جبهة المارقين، وكانت هذه الفئة متمسّكة بظواهر الدين، ويُكثرون من التبجّح باسم الدين. وهؤلاء هم الخوارج الّذين وضعوا أسسهم الفكريّة على أساس فهم مغلوط للدين، ولم يأخذوا الدّين عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام الّذي كان مفسّراً للقرآن وعالماً بالكتاب.

أمّا تكتّلهم، أو ما يُسمّى بالاصطلاح المعاصر تحزّبهم”، فكان يستلزم سياسة معيّنة توجّه من قِبل عمرو بن العاص ومعاوية . والسّمة البارزة الّتي كانت تُميّز أعضاء هذه الفئة هي أنّك لا تكاد تتلفّظ بكلمة حتّى يُسارع أحدهم إلى الإتيان بآية من القرآن، وكانوا كثيراً ما يقرؤون أثناء صلاةِ جماعةِ أمير المؤمنين عليه السلام آيات، معرّضين به، أو يقومون عند منبره ويقرؤون آية فيها تعريض يقصدونه بها، وكان شعارهم لا حكم إلّا لله”، بمعنى أنّنا لا نعترف بحكومتك، ونحن أتباع حكومة الله!

الفئة الثالثة الّتي جابهت أمير المؤمنين عليه السلام هي فئة المارقين الّتي وجّه لها الإمام عليه السلام ضربة قاصمة في معركة النّهروان التي وقعت سنة 38 ه، وعلى رأي بعض المؤرخين في سنة39 ه. وفي ختام المطاف كان استشهاده عليه السلام على أيديهم[74].

ويجدر بنا عدم الاشتباه في فهم الخوارج، فهنالك من يصف الخوارج بالتحجّر والتنسّك الجامد، ولكن المتنسّك يتّصف بالعزلة والانطواء على صلاته ودعائه، وهذا المعنى لا يصدق على الخوارج، لأنّ الخوارج هي فرقة عناصرها متمرّدة، تُثير الأزمات، ولها وجود فاعل في السّاحة، وقد شنَّت حرباً ضدّ عليّ عليه السلام، ولكن أساس عملها كان باطلاً فاسداً، وأساليبها مرفوضة، وغاياتها باطلة[75].

ثمرة البحث

بعد الاطلاع على تجلّيات الولاية عند أصحاب الإمام علي عليه السلام، ومواقف الخذلان والعصيان والعداء من التيارات المعادية، ندرك أنَّ الحد الفاصل بين تيار الحقّ وبين تيار الباطل هو: امتلاك البصيرة والوعي.

يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: “البصيرة هي بمثابة سراج يُضيء الطريق في جنح الليل، وبوصلة تقود إلى المسار الصحيح، للتحرك باتجاه الهدف في صحاري الحيرة المغبرة، ومن

دونها يستحيل تحقيق النجاح الشامل والكامل”[76].

من هنا يجدر بالمؤمن أن يمتلك بصيرةً حيال مختلف الأحداث، والتي تعني مشاهدة الأحداث بدقة وصوابيّة، والتدبّر والتأمّل فيها، وبالتالي تقييم الأحداث والقضايا، واتّخاذ الموقف المناسب على ضوء هذا التقييم. ولعلّ أبرز نموذج لانعدام البصيرة حيال الأحداث هو ما حصل في معركة صفّين، حينما رفع جنود معاوية بن أبي سفيان، وفي خطوة خادعة، المصاحف فوق الرماح لمواجهة الإمام والحاكم الإسلاميّ، فكان هناك أشخاص لم يروا الحقيقة، وأطبقوا أعينهم على الحقائق الواضحة.

لا بدّ من الالتفات إلى أنَّ الخنادق في عهد الرسول كانت مشخّصة تمامًا، خندق الإيمان وخندق الكفر، أمّا المنافقون فكثيراً ما كانت الآيات القرآنية تُشير إليهم، وتُحذّر منهم، وتُقوّي صفوف المؤمنين في مواجهتهم، وتُضعف من شوكتهم، أي أنّ كلّ شيء كان في النّظام الإسلاميّ في عهد الرسول واضحًا تمام الوضوح، وكانت الصفوف مفروزة فرزاً جليّاً، فطائفة كانت على الجاهليّة والكفر والطاغوت، وأخرى كانت على الإيمان والإسلام والتوحيد، ومن الطّبيعيّ أنّ كلّ واحدة من هاتين الطائفتين كانت تضمّ صنوفاً شتّى من النّاس، لكن الصفوف كانت مشخّصة وواضحة كلّ الوضوح.

أمّا في عهد أمير المؤمنين عليه السلام فكانت المشكلة الكبيرة في تداخل الصفوف والخنادق، وهذا هو السّبب الّذي جعل للفئة الثانية -أي النّاكثين- وضعاً مقبولاً ومبرّراً.

وكان كلّ مسلم يتردّد كثيراً في محاربة شخصيّات من أمثال طلحة أو الزبير، فالزبير هو ابن عمّة الرّسول، وكان من الشخصيّات البارزة والمقرّبة إليه، حتّى أنّه كان ممّن اعترضوا على السّقية دفاعاً عن أمير المؤمنين عليه السلام بعد عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي ظلّ الأوضاع السياسية الراهنة، المليئة بالفتن التي يختلط فيها الحقّ بالباطل، تزداد أهمية البصيرة، وتتجلّى الولاية الحقيقية، حيث يجب معرفة وتحديد التكليف بشكل واضح وجليّ لا لبس فيه، لأنَّه، بناءً على هذا التكليف، سيُسفك دم، ويُقتل أناس

كثر. فمحاربة الذين يتظاهرون بالإسلام، والذين يظنُّهم الناس نسّاكاً وعبّاداً، ليس بالأمر السهل، إلا على من استضاء بنور الحقّ ونور إمام زمانه ونائبه بالحقّ، وكانت بصيرته قويّة تُريه حقائق الأمور، وتُميّز بين الحقّ وبين الباطل.

يقول الإمام الخامنئيّ: “رأيتم في صدر الإسلام أن أولئك الذين مُدحوا، إنّما مُدحوا بسبب مواقفهم السياسية والاجتماعية وجهادهم، وليس بسبب صلاتهم وعباداتهم، فنحن قليلاً من نمدح أبا ذر أو عماراً أو مالكاً الأشتر أو ميثماً التمّار بسبب عباداتهم، فالتاريخ عرف هؤلاء بمواقفهم التي كانت مواقف مصيرية، وبالحركة العامّة التي تمكّنت من هداية المجتمع وتشكيله والمساهمة في تطوره. وأولئك الذين ذُمّوا إنّما كان ذلك لهذا السبب أيضاً، فالكثير من الكبار الذين ذُمّوا، لم يكن الأمر بسبب شربهم للخمر أو تركهم للصلاة، بل بسبب عدم حضورهم حيث كان ينبغي”[77].

وختاماً، يمكن القول إنَّ تحديد الموقف السياسيّ والجهاديّ والاجتماعيّ هو المعيار في الانتماء لمشروع قيام دولة العدل المهدوية، والذي يتجلى في عصرنا الراهن بالتمسك بولاية الفقيه واتّباع التوجيهات والتوصيات المختلفة للوليّ دام ظله.

المفاهيم الرئيسة

1- القاسطون فئة دخلت الإسلام في الظاهر بهدف الحفاظ على مصالحها الخاصّة، ورفضت الحكومة العلويّة، وأعلنت الحرب ضد أمير المؤمنين عليه السلام، وقاتلهم الإمام عليه السلام في واقعة صفين. والتفّت تلك الفئة حول محور بني أميّة، وعلى رأسه معاوية بن أبي سفيان[78]، ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة.

2- من يطالع التاريخ الإسلاميّ يُدرك أنَّ الدوافع التي أدّت إلى قيامهم وإعلان الحرب ضدَّ إمام زمانهم، كانت دوافع دنيويةً، وأنَّ مشكلتهم مع الإمام علي عليه السلام تكمن في إصراره على تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية على المستويات كافة، وإعطاء كلّ ذي حقٍّ حق

3- الجبهة الثّانية الّتي حاربت أمير المؤمنين عليه السلام هي جبهة الناكثين. وأبرز الشخصيات الناكثة للبيعة هما طلحة والزبير، اللّذين بايعا علياً وكانا قد طلبا منه أن يولّيهما أعمال البصرة والكوفة، ولكن الإمام رفض ذلك، وتركا المدينة سراً، وفرّا إلى مكة، وقاما بإعداد وتجهيز جيشٍ لقتال أمير المؤمنين عليه السلام بأموال بيت المال المختلَس من قبل بني أُمية، وانطلقوا نحو البصرة واستولوا عليها. فتحرّك الامام علي عليه السلام تاركاً المدينة للقضاء عليهم، وحدثت حرب طاحنة قرب البصرة انتهت بانتصار عليّ وهزيمة الناكثين، وهذه هي حرب الجمل التي لها مساحة كبيرة في التاريخ، والتي اندلعت سنة 36 هجرية[79].

4- الفئة الثالثة الّتي جابهت أمير المؤمنين عليه السلام هي فئة المارقين التي وجّه لها الإمام عليه السلام ضربة قاصمة في معركة النّهروان التي وقعت سنة 38 ه، وعلى رأي بعض المؤرخين في سنة 39 ه. وفي ختام المطاف كان استشهاده عليه السلام على أيديهم[80]

5- إنَّ الحدّ الفاصل بين تيار الحق وبين تيار الباطل هو: امتلاك البصيرة والوعي

6- في ظلّ الأوضاع السياسية الراهنة المليئة بالفتن التي يختلط فيها الحقّ بالباطل، تزداد أهمية البصيرة، وتتجلّى الولاية الحقيقية، حيث يجب معرفة وتحديد التكليف بشكل واضح وجليّ لا لبس فيه، لأنَّه، بناءً على هذا التكليف، سيُسفك دم ويُقتل أناس كثر.
الدرس السادس: الولاية عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى بعضٍ من المواقف الولائيّة في كربلاء.

2- يعدّد أبرز الصفات والميزات الولائيّة.

3- يحفظ أحد أقوال الإمام الحسين عليه السلام في أصحابه.

المقدّمة

جمع الحسين عليه السلام أصحابه قرب المساء. قال علي بن الحسين زينُ العابدين عليه السلام: “فدنوتَ منه لأسمع ما يقول لهم، وأنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول لأصحابه: أثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء.

اللهمّ إنّي أحمدك على أنْ أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، فاجعلنا من الشاكرين!

أما بعد: فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً. ألا وإنّي لأظنّ أنّه آخر يوم لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أَذِنْتُ لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ، ليس عليكم مني ذمام. هذا الليل قد غشيكم فاتّخِذوه جملاً”[81].

من مواقف الأصحاب والآل الولائيّة

إنّ هذه الرواية عن الإمام السجّاد عليه السلام عن أبيه الإمام الحسين عليه السلام، لهي شهادة من إمامٍ معصوم، شأنه شأن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الصدق والأمانة، وعدم النطق عن الهوى، شهادة إلهيّة سامية، لم يُعطِ مثلَها لأحدٍ من معصوم، وهي تدلّ على جوهر هذه القلّة القليلة ومعدنهم الطاهر الولائيّ لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وفيما يأتي نذكر بعض هذه المواقف الولائيّة، المطيعة لله ورسوله ووليّه:

1- موقف مسلم بن عوسجة:

قام إليه مسلم بن عوسجة، فقال: “أنخلي عنك، ولَمَّا نُعذَرْ إلى الله سبحانه في أداء حقِّك؟! أَمَا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به، لقذفتهم بالحجارة. والله، لا نُخْلِيْكَ حتى يعلمَ الله أنْ قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيك. والله، لو علمت أنّي أُقتل ثمّ أحيا ثمّ أُحرق ثمّ أحيا ثمّ أذرّى، يُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حِمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة! ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا”[82].

إنّ عبارة “ولَمَّا نعذر إلى الله سبحانه في أداء حقِّك” فيها دلالة واضحة على إيمان مسلم بن عوسجة، واعتقاده بالسلسلة الهرميّة للولاية. فهو، بتعبيره هذا، يدلّ على معرفته التامّة بأنّ طاعة الوليّ هي طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ يجسّد هذه المعرفة والوعي بالتسليم المطلق عندما يصوّر فرضيّة قتله وحرقه وأنّه لو فعلوا هذا به سبعين مرّة لما فارق الحسين عليه السلام.

2- موقف زهير بن القين:

قام زهير بن القين البجليّ رحمة الله عليه فقال: والله، لوددتُ أنّي قُتِلت ثمّ نُشِرت ثمّ قُتِلت، حتى أقتل هكذا ألفَ مرّة، وأنّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك”[83].

3- محمّد بن الحضرميّ:

قيل لمحمد بن الحضرمي (وهو مع الحسين في كربلاء): أُسر ابنك بثغر الريّ.

قال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنت أحبُّ أنْ يُؤسر، ولا أن أبقى بعده.

فسمع قوله الحسين عليه السلام، فقال له: “رحمك الله! أنت في حلّ من بيعتي، فاعمل في فكاك ابنك“.

قال: أكلتني السباع حيّاً إن فارقتك[84].

4- موقف القاسم:

القاسم بن الحسن المجتبى بن أمير المؤمنين عليهم السلام، غلام لم يبلغ الحلم، كان على علمٍ بشهادته يوم العاشر من المحرّم، وجوابه لعمّه ليلة العاشر يدلّ على الوعي والإدارك والولاء المطلق، عندما سأله أبو عبد الله عليه السلام عن طعم الموت:

قال له القاسم بن الحسن: وأنا فيمن يقتل؟

فأشفق عليه، فقال له: “يا بنيّ، كيف الموت عندك؟!”.

قال: يا عمّ، أحلى من العسل.

فقال: “إي والله، فداك عمّك! إنّك لأحد من يقتل من الرجال معي، بعد أن تبلو ببلاء عظيم، وابني عبد الله”[85].

الولاية المطلقة لإمام زمانهم عليه السلام

لقد أجاز الإمام الحسين عليه السلام أصحابه، وأعطاهم الرخصة بالذهاب ليلة العاشر من المحرّم، كما يظهر في الرواية التي ذُكرت في المقدّمة، وهو إمام معصوم، لا يتكلّم عبثاً ولغوا، كما أنّه طلب منهم أن يأخذوا أهل بيته معهم، فكان جوابهم خير دليلٍ على ولائهم المطلق وتسليمهم التامّ، حيث أبَوا أن يخذلوه طرفة عين أبداً، فهم لا يرون للحياة قيمة من دونه، ويعتبرون الجهاد بين يديه والشهادة أمام عينيه شرفاً وكرامةً وعزّاً لا يناله إلا ذو حظٍّ عظيم

لقد خاطبهم عليه السلام قائلاً: “إنّ هؤلاء يريدونني دونكم، ولو قتلوني لم يُقبِلوا إليكم، فالنجاة النجاة، وأنتم في حلّ، فإنّكم إن أصبحتم معي قُتلتم كلكم”.

فقالوا: لا نخذلك، ولا نختار العيش بعدك[86].

صفات الأصحاب الولائيّة

لقد امتاز أصحاب الإمام الحسين عليه السلام بصفات ومزايا كثيرة، نذكر منها ما يدلّ على ولائهم المطلق لإمام زمانهم، ويقينهم وتسليمهم التامّ.

1- الوعي:

لم تكن المواقف الكربلائيّة، ليلة العاشر ويومه، نابعةً من عواطف جيّاشة فحسب، بل إنّها كانت ترتكز على معرفة يقينيّة قاطعة، تعتبر أنّ الطاعة لوليّ الأمر، حتى لو كان فيها بذلٌ للأرواح، هي السبيل الوحيد لحفظ الدين والإسلام، لذلك تراهم يرفضون أيّ أمانٍ يضمن لهم نجاتهم وحياتهم، ويصدّون أيّ خوف يمنعهم من الوصول إلى غايتهم، فترى الأحاسيس والعواطف تتحوّل إلى إدراك ووعي على مستوى الرسالة والقضيّة.

فهذا العبّاس بن عليّ عليهم السلام، نافذ البصيرة، يردّ أمان الشمر قائلاً: “لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟!” وفي رواية: فناداه العباس بن أمير المؤمنين عليهما السلام: “تبّت يداك، ولعن ما جئتنا به من أمانك يا عدوّ الله. أتأمرنا أن نترك أخانا وسيّدنا الحسين بن فاطمة، وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟!”[87].

وهذا زهير بن القين، يخاطب الشمر حين هدّده ورماه بالسهم، فيقول: أفبالموت تخوّفني؟! فواللَّه، لَلموتُ أحبُّ إليّ من الخلد معكم[88].

2- الإخلاص:

إنّ من أهمّ المزايا والصفات التي اتّصف بها الأصحاب في كربلاء، هو الإخلاص بأرقى معانيه، فتراهم حين اشتدّ البأس، وعاينوا الحتوف والمنايا، ثبتوا مخلصين موقنين. فهذا عابس بن أبي شبيب الشاكريّ، الذي خاطب الإمام عليه السلام، قائلاً: أمّا بعد، فإنّي لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرَّك منهم. والله أحدّثك عمّا أنا موطّن نفسي

عليه، والله لأجيبنّكم إذا دعوتم، ولأقاتلّن معكم عدوّكم، ولأضربّن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، لا أريد بذلك إلا ما عند الله”[89].

إنّ عبارة “لا أريد بذلك إلا ما عند الله”، لهي خير شاهد على نوايا هؤلاء الأصحاب، وشدّة إخلاصهم في نواياهم تلك. وما عبارة عابس إلا لسان حال كلّ فرد من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، وهذا ما عبّر عنه حبيب بن مظاهر حيث قال: رحمك الله! قد قضيت ما في نفسك بواجزٍ من قولك”، ثمّ قال: “وأنا، والله الذي لا إله إلا هو، على مثل ما هذا عليه”[90].

نعم، هذا هو الإخلاص لله تعالى الذي لا يكون إلا برضى وليّه عليه السلام، هذا هو الإخلاص الذي يبيع الدنيا وحطامها بالنعيم الأبديّ في جنان الخلد مع الأولياء.

3- التفاني:

إنّ مواقف التفاني في كربلاء كثيرة وعديدة، وكلٌّ عبّر عن ذلك بأسلوبه وبيانه. هذا الأسلوب والبيان الذي يستخدم فيه الأعداد والتكرار ليدلّ على قصور الألفاظ عن إدراك ما يختلج في صدره من مشاعر وأحاسيس، فتراهم يعبّرون (سبعين مرّة، ألف مرّة…) .

4- الحزم والإرادة الصلبة:

وخير شاهد ودليل على هذه الميزة والصفة، ما حصل ليلة العاشر من محرّم، مع حبيب بن مظاهر وباقي الأصحاب أمام مخيّم عقيلة الهاشميين السيدة زينب عليها السلام، حيث نادى حبيب أصحابه، عندما علِم من نافع بن هلال بأنّ السيدة زينب عليها السلام وباقي النساء في حال وجلٍ ورعب: يا أصحاب الحميّة، وليوث الكريهة، هذا نافع بن هلال يخبرني الساعة بكذا وكذا، فأخبروني عن نيّاتكم. فجرَّدوا صوارمهم، ورموا عمائمهم، وقالوا: أما والله يا بن مظاهر، لئن زحف القوم إلينا لنحصدنّ رؤوسهم، ولنلحقهم بأشياخهم، ولنحفظنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عترته وذريته.

فقال لهم حبيب: معي معي.

فقام يخبط الأرض بهم، وهم يعْدُون خلفه، حتى وقف بين أطناب الخيم، ونادى:

السلام عليكم يا ساداتنا، السلام عليكم يا معشر حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هذه صوارم فتيانكم آلوا أن لا يغمدوها إلّا في رقاب من يبتغي السوء فيكم، وهذه أسنّة غلمانكم آلوا أن لا يركزوها إلّا في صدور من يفرّق بين ناديكم”[91].

ويكفي في الدلالة على هذه الميزة ما قاله الإمام الحسين عليه السلام لأخته الحوراء زينب عليها السلام، التي سألته قائلةً: “يا بن أمّي، هل استعلمت من أصحابك نيّاتهم؟ فإنّي أخاف أن يسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنّة”، فبكى الحسين عليه السلام، وقال: “أما والله لقد بلوتهم، فما رأيت فيهم إلا الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطفل بلبن أمّه”[92].

5- التجسيد العمليّ للمواقف:

كثيرة هي المواقف التي لم تخرج من حيّز الكلام والتنظير إلى حيز الواقع والتطبيق العمليّ في التاريخ. لقد أثبت أصحاب الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء صدقهم من خلال دمائهم وأرواحهم التي رخصت أمام إمام زمانهم، فكانوا خير من أبلى بلاءً حسناً في الامتحان الإلهيّ الكبير على تلك الأرض الطاهرة، فترى أصواتهم وصيحاتهم ومواقفهم تعانق أجسادهم المطروحة على رمضاء كربلاء، تشهد لهم تلك البقعة التي ارتوت من دمائهم، ونسائم الهواء الذي تعطّر بعبق تلك الدماء.

هذا غيض من فيض، وشيء من تلك السمات والميزات التي سطعت يوم العاشر من المحرّم، لتسطّر أعظم تضحية ولائيّة في تاريخ البشريّة.

المفاهيم الرئيسة

1- إنّ المواقف التي حصلت في كربلاء تدلّ على جوهر هذه القلّة القليلة ومعدنهم الطاهر الولائيّ لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

2- من أبرز مواقف الأصحاب والآل موقف مسلم بن عوسجة، وزهير بن القين، ومحمّد بن بشير الحضرميّ، والقاسم بن الإمام الحسن عليه السلام.

3- أجاز الإمام الحسين عليه السلام أصحابه، وأعطاهم الرخصة، فأبَوا أن يخذلوه طرفة عين أبداً، فهم لا يرون للحياة قيمة دونه، ويعتبرون الجهاد بين يديه والشهادة أمام عينيه شرفاً وكرامةً وعزّاً، لا ينالها إلا ذو حظٍّ عظيم.

4- من صفات الأصحاب الولائيّة في كربلاء: الوعي، الإخلاص، التفاني، الحزم، الإرادة الصلبة، والتجسيد العمليّ للمواقف.

الدرس السابع: صفات المتخاذلين عن ثورة الإمام الحسين عليه السلام

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يحلّل أسباب ظاهرة قلّة الأنصار، ويقدّم الأجوبة الصحيحة بشأنها.

2- يذكر أهم العوامل التي كان من المفترض أن ترجّح كفّة الأنصار على المتخاذلين.

3- يبيّن أهم الأسباب التي أدّت إلى خذلان الإمام الحسين عليه السلام وترك نصرته.

ظاهرة قلّة الأنصار في كربلاء

من خُطَب الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء قوله: “ألا ترون أنَّ الحقّ لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برماً”[93].

لعلّ من أجلى ظواهر ثورة الإمام الحسين عليه السلام، ومن أكثرها حرقة من جهة، وإثارة لسيل من الأسئلة من جهة ثانية، ودلالة على مستوى الهبوط والانهزامية التي مُنيت بها الأمّة أيّام الإمام الحسين عليه السلام من جهة ثالثة ظاهرة، قلّة أنصاره عليه السلام وكثرة المتخاذلين عنه.

فلو حاولنا الوقوف عند هذه الظاهرة البارزة في أحداث كربلاء، ورمنا التأمُّل فيها، والنظر في الأسباب التي أدّت إليها، لبرزت أمامنا نقاط ونتائج من المفروض أن تكون على خلاف تلك التي وصلت إليها الأمّة آنذاك. فهي كانت نقاط قوّة، وفي صالح النهضة الحسينية، ومدعاة لكثرة الأنصار، لا لقلّتهم، ولقلّة المتخاذلين، لا لكثرتهم، أي على خلاف الواقع المؤلم حينذاك. فما الذي أدّى إلى تغيُّر هذا الواقع بهذا الشكل الذي رأيناه؟!

عوامل إيجابية مرجّحة لكثرة الأنصار

ما كان يفترض أن يُرجّح كفّة كثرة الأنصار لا قلّتهم نقاط قوّة عديدة اتسمت بها نهضة الإمام الحسين عليه السلام. أبرز هذه النقاط:

1- حضور الإمام الحسين عليه السلام نفسه:

إنّ شخصيّة الإمام عليه السلام نفسه المتميّزة جدّاً في المجتمع الإسلاميّ، وبما تختزنه من

أبعاد قرآنية ونبوية، وعمق وتجذّر في الموقعين الدينيّ والاجتماعيّ للمسلمين، يُعدّ من أهمّ نقاط القوّة التي كان من المفترض أن تكون سبباً لكثرة الأنصار لا قلّـتهم. فقد كان الإمام الحسين عليه السلام في موقع لا يوازيه أحد في شرق الأرض وغربها، ولا تدنو إليه أية شخصية مهما بدت كبيرة ومميّزة. هو سيّد قريش، وإمام المسلمين، وسنام العرب. وكان عليه السلام يُنبّه دائماً إلى ذلك في مواقع عدّة، لعلّ من أبرزها خطبته عليه السلام يوم عاشوراء، بعد أن ذكّرهم ببعض ما قاله جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه وفي أخيه الإمام الحسن عليهما السلام، ثم أردف عليه السلام قائلاً: “فإن كنتم في شكٍّ من هذا، أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري فيكم، ولا في غيركم. وَيْحَكُم، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟…”[94].

2- وضوح أهداف النهضة وأحقيّتُها:

من نقاط القوّة في حركة الإمام الحسين عليه السلام أيضاً أنّ أهداف الثورة الحسينية كانت معلَنة، وشعاراتها التي رفعتها ونادت بها كانت واضحة وصريحة، وهي تنطلق من عقيدة الأمّة ودينها، وتهدف إلى عزّة المسلمين وقوّتهم، وإنقاذهم من ظلم الأمويّين وإجحافهم واستئثارهم بحقوق الأمّة وخيراتها. وقد كانت شعاراتها هي شعارات الهدى والقرآن ونهج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته وسنّته نفسها. وقد أوضح الإمام الحسين عليه السلام كلّ ذلك، كلّما سنحت له فرصة، وذكر بعضها في أول بيان تركه في المدينة: “وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي صلى الله عليه وآله وسلم، أُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فمن قَبِلَني بقَبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ، وهو خير الحاكمين”[95].

3- عامل الإيثار والتضحية منذ البداية:

لم يكتفِ الإمام الحسين عليه السلام بدعوة الناس إلى اتخاذ الموقف الذي يُمليه عليهم دينهم وانتماؤهم لنبيّهم صلى الله عليه وآله وسلم جالساً في بيته، تاركاً الناس في المواجهة، كلّا، بل ألقى عليه السلام بنفسه وبأهله ونسائه وعياله في ساحة التحديّ لظلم الأمويّين وطغيانهم، وهذا من شأنه أن يُثير العواطف الإسلامية النبيلة، ويُحرّك عوامل الشمم والإباء والغيرة على الدِّين في نفوس المسلمين، ويوقد نيران الغضب الرساليّ الهادف في ضمائر الأمّة ومواقفها: “ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة مع قلّة العدد وكثرة العدو وخذلة الناصر”[96].

إنّ الفترة الزمنية كانت طويلة نسبيّاً، وكانت كافية لمراقبة المواقف، ومناقشة الأفكار، وترجيح الاحتمالات. فقد خرج الإمام من المدينة نهاية رجب عام 60 للهجرة، وبقي في مكة إلى يوم التروية (8 ذي الحجة)، والتقى بالمعتمرين والحجّاج، فأين أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تأييد حركة الحسين عليه السلام؟ وأين أهل مكة، أهل الوحي من ذلك؟ أين أفواج المعتمرين والحجاج؟ أين أهل العيون والمياه التي مرّ بها الحسين عليه السلام في طريقهِ إلى كربلاء، وخطب فيهم ورأوه، وعرفوا أهدافه؟ وأين وأين؟… بل وأين أولئك الجند الذين خرجوا لحربه؟ أين وعيهم؟ وأين ضمائرهم؟ وأين دينهم، وهم يستمعون إلى الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه، يوردون الأدلّة، ويقيمون الحجج، ويوضّحون الحقائق؟

هذه باختصار أبرز النقاط الإيجابية، التي ينبغي أن تجعل الموقف يميل نحو الإمام الحسين‏ عليه السلام لا ضدّه. وهناك نقاط أخرى، تصبّ في هذا الاتجاه. إذاً، المسألة بحاجة إلى تأمُّل ودراسة، فلماذا خُذل الإمام الحسين عليه السلام ولم يُنصر؟ وما هي الادّعاءات التي رآها المتخاذلون سبباً لعدم تأييده والنهوض معه؟

أسباب الخذلان ومنطلقاتُه

لقد كان وراء موقف الخذلان هذا، أسباب عدّة ومنطلقات متباينة، ولكن يمكن أن نختصرها، وتظهر لنا من خلال دراستنا ثلاثة نماذج من الذين خذلوا الإمام عليه السلام في كربلاء ولم ينصروه، من خلال بيان الأسباب ووجهات نظرهم ومنطلقاتهم.

1- عبد الله بن عمر والخوفُ:

إنّ الذي منعه عن نصرة الإمام الحسين عليه السلام ليس جهله به، ولا شكّه في شرعية نهضته، وسلامة منطلقاتها. كما لم يكن ظلم الأمويين واستيلاؤهم على مقدرات المسلمين بدون وجه حق خافياً عليه، ولا بعيداً عن فهمه، ولم تُمحَ من ذاكرته تصرُّفات معاوية وأساليبه الجاهلية، في إجبار المسلمين وساداتهم على قبول خلافة ولده الفاسق يزيد.

لكن الرجل كان يعيش حالة خوف وهلع شديدين على ما يبدو، فهو لم يُفكّر يوماً بالمواجهة، ولم يخطر على باله أن يقول لظالم كلمة (لا)، فقد كان الجبن والخوف يسيطران عليه بشكل واضح.

قد يكون لذلك سبب أعمق! ولكن سلوكه بقي هكذا مع كل حاكم ظالمٍ ومعتدٍ أثيم، كان يقول إنّه يدخل داره ويغلق عليه بابه، فإذا بايع الناس يزيد بايعه!! كان حريصاً على متابعة الأمر الواقع، ولو كان واقعاً منحرفاً، لا يرى وجهاً للخروج على ظالم متسلّط على رقاب المسلمين، فلم يكتف بعدم نصرة الإمام الحسين عليه السلام، بل راح يحاول ثني الإمام الحسين عليه السلام عن فكرته، وإقناعه بعدم الخروج على بني أمية، وكان الإمام الحسين عليه السلام يواجهه بلغة أخرى: “اتق الله يا أبا عبد الرحمن، ولا تدعنّ نصرتي”[97].

ولمّا رأى ابن عمر إصرار الإمام الحسين عليه السلام على المواجهة، ماذا طلب منه؟ لقد طلب منه أن يكشف الحسين عليه السلام له عن بطنه، ليُقبّله في الموضع الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُقبّل الإمام الحسين عليه السلام فيه، يريد التبرُّك بموضع شفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يُفكّر بنصرة الإمام الحسين عليه السلام الذي نهض للدفاع عن سنّةِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودينه وأمّته، بل كان

ابن عمر غير راضٍ عن خروج الإمام الحسين عليه السلام، فعلى الإمام الحسين عليه السلام الصبر وتحمّل الأذى، وقد عبّر عن ذلك بقوله: غلبنا حسين بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرّك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإنّ الجماعة خير”[98].

وبقي ابن عمر على موقفه هذا، حتى بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام. فلمّا تحرّك أهل المدينة ضدّ الأمويّين في السنة الثانية لحكم يزيد، وكان عبد الله بن حنظلة (غسيل الملائكة) يقود التحرُّك، كان عبد الله بن عمر يتحرّك بنشاط، إلى هذا الطرف وذاك، لمنع التحرُّك، ولتثبيط الثورة وتهدئة الأوضاع لمصلحة الأمويّين!!

وحينما صلب الأمويون عبد الله بن الزبير، دخل عبد الله بن عمر على الحجّاج ليبايع عبد الملك بن مروان على يديه، فقال له الحجّاج، إنّ الذي جاء بك هذا المصلوب، أي الخوف من القتل والصّلب، وليس ما تقوله من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: “من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية”[99].

2- عبد الله بن الزبير وحبُّ السلطة:

هو رجل لم يكن معروفاً بالخوف أو الهلع، على عكس ابن عمر، فهو رجل واجه الأمويّين، ورفض بيعة يزيد، وترك المدينة إلى مكة سالكاً طريقاً ملتوياً حتى وصل إليها. وبقي مواجهاً للأمويّين، حتى كاد يُطبق على حكم العالم الإسلاميّ آنذاك، ثم دارت عليه الدائرة وقُتل في قلّة حتى صُلب في الكعبة المشرّفة، وهو المصير الذي كان يُحذّره الإمام الحسين‏ عليه السلام منه، ومن أن يُقتل وتُنتهك بقتله حرمة الكعبة. قال له الإمام الحسين عليه السلام: “إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبشاً يستحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش”[100].

إذاً، لم يكن الخوف هو الذي أعاق ابن الزبير عن نصرة الإمام الحسين‏ عليه السلام، بل أمر آخر، إنّه الطموح السياسيّ، والمجد الشخصيّ. إنّ لابن الزبير طرحاً خاصّاً به،

ومشروعاً ليس لسواه. إنّه يريد الانفراد بالساحة، لا أن يُشارك الآخرين، فكيف يكون تابعاً لغيره؟ إنّه يريد أن يكون الأبرز، هو القائد وصاحب المشروع والرأس، لا يهمُّه بقاء الأمويّين أو زوالهم بقدر ما يهمّه موقعه وطموحه ومشروعه، فكان يحثّ الإمام الحسين على الخروج من مكّة، فقد كان أثقل شي‏ء عليه وُجودُ الإمام الحسين عليه السلام فيها، لأنّه عَلِم أنّ الناس لا يمكن لهم أن يوازنوا بينه وبين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا أمر كان يعرفه الإمام الحسين عليه السلام، ويعرفه ابن الزبير، ويعرفه أطراف النزاع كلهم، بل عامة الناس كذلك.

حينما قرر الإمام الحسين عليه السلام الخروج من مكّة، كان ابن الزبير يقترح عليه البقاء دفعاً لهذه الشبهة! ولم يدع الموقف دون أن يكشف عن ذلك الطموح، فقال للإمام الحسين عليه السلام: أقم إن شئت، وتُولِّني أنا الأمر فتُطاع ولا تُعصى”، فأجابه الإمام عليه السلام: “وما أريد هذا أيضاً”[101].

إنّ عداء ابن الزبير للأمويّين، لم يكن على أساس السعي لإنقاذ الأمّة من ظلمهم وجاهليتهم، وبالتالي نصرة الدِّين وأهله، ولو كان هذا هدفه لما تأخّر لحظة عن الانضمام لحركة الإمام الحسين عليه السلام ومؤازرته وتأييده، لأنّ الإمام هو خير من يمكن العمل معه للوصول إلى أهداف الإسلام الكبرى وإنقاذ الأمّة.

ولكن أنّى لابن الزبير أن يخطو هذه الخطوة! رغباته الشخصية نصب عينيه، وطموحه السياسيّ القديم ماثلٌ أمامه… لقد وجد في خروج الإمام الحسين عليه السلام من مكّة تقريباً لتلك الطموحات. إنّه يريد أن يكون صاحب مشروع خاصٌ، لا مشروع تابع لآخر، ولو كان الآخر هو ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيّد شباب أهل الجنة.

إنّ خروج الإمام الحسين عليه السلام من مكّة لا يعني أن تفرغ لابن الزبير ساحة الحجاز، أي مكّة والمدينة حاضرتَي الإسلام المتميزتين، فحسب، بل يعني كذلك أنّ الإمام الحسين عليه السلام في طريقه لمواجهة حقيقية مع بني أميّة، وحسب موازين القوى من جهة، وشراسة

الأمويين وحقدهم من جهة أخرى، وإصرار الإمام الحسين‏ عليه السلام ومبدئيّته من جهة ثالثة، فإنّ استشهاد الإمام الحسين عليه السلام يكاد يكون أمراً مفروغاً منه.

وهذا بحدّ ذاته يوفّر لابن الزبير أجواء مثالية لمواجهة الأمويّين، مستغلّاً قتلهم للحسين عليه السلام، وما سيصابون به من ضعف وانكفاء المسلمين عنهم، وكل هذا سيسلّط عليه مزيداً من الأضواء. ولهذا صرّح الإمام الحسين عليه السلام، وهو ينظر إلى ابن الزبير وطموحه: “ها إنّ هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنّه ليس له من الأمر معي شيء، وإنّ الناس لم يعدلوه بي، فودّ أنّي خرجت منها لتخلو له”[102].

ولهذا بادر ابن عباس إلى ابن الزبير، بعدما عزم الإمام الحسين عليه السلام على الخروج من مكّة، وقال له: “قرّت عينك يا بن الزبير، هذا الحسين خارج إلى العراق، ويُخلّيك والحجاز!”[103]. إذاً، عبد الله بن الزبير، النموذج الثاني لمن خذل الحسين ولم ينصره، بسبب طموحاته الشخصية ومشاريعه الخاصة.

3- عبيد الله بن الحرّ الجحفيّ وحبُّ الدنيا:

وجيه من وجهاء الكوفة، ورجل مرموق فيها، يعرف قدر الإمام الحسين عليه السلام ومنزلته وأحقّية تحرّكهِ. لم يكن بالخائف الرعديد، فهو ممّن سيحمل السيف بعدئذٍ، ويبقى مطارَداً من قبل الأمويّين، وينتهي أمره بالقتل. كما لم يُعرف عن الجحفيّ هذا طموحٌ شخصيّ ولا مشروع ذاتيّ به، يسعى لتحقيقه.

ولكن الرجل أُصيب من مقتل ثالث، إنّه ابن نعمة، موفور الحال، واسع العيش رغيده، متعلّق بالدنيا ونعمائها، لا يُحبّ الموت، ويكره المواجهة، ويُحبّ أن يبقى بعيداً عن الأحداث، لا يُشارك ولا يُعطي ولا يُضحّي، لكي يحافظ على رفاهيّته ونعمته ولذائذه.

ماذا يريد الإسلام منه؟ إنّه يُصلي ويصوم ويُزكّي ويؤدّي فريضة الحج، ويعين الآخرين من ذوي الحاجة. ألا يكفي ذلك كله؟ لماذا يُراد منه الحرب والمواجهة والدم؟ وهل الأمر مقتصر على مشاركته أو عدمها؟ وما تراه يَفعل في مواجهة واقع فاسد مرير؟ ليبقَ هانئاً في نعمته، مرفّهاً في لذّته، وهو يعبد الله، العبادة الباردة الهادئة، بعيداً عن الصخب والمواجهة وقعقعة السلاح!!

وكان عبيد الله بن الحرّ الجحفيّ هذا مدركاً لسير الأحداث، وهو في قلبها بالكوفة، وراح يستقرئ الوضع، ويدرس الاحتمالات ويقوّم الأوضاع. فهذا مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) قد قُتل في الكوفة، ومعه هاني بن عروة، ولم تنفع مسلم شيعته، ولا دفعت عن ابن عروة عشيرته، وهذه الأخبار تُنقل، والمسألة لا تحتاج إلى تفكير كثير وتنظير واسع لمعرفة النتيجة الواضحة، من أنّ الحسين عليه السلام سيصل الكوفة، والمواجهة واقعة، والاصطدام وشيك لا محالة، فماذا يفعل الجحفيّ وهو في الكوفة؟ أمامه خياران لا ثالث لهما، إمّا أن ينصر الإمام الحسين عليه السلام ويقوم بواجبه الشرعيّ ويؤدّي وظيفته الرسالية، وهذا يعني أنّه سوف يُقتل، وهو المتعلّق بالحياة ونعيمها، وإمّا أن لا ينصر الإمام الحسين عليه السلام أو يكون مع أعدائه، وهذا يعني الخزي في الدنيا والعذابَ في الآخرة.

إذاً، الأفضل هو الهرب، وترك الساحة، والنأي عن الأحداث، ومتابعة الأخبار من بعيد، حتى يتبين الموقف، وتنجلي الغبرة… وهكذا قرّر ابن الحرّ الجحفيّ ترْك الكوفة واللجوء إلى البادية، ونصَب فُسطاطاً كبيراً، وركز عند بابه رمحاً، يشير إلى أنّ صاحب الفُسطاط كريم وشجاع! ونأى عن الطريق العام إلى أعماق الصحراء غرب الكوفة، ولم يعلم بالتغيّرات التي حدثت بعده.

حينما تحرّك الحرّ بن يزيد الرياحيّ، ومعه ألف رجل، بأمر من عبيد الله بن زياد، ليمنعوا الحسين عليه السلام وركبه، سلكوا طريقاً بعيداً عن طريق الكوفة، وتياسروا الطريق، أي باتجاه الغرب، حتى صار طريقهم على المكان الذي اختاره عبيد الله بن الحرّ الجحفيّ ونزل فيه، وظنّ أنّه سيكون فيه بمنأى وبعدٍ عن الإمام الحسين عليه السلام وحركته وركبه. فلمّا

رأى الإمام الحسين عليه السلام ذلك الفُسطاط، سأل عن صاحبه، فقيل: هو عبيد الله بن الحرّ الجحفيّ، فتعجّب الإمام الحسين عليه السلام من وجوده في هذا المكان النائي، واختار عليه السلام من أصحابه من يكون رسولاً إليه، وهو ابن عمه الحجّاج بن مسروق الجحفيّ، الذي ما أن دخل خيمة ابن الحرّ، حتى بادره الأخير عمّا جاء به إلى هنا وما وراءه، فقال له الحجّاج: جئتك بخير الدنيا والآخرة. إنّهما الوعي وعمق النظر اللذان انطلق منهما الحجّاج بن مسروق الجحفي، الذي كان يُعرف بمؤذّن الحسين عليه السلام، فانتبه له عبيد الله وقال: وما ذاك؟ قال: هذا الحسين يدعوك إلى نصرته، فإن قاتلت بين يديه أُجرت، وإن قُتلت استُشهدت. وهما الخياران اللذان هرب منهما عبيد الله من الكوفة بالأصل، فهو لا يريد القتال ولا يريد الموت، فوقع هذا الخبر عليه كالصاعقة، حيث إنّه قد رتّب أمره وخطّط على أن يكون مراقباً للأحداث من بعيد، وفي سلام وأمن، فإن كانت الدائرة للأمويّين لم يكن مشاركاً لهم في قتل الحسين عليه السلام، وإن كانت الدائرة للحسين عليه السلام جاءه مؤيّداً وناصراً. فقال عبيد الله بن الحرّ: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والله ما خرجت من الكوفة إلّا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها، والله ما أريد أن يراني الحسين ولا أراه.

هكذا أفصح الرجل عن نظرته وموقفه. ورجع الحجّاج إلى الإمام الحسين عليه السلام وأخبره بمقالة ابن عمه، فما كان من الحسين عليه السلام إلّا أن مشى إليه بنفسه في جماعة من أهل بيته وأصحابه.

فالإمام الحسين عليه السلام صاحب رسالة، وهو لا يبالي أن يكون السبّاق والمبادر. دخل عليه الفُسطاط، فنهض له ابن الحرّ مرحّباً به ومستقبلاً، ووّسع له عن صدر المجلس. وقد نقل ابن الحرّ كيف كان ذلك اللقاء: ما رأيت أحداً قطّ أحسن من الحسين عليه السلام، ولا أملأ للعين منه، وما رققت على أحد من قبل رقّتي عليه حينما رأيته يمشي والصبيان حوله”[104].

فهل غيّر ابن الحرّ موقفه مع هذه الهيبة للإمام الحسين عليه السلام، وهذه الرقّة والتعاطف مع أطفاله؟ ولكي يؤخّر الموضوع الذي جاء الإمام الحسين لطرحه معه، راح يسأل الإمام الحسين عليه السلام عن سواد لحيته، وهل هي من سواد أو خضاب، وهل ذلك الموقف مناسب لطرح هكذا استفسار، بعيداً كُلَّ البعد عمّا جاء لأجله الإمام عليه السلام. فأجابه الإمام الحسين عليه السلام مختصِراً: “يا بن الحرّ، عجّل عليّ الشيب”[105]. ثم إن الإمام الحسين عليه السلام حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: “يا بن الحرّ، إنّ أهل مصركم كتبوا إليّ أنّهم مجتمعون على نصرتي، وسألوني القدوم عليهم فقدمت…”[106].

فألقى ابن الحرّ معاذيره الواهية، فحرم نفسه السعادة والفوز بنصرة سبط الرسول، قائلاً: والله إنّي لأعلم أنّ من شايعك كان السعيد في الآخرة، ولكن ما عسى أن أُغني عنك، ولم أخلف لك بالكوفة ناصراً؟

فأنشدك الله أن تحملني على هذه الخطة، فإنّ نفسي لا تسمح بالموت، ولكن فرسي هذه الملحقة، والله ما طلبت عليها شيئاً إلا لحقته، ولا طلبني أحد وأنا عليها إلا سبقته، فهي لك – ولكن ما قيمة فرسه عند الإمام! – فردّ عليه قائلاً: “ما جئناك لفرسك وسيفك، إنّما أتيناك لنسألك النصرة، فإن كنت قد بخلت علينا بنفسك، فلا حاجة لنا في شيء من مالك، ولم أكن بالذي أتّخذُ المضلّين عضداً، وإنّي أنصحك، إن استطعت، أن لا تسمع صراخنا، ولا تشهد وقعتنا، فافعل، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلّا أكبّه الله في نار جهنّم[107]. فأطرق ابن الحرّ برأسه إلى الأرض، وقال بصوت خافت حياء من الإمام: أمّا هذا فلا يكون أبداً إن شاء الله تعالى. وهكذا ترك ابن الحرّ نصرة ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وندم لاحقاً أشدّ الندم، ولكن في وقت لم يعد ينفع فيه الندم.

المفاهيم الرئيسة

1- هناك عدّة عوامل كان من المفترض أن ترجّح كفّة الأنصار على المتخاذلين، منها: وجود شخص الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء نفسُه، مضافاً إلى مقبولية أهداف الثورة عند الجميع، وعامل الإيثار، بحيث إنّ الإمام بدأ بنفسه وأهله أولاً، وأخيراً وجود الوقت الكافي للدعوة والهداية إلى الحق.

2- انتشار الخوف والهلع الشديدين، مضافاً إلى الجبن وعدم التفكير بالمواجهة من الأصل، عوامل كلها أدت ببعض الناس إلى ترك نصرة الإمام عليه السلام وتجنّب حتى الالتقاء به.

3- الطموح السياسيّ، والمجد الشخصيّ، وحبّ السلطة والجاه، كانت من أهم الأسباب التي دفعت ببعض الناس أيضاً إلى خذلان الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، كما كان حال عبد الله بن الزبير.

4- صنف آخر من المتخاذلين كان ابن نعمة، موفور الحال، واسع العيش رغيده، متعلّق بالدنيا ونعمائها، لا يحبّ الموت، ويكره المواجهة، ويحبّ أن يبقى بعيداً عن الأحداث، لا يشارك ولا يعطي ولا يضحيّ، لكي يحافظ على رفاهيته ونعمته ولذائذه الدنيوية.

الدرس الثامن: الولاية وثقافة الانتظار

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- أن يتعرف إلى عقيدة المهدوية، ويبيّن ارتباط الامامة بالولاية والطاعة.

2- أن يحدد العلاقة بين الولاية وبين انتظار الفرج.

3- أن يبيّن كيف تتجلى الولاية في عصر الغيبة.

تمهيد

لقد تواترت الأخبار والروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليه السلام التي تبشِّر بظهور المهديّ في آخر الزمان، لينشر العدل، وينصر المستضعفين في العالم، ولهذا يعتقد المسلمون أنّ قضية المهدوية ضرورة من ضروريات الإسلام على مستوى كون إمامته امتداداً لنبوّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكونه الإمام المفروض الطاعة، وذلك على قاعدة أنّ الإمامة رئاسة عامّة في أمور الدين والدنيا، ووظائفها مستمَدّة من النبوّة، لناحية قيادة المجتمع وإدارة شؤون الأمة والدولة، ومرجعية دينية، وولاية أمر عامّة للمسلمين كافة.

وإن ما يعزّز عقيدة المسلمين بالمهديّ مجموعةُ الأخبار التي أكّدت أنّ الأرض لا تخلو من حجة لله عليها، فقد ذكر الشيخ الكلينيّ في الكافي عدة روايات تتحدّث عن أن الأرض لا تخلو من حجة، نذكر منها قول الإمام الصادق عليه السلام: “إن الله أجلُّ وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل[108]. وقد حدّدت الروايات المقصودَ بالحجّة وأنه الإمام المهديّ، فعن الإمام الكاظم عليه السلام قال: “إن الحجّة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف”[109]، وورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: “إن آخر من يموت الإمام، لئلا يحتجّ أحدٌ على الله عزّ وجل أنه تركه بغير حجّة لله عليه”[110].

الولاية وانتظار الفرج

نعيش في عصرنا الحاضر تحت فيء إمامة المعصوم الرابع عشر وولاية الإمام الثاني عشر من الشجرة الطيبة، ونقتات من مائدة ولايته. وإذا كانت يدنا قاصرة عن الوصول إليه، فهل يمكن أن نقول: إنَّ كلمة التوحيد الطيبة فقدت شروطها؟ وهل يمكن أن نعتبر غيبة الولي ذريعة للتنصل من العمل تمهيداً واستعداداً لظهوره؟

لا ريب في أنَّ وظيفة الموالي انتظارُ الفرج، بل يمكن القول إنَّ انتظار الفرج هو أفضل تجلٍّ للولاية، ومن أفضل أعمال المسلمين، كما أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: “أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله”[111]

لقد عُدّ انتظار الفرج من أفضل الأعمال، ويُعلم من ذلك أنّ الانتظار هو عملٌ وليس بطالةٌ، فلا ينبغي الاشتباه والتصوّر أنّ الانتظار يعني أن نضع يداً فوق يد ونبقى منتظرين حتّى يحدث أمرٌ ما. الانتظار عملٌ وتهيّؤٌ وباعثٌ على الاندفاع والحماس في القلب والباطن، وهو نشاطٌ وتحرّكٌ وتجدّدٌ في المجالات كلّها. وهذا هو في الواقع تفسير هذه الآيات القرآنية الكريمة: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ[112] و ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾[113]. هذا الفرج سيتحقّق، وهو مشروطٌ في أن يكون انتظاراً واقعيّاً، وأن يكون فيه العمل والسّعي والاندفاع والتحرّك[114]

فالانتظار الحقيقيّ هو الذي يمهّد الطريق لظهور الحجة عليه السلام، ومن عرَف حقيقة الانتظار، وأدرك تكليفه ووظيفته، وعمل بها، وأجهد نفسه في مسير الإعداد لصاحب الزمان، تعلّق قلبه بإمامه، وجسّد حقيقة الولاية، وكان مصداقاً من مصاديق المؤمنون بالغيب، كما ذكرهم القرآن الكريم وأشار إليهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: “طوبى للصابرين

في غيبته! طوبى للمقيمين على محجّتهم! أولئك وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ[115]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[116][117].

تجليات الولاية في عصر الغيبة

بناءً على ما مرَّ من معنى انتظار الفرج، يمكننا تحديد الوظائف الملقاة على عاتق المنتظِر تجاه إمام العصر والزمان، وتجليات الولاية بالصورة العملية، وفق الأمور الآتية:

1- معرفة الإمام:

أشار الدعاء الملكوتيّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام إلى أوّل واجبٍ من واجبات أهل الانتظار والولاية: “اللهمّ عرّفني نفسك، فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك. اللهمّ عرّفني رسولك، فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك. اللهمّ عرّفني حجّتك، فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني”[118].

إنَّ أوّل ما يجب على المؤمن من أهل الانتظار والولاية الالتزامُ به: معرفةُ الإمامة والإمام معرفةً ترتكز على أساس معرفة التوحيد ومعرفة النبوّة. إذ لو أدركنا أنّ النبي خليفة الله الذي يلزم علينا أن نعمل على أساس وحي كلامه، لزم علينا أن نعرف الإمام على ضوء معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلّا قد ينتهي بنا القول إلى أنّ الإمامة يمكن أن تتشكّل تحت لواء السقيفة

لو أحاط المؤمن علماً بهذه الحقيقة النوريّة، فسوف يرتبط بالتوحيد عبر مسار الإمامة والنبوة، ولن يتمسّك بغير الدين في الفكر والعمل. وإن استطاع الوصول إلى هذه المرتبة، استطاع حلّ مشاكله العلمية والعملية كلّها. ففي المجال الاجتماعيّ لن يتبنّى الأنظمة غير الدينيّة، بل سيلتزم بالقانون المتمحور حول أمر الله، لا أمر الناس، ومن هذا المنطلق لن يسلّم إلّا بالقانون الإلهيّ الذي يسعى مقامُ النبوّة والإمامة الشامخ إلى بيانه وتفسيره

2- الثبات على الدين في عصر غيبته عليه السلام:

من أهم التكاليف الشرعية في عصر الغيبة هو الثبات على العقيدة الصحيحة بإمامة الأئمة الاثني عشر، وخصوصاً خاتمهم وقائمهم المهديّ عليه السلام، كما يتوجب علينا عدم التأثر بموجات التشكيك وتأثيرات المنحرفين مهما طال زمان الغيبة أو كثرت ضروب المشككين، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “والذي بعثني بالحق بشيراً، ليغيبنّ القائم من وُلدي بعهد معهود إليه مني، حتى يقول أكثر الناس ما لله في آل محمد حاجة، ويشك آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسك بدينه، ولا يجعل للشيطان إليه سبيلاً يشكّكه فيزيله عن ملّتي، ويخرجه من ديني”[119]

  1. تجديد البيعة والولاية له عليه السلام:

يعتبر دعاء العهد أحد أهم الأدعية المخصوصة بمنتظِري الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف والواردة عن الإمام الصادق عليه السلام. والدعاء يتضمن جملة من المعارف التوحيدية، ويؤكد على ضرورة الارتباط الدائم بإمام العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ولزوم الاستقامة والدفاع عنه، مع الإشارة إلى الخطوط العريضة لبرنامج حكومة صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف. والدعاء يصف حالات المنتظرين الحقيقيين، ويشير إلى عقد المؤمن العهد مع الإمام عليه السلام وإشهاد الله عليه، لغرض توكيد هذا العهد الذي على أساسه يكون الداعي في كلّ زمان ومكان من أنصار إمام العصر وأتباعه الذابين عنه والعاملين بسنتّه وسلوكه، سائلاً الله أن يسدده ليبذل مهجته في هذا الطريق: “اللهم إني أجدد له في صبيحة يومي هذا، وما عشت من أيامي، عهداً وعقداً، وبيعةً له في عنقي، لا أحول عنها ولا أزول أبداً …”[120].

4- الارتباط الروحيّ بإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف:

إنّ ما هو مطلوبٌ ومقدورٌ لجميع المحبين والمنتظرين هو إيجاد وحفظ الارتباط الروحيّ والمعنويّ مع الإمام صاحب العصر والزمانعجل الله تعالى فرجه الشريف، وهو ما يحصل إثر رعاية أدب الحضور والارتباط معه.

وعليه، فالدعاء للإمام عليه السلام، والقيام بالمستحبّات، والتزوّد بالأعمال الصالحة نيابة عنه، وإهداء ثوابها إلى الأرواح الطيّبة للعترة الطاهرة عليهم السلام، من أفضل السبل لتعزيز الارتباط مع وجوده المبارك، كما أنّ أرقى سبيل لهذه النيابة أن لا يطلب من الإمام مقابل عمله أمراً لنفسه، لأنّ ذلك ينقص من قدر عمله. والوجه فيه: أنّ طلبنا بقدر إدراكنا، كما أنّ إدراكنا في أكثر الأحيان محجوبٌ بحجاب أُمنيّاتنا، ما يكون معه مطلوبنا المترقّب بذلك محدوداً. وعليه، فالأرجح من باب الأدب أن لا نطلب من ذلك الوجود المبارك أمراً خاصّاً، لوضوح أنّه من تلك السلالة التي سجيّتهم الكرم[121]. ومعه، فمن اللائق أن نوكل إليهم مسألة العطاء، نظراً إلى أنّ ما تقتضيه سجيّة الكريم في العطاء أن يكون عطاؤه مستمرّاً وافراً.

5- تكذيب مدعّي السفارة:

من وظائف محبّي ومنتظري الظهور الحقيقيّين تكذيبُ مدّعي السفارة، وتلقّي الأحكام من قبل الإمام، حسبما ورد ذكره في التوقيع الصادر عن الناحية المقدّسة عجل الله تعالى فرجه الشريف: “سيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة. ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيّ والصيحة فهو كاذبٌ مفتر”[122]، وذلك أنّ فتح الباب أمام ادّعاء المدّعين يخلق جوّاً من شأنه أن يجعلنا نسمع كلّ يومٍ، بل كلّ لحظةٍ، ظهور من يدعو إلى نفسه ويدّعي أنّ له رسالةً يجب إيصالها إلى البشر، ممّا قد يفسح المجال لمن يدّعي التغيير في الأحكام والفرائض، فيفضي إلى رواج الهرج والمرج. وعلى هذا الأساس لا يكون تكذيب هذا المدّعي واجباً فحسب، بل يحرم كلّ ما من شأنّه أن يقوّي ويجرّئ هؤلاء المدّعين، بدليل العقل وحرمة الإعانة على الإثم.

6- طاعة الفقيه الجامع للشرائط:

في عصر الغيبة الكبرى لصاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف تتجلى الولاية عملياً من خلال طاعة الولي الفقيه الجامع للشرائط، نائب الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف، فطاعته والتسليم لأمره طاعةٌ وتسليمٌ

للإمام المعصوم عليه السلام، لأنَّ بحث ولاية الفقيه، كما مرَّ معنا في الدروس السابقة، مرتبطٌ بشكل جذريّ ببحث الإمامة. من هنا، فإنَّ المنتظر الحقيقيّ لا بدَّ أن يكون طوعَ أمر الوليّ، ويؤدّي التكاليف الملقاة على عاتقه على أتمّ صورة ووجه.

7- النشاط والسعي المطلوب:

يقتضي الإدراك الصحيح لمعنى الانتظار والولاية أن يكون للمؤمن الموالي حركة دائمة وسعي دؤوب بقصد تهيئة نفسه ومجتمعه لظهور الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف. والحديث الملكوتيّ الوارد عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام القائل: “ليعدّنّ أحدكم لخروج القائم، ولو سهماً”[123] مصباح ينير هذا الطريق الرحب.

ثمّ إنّ اللحظة السعيدة لظهور الغائب تبعث فينا الأمل لنعيش لحظات الانتظار على أحرّ من الجمر، بانتظار الطلعة البهيّة لوجوده المبارك. وهذا الانتظار يدفعنا عقلاً في ضوء الكلام النوريّ لصادق آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو السعي والحركة الدؤوبة لإعداد العدّة وتهيئة الأرضيّة المناسبة لظهوره، ولو كان ذلك بإعداد سهمٍ. وهذا السهم تارةً يكون سهم بيانٍ، وبنانٍ وأُخرى يكون سهماً في المجال العلميّ والعسكريّ. وإن شئتَ قلت: إمّا أن تكون لنا القدرة على شرح وبيان المعارف الإلهيّة وبسطها ونشرها وتبليغها، مع تمييز العقل عن الحسّ والقياس والوهم والاستحسان والخيال والمغالطة، سعياً إلى صيانة هذا المصباح المنير، وإمّا أن نسخّر قوانا وملكاتنا في مختلف الفنون الصناعيّة والمجالات العلميّة، لا سيّما في مجال الدفاع الحربيّ والاستعداد لمواجهة ومجابهة الذين يتوهّمون أنّ مصباح الهداية الوحيانيّ قد خمد وانطفأ، وإن كان الأولى الجمع بين هذين السلاحين.

ومن حسب نفسه أنّه في حال انتظار دون أن يحرّك ساكناً بقصد إعداد العدّة وطيّ مسير المجاهدة – متوهّماً أنّ من لا يعدّ العدّة يمكن أن يكون من بين منتظري الموعود الموجود – فقد وقع في خيالٍ باطلٍ، وليس لانتظاره ثمرةٌ عمليّة منشودةٌ، ولا لموالاته حقيقةٌ وواقع.

8- الاقتداء بسنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام وسيرتهم:

إنّ إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف هو محيي تعاليم القرآن الكريم النوريّة ومعارف النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى عليهم السلام، فسيرة إمام العصر هي السيرة النابعة من الإسلام الأصيل والمعارف السامية للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم التي هي من خزائن الله. وقد كان الأئمة المعصومون عليهم السلام الواحد تلو الآخر يبيّنون هذه الحقيقة النوريّة، ويحافظون على هذه السيرة الكريمة.

وعليه، فليس طريق إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف سوى طريق القرآن والعترة، وعلى منتظِر إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف والموالي أن يكون على اطّلاع وإحاطةٍ بالقرآن الكريم وبتعاليمه من جهة، وبسيرة وتعاليم العترة من جهة أُخرى، ليتمكّن من الاقتداء بأئمة الهدى والاستعداد لحضور إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف وخدمته.

9- مجاهدة النفس والتحلّي بمكارم الأخلاق:

إنّ المعنى الحقيقيّ للانتظار والولاية يكمن في توفير شروط حضور وظهور صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، فمن لم يجاهد نفسه في هذا السير، لا يُعقَل أن تكون ولايته خالصة صادقة.

ولا شكّ في أنّ منتظري الوجود المبارك لصاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف ممّن تخرّج في مدرسة الولاية قد تعلّموا بكلّ صدقٍ درس الصلاح والإصلاح، فعليهم، مضافاً إلى قراءة دعاء الفرج بألسنتهم، قصد تعجيل إمامهم، أن يذكروا ذلك بلسان حالهم، مع إعداد العدّة له. وعلى هذا الأساس، فمن كان انتظاره حقيقيّاً وترقّبُه صادقاً، أمكنه أن يسأل الله سبحانه من أعماق فؤاده، بلسان الحال والمقال، تعجيل الفرج السعيد الميمون لإمام زمانه.

ولنيل هذه المرتبة، ينبغي على المنتظِر أن يعمل بما لديه من علمٍ ومعرفةٍ، وأن يستفهم ما أُشكل عليه فهمُه، كما يلزم عليه أن يرجو الخير لسائر عباد الله، من دون أن تكون له أيّة ضغينة تجاه غيره، وذلك أنّ القلب المشوب بالحقد لا يليق لأن ينال بذرة معرفة صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف ومحبّته.

كما ينبغي على المنتظر الحقيقيّ أن لا يتّكل إلّا على الله، ولا يعقد على غيره الأمل، كما عليه أن يراقب فضاء قلبه، فلا يبيع هذه البضاعة النفيسة بثمن بخس في قبال الشهوة

والغفلة، إذ إنّ مَن عرض هذا الثمن وتعرّض له، ما كان إلّا عدو الإنسان، أي: إبليس، لوضوح أنّ هذه المعاملة لا تهدف إلّا إلى الاستئثار بالثمن والمُثمَن، فلا يعود للإنسان سوى الخسران والغبن والضرر.

ومن باع أخلاقه ودينه من الشيطان، استحوذ على تمام هويّته الإنسانيّة، ومن كان كذلك، سعى إلى سلوك طريق ومسير مشفوع بالخسران والفساد، فيكون مصداقاً بارزاً لقوله تعالى: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ[124].

ثمّ إن ترك التعلّق بالمظاهر الدنيويّة المذمومة مقدّمة لإيجاد الأرضيّة الملائمة لطهارة الروح وصفاء الضمير بالنسبة إلى المنتظر، وعند ذلك يصير بلطفٍ من الله صاحب شامّة يشمّ بها عطر حضور مولاه[125]. ولا يحصل بهذه الشامّة استشمام الروائح العطرة فحسب، بل تُستكشف الروائح العفنة الناشئة عن الميول الدنيويّة وحبّ الدنيا والنفاق والتفرقة بين المتحابّين، فتنجي صاحبها من الوقوع في هذه المهالك.

10- سموّ الفكر والعقل:

يُستفاد من الروايات الواردة في بيان الوقائع والأحداث السابقة على عصر الظهور أنّ يد اللطف الإلهيّ ستنال الأُمّة، فتكتمل عقولهم، وتستعدّ لتلقّي الفيوضات. وهذا التطوّر والتكامل ليس أمراً هيّناً ليُقال بأنّه لا حاجة إلى تهيئة الأرضيّة له، إذ معه ينقلب المرء من جَهولٍ مطبقٍ إلى ذي علمٍ غزيرٍ.

إنّ تعالي مستوى الفكر، والتعقّل والعلم والفهم العامّ، أوّل خطوة في طريق تهيئة الأرضيّة اللازمة لغرض إدراك رسالة الإنسان الكامل، وظهور وليّ الله المطلق. وهذا الأمر الجليل من أغلى وأسمى واجبات ووظائف منتظري الإمام عليه السلام. والسرّ فيه: أنّ المجتمع الذي يكون له مستوى فكريّ رفيع، يتمكّن من أن يدرك حقيقة المعارف الإلهيّة التي

يفيض بها الإمام عليه السلام، ويكون أقدر على الوقوف في وجه أمواج الجهل والتجاهل والحسد والرذيلة.

11- حسن التدبير وعلوُّ الهمّة:

وإلى جانب ما ذكرناه، يجب على أهل الانتظار أن يعزّزوا في أنفسهم روح التدبير على أتمّ وجهٍ، ويسعوا إلى تنظيم الأُمور الاجتماعيّة. وقد أشار الإمام الباقر عليه السلام في روايةٍ إلى جملة خصائص أتباع صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، ووصف علوَّ همتهم حيث قال: “أجرى من ليث، وأمضى من سنان”[126].

وعندما يبلغ المجتمع الإسلاميّ درجةً من علوّ الهمّة والتدبير، تتجلى الولاية بأسمى صورها، وتتهيّأ الأرضيّة لظهور حجّة الله المطلَقة.

وختاماً، يمكننا القول: من أراد أن يمتحن صدق انتظاره وولائه، فعليه أن ينظر: هل هو متطلّعٌ ومشتاقٌ إلى إمام زمانه القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل يؤدي التكاليف والوظائف تمهيداً واستعداداً لحضوره المبارك؟ هل هو منتظرٌ حقيقيّ أم أنَّه أطلق على نفسه بلا حقٍ عنوان انتظار الحجّة؟!

المفاهيم الرئيسية

1- يعتقد المسلمون بأن قضية المهدوية ضرورة من ضروريات الإسلام على مستوى كون إمامته امتداداً لنبوّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكونه الإمام المفروض الطاعة، وذلك على قاعدة أن الإمامة رئاسة عامّة في أمور الدين والدنيا، ووظائفها مستمَدّة من النبوّة، لناحية قيادة المجتمع وإدارة شؤون الأمة والدولة، ومرجعية دينية، وولاية أمر عامة للمسلمين كافة.

2- إنَّ وظيفة الموالي انتظار الفرج، وانتظار الفرج هو أفضل تجلٍّ للولاية، ومن أفضل أعمال المسلمين كما أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: “أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج من الله”.

3- يمكننا تحديد الوظائف الملقاة على عاتق المنتظِر تجاه إمام العصر والزمان، وتجليات الولاية بالصورة العملية وفق الأمور الآتية: معرفة الإمام، الثبات على الدين في عصر غيبته عليه السلام، تجديد البيعة والولاية له عليه السلام، الارتباط الروحيّ بإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، تكذيب مدعّي السفارة، طاعة الفقيه الجامع للشرائط، النشاط والسعي المطلوب، الاقتداء بسنّة النبي والأئمّة عليهم السلام وسيرتهم، مجاهدة النفس والتحلّي بمكارم الأخلاق وسموّ الفكر والعقل، وحسن التدبير وعلو الهمّة.

الدرس التاسع: وظائفُ الفقيه وصلاحيّاته

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى معنى الولاية.

2- يعدّد وظائف الفقيه ويشرحها.

3- يحفظ بعض الآيات والروايات الدالة على وظائف الفقيه.

المقدّمة

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[127].

إنّ كلمة “الولاية” هي من الكلمات التي وردت في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة، وفي كلمات العلماء (أعلى الله مقامهم)، وكان لها معانٍ عدّة، وذلك بحسب مواضع استخدامها واستعمالها. وفيما يأتي في هذا الكتاب، نبحث في معنًى محدَّد لكلمة “الولاية“، وهو السلطة والحاكميّة. فالإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت عليهم السلام هو إمام هذا الزمان، وصاحب الأمر والعصر، وغيبته الكبرى غير معلومة الأمد، فكان البحث حول الحاكميّة والحكومة في عصر الغيبة، هل تبقى الأمّة الإسلاميّة بلا رأس يديرها؟ وإنْ كان لا بدّ من حاكم لها، فمن هو الحاكم في عصر الغيبة؟ وما هي شروطه وصفاته وحدود ولايته؟

الولاية بين اللغة والاصطلاح

إنّ مادّة الولاية في اللغة هي (و ل ي)، مأخوذة من فعل “وَلِيَ”، كما أنّها تستعمل بكسر الواو وفتحها، فنقول: “وِلاية” و “وَلاية“، وهي تدلّ على معانيَ عدّةٍ، منها النصرة والتدبير والقيمومة والقدرة والسلطة…

ينقل ابن منظور في لسان العرب: قال ابن الأَثير: وكأَنّ الوِلاية تُشعر بالتَّدْبير والقُدرة والفِعل، وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه اسم الوالي.

ابن سيده: وَليَ الشيءَ ووَليَ عليه وِلايةً ووَلايةً. وقيل: الوِلاية الخُطّة، كالإِمارة، والوَلايةُ المصدر.

ابن السِّكّيت: الوِلاية (بالكسر) السلطان، والوَلاية والوِلاية النُّصرة[128].

هذا من الناحية اللغويّة لمدلول هذه الكلمة، أمّا من الناحية الاصطلاحيّة:

لقد ورد لفظ “الولاية” مرّات عديدة في القرآن الكريم، وكذا في نصوص أهل البيت عليهم السلام. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون[129]، ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾[130]. فإنّ الآية الأولى تُظهر بأنّ الولاية هي لله جلّ وعلا، وعليه تجب طاعته، وتحرم مخالفته، ثمّ تبيّن هذه الآية أنّ الله تعالى قد أعطى هذه الولاية لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وللأئمّة المعصومين عليهم السلام. وعليه، تجب طاعتهم بمقتضى هذه المولويّة المفوَّضة إليهم من قِبله تعالى.

وكذا الأمر بالنسبة إلى الآية الثانية، حيث تبيّن بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، بمعنى أنّه مقدَّم عليهم في الأمور كافّة، شخصيّةً كانت أو اجتماعيّة، دنيويةً كانت أو أخرويّة، فكلّ ما يثبت لمؤمن من سلطة وولاية على أمرٍ ما من الشؤون النفسيّة والماليّة والاجتماعيّة والسياسيّة وغيرها، يكون للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الأولويّة على المؤمن في ولاية هذه الأمور.

وتأتي آية الطاعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ[131]، لتظهرَ وجوب الطاعة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولأولي الأمر عليهم السلام، وقد فصلت بين طاعة الله تعالى وبين طاعتهم، فطاعتهم إنّما تكون بالأمور المولويّة الصادرة عنهم في جوانب الحياة كافّة: اجتماعيّة، سياسيّة، قضائيّة… وليست الطاعة فيما يخصّ الأحكام الإلهيّة وبيانها، فهي ليست إلا طاعةً لله تبارك وتعالى، كما إنّ عدم الفصل بين النبيّ وبين أولي الأمر في فعل الأمر ﴿أَطِيعُواْ﴾ يدلّ على كون طاعتهما واحدة، لا اختلاف فيها.

وعليه، فإنّ ولاية الفقيه في عصر الغيبة الكبرى، هي عبارة عن نيابة الفقيه الجامع للشرائط للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف في قيادة الأمّة الإسلاميّة. وبتعبير آخر: “هي حاكميّة المجتهد

الجامع للشرائط في عصر الغيبة”. وهذه الحاكميّة مستمدّة من الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، وبالتالي فإنّ للفقيه الجامع للشرائط جميع ما للمعصوم فيما يتعلّق بقيادة الحكومة وإدارة شؤون المسلمين. وفي هذا الصدد يقول الإمام الخامنئي دام ظله

الولاية تعني الحاكميّة وقيادة المجتمع الإسلاميّ، ومن الطبيعيّ أنّها أمر مغاير للولاية والقيادة والحكومة في المجتمعات الأخرى. ولاية المجتمع في الإسلام مختصّة بالله تعالى، والله سبحانه تعالى، يُعمِلُ هذه الولاية والحاكميّة من قنوات خاصّة، أي عندما يُنتخب الحاكم الإسلاميّ ووليّ أمر المسلمين، سواءٌ على أساس تعيين الشخص، كما حدث، طبقاً لعقيدتنا، بالنسبة لأمير المؤمنين والأئمّة عليهم السلام، أو على أساس المعايير والضوابط، عندما تُعطى له هذه الصلاحيّة بأنْ يدير أمور الناس، فإنّ هذه الولاية أيضاً هي ولاية الله، هذا الحقّ هو حقّ الله، وهذه هي السلطة والحكم الإلهيّان اللذان يجريان في الناس. ذلك الإنسان – مهما كان ويكون – من دون الولاية الإلهيّة والسلطة الإلهيّة ليس له أيّ حقّ على الناس الآخرين. وهذه هي نفسها مسألة مهمّة جداً، وحاسمة في مصير المجتمع الإسلاميّ”[132].

وظائف الوليّ

بناءً على ما تقدّم في تعريف الولاية، ونظرة الإسلام لها، يثبت للحاكم والوليّ الإسلاميّ المهام والوظائف التي كانت للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأطهار عليهما السلام من خلفائه، فما الوليّ الفقيه في المنظور الإسلاميّ إلا خليفة الإمام المهديّ في عصر الغيبة، وينبغي عليه التصدّي لإقامة أهداف الحكومة الإسلاميّة، والتي هي عينها أهداف الإسلام والرسالة والبعثة، وهذه الأهداف بيّنها الله تعالى في كتابه المقدّس، وبيّنها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في سنّته الشريفة، ووضّحها الأئمّة الأطهار عليهم السلام في أحاديثهم وأفعالهم. وفيما يأتي نذكر أهمّ الوظائف وأبرزها:

1- حفظ الدين من البدع والشبهات، ونشر المعارف والثقافة الإسلاميّة، والعمل على توعية الناس فكريّاً، لمواجهة الثقافات الدخيلة وأنواع الحروب الناعمة، والتي باتت سلاحاً فتّاكاً يضاهي البارود والنار في عصرنا الحاليّ.

2- تهذيب الناس وتأديبهم بالأخلاق الصالحة، والعمل على تربيتهم من الناحية المسلكيّة. وإنّ لأخلاق الحاكم ومَن معه في جهاز الحكم والإدارة دوراً كبيراً في التأثير العمليّ والمسلكيّ.

عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، في خطابه لمعاذ بن جبل، لمَّا أرسله إلى اليمن: “يا معاذ، علِّمهم كتاب الله، وأحسِنْ أدبهم على الأخلاق الصالحة، وأنزل الناس منازلهم -خيرهم وشرّهم – وأنفذ فيهم أمر الله، ولا تحاش في أمره ولا ماله أحداً، فإنّها ليست بولايتك ولا مالك، وأدِّ إليهم الأمانة في كلّ قليل وكثير. وعليك بالرفق والعفو في غير ترك الحقّ. يقول الجاهل: قد تركت من حقّ الله، واعتذِر إلى أهل عملك من كلّ أمرٍ خشيت أن يقع منه عيب حتى يعذروك، وأمت أمر الجاهليّة إلا ما سنَّه الإسلام، وأظهر الإسلام كلَّه، صغيره وكبيره، وليكن أكثر همِّك الصلاة، فإنّها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين، وذكِّر الناس بالله واليوم الآخر، واتّبع الموعظة، فإنّه أقوى لهم على العمل بما يحبُّ الله، ثم بثّ فيهم المعلِّمين، واعبد الله الذي إليه ترجع، ولا تخفْ في الله لومة لائم”[133].

3- إقامة الحدود وتطبيق الأحكام الشرعيّة، وإحياء الشعائر المذهبيّة، من صلاة وصيام وحجّ وزكاة وأمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر، لِما في هذا الأمر من تأثير إيجابيّ واضح في المسلك العباديّ للناس. وهذه الأمور من وظائف الحاكم الأساس، لأنّها أمور تُعنى بالشأن الأخرويّ للناس، والحدّ من المعاصي والمنكرات…

﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[134].

4- حماية الإسلام والمسلمين، وذلك من خلال تحصين الثغور للدفاع عن الدولة الإسلاميّة، وجهاد الأعداء الذين يتربّصون بالإسلام والمسلمين سوءاً، والعمل على

إعداد العدّة وتأمين العدد والعتاد المناسبَين، وهذا الأمر لا يقتصر على الجانب العسكريّ فقط، بل يشمل المجالات كافّة التي يمكن أن يسلكها العدوّ للفتك بالإسلام والمسلمين.

﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾[135].

5- تحقيق الأمن والأمان، وتطبيق العدالة الاجتماعيّة، ففي ظلّ الإخلال بالنظام لن تتمكّن الأمّة الإسلاميّة من الوصول إلى النموّ المعنويّ والاقتصاديّ، كما إنّ إحقاق الحقّ ومنع التعدّي عبر تطبيق الحدود الجزائيّة في الإسلام هو من أهمّ العوامل التي تساهم في تحقيق الأمن وإيجاد الأمان.

عن أمير المؤمنين عليه السلام: “اللهمّ، إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنردَّ المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلوم من عبادك، وتُقام المعطّلة من حدودك”[136].

6- إعمار البلاد، وتحسين الأوضاع الحياتيّة للناس، عبر إيجاد فرص العمل، والسعي في زيادة الإنتاج وتحسينه وتطوير موارده، وإلى جانب ذلك الاهتمام بالعلوم والفنون العصريّة التي تحتاجها الأمّة الإسلاميّة والمجتمع الإسلاميّ.

7- جباية الفيء والصدقات والضرائب والأموال العامّة، ثمّ وضعها في مواردها الضروريّة، من خلال تطبيق النظام الماليّ الإسلاميّ، الذي يضمن سلامة المجتمع من الفقر والعوز، حيث إنّ الحاجة لها أثرها الفعّال في الكثير من الانحرافات.

عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر: “هذا ما أمر به عبدُ الله عليٌّ أميرُ المؤمنين مالكَ بن الحارث الأشتر في عهده إليه، حين ولاّه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدّوها، واستطلاع أهلها، وعمارة بلادها[137].

8- إقامة العهود والمواثيق مع الدول والشعوب الأخرى، وبناء علاقات حسنة في سبيل الحفاظ على استقلال الأمّة وعزّتها، وحمايتها من أنواع التسلّط والعلاقات مع أعداء الإسلام والمسلمين.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾[138].

وفي هذا يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: “علينا أن نفعل كما كان يفعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمفي صدر الإسلام، حيث كان يرسل السفراء إلى كلّ مكان ليقيم علاقات مع الدول، لذلك لا نستطيع أن نقعد ونقول: ما لنا والدول؟ هذا خلاف العقل والشرع. وعلينا أن نكوِّن علاقات وروابط مع الجميع، غاية الأمر أنّ هناك استثناءات لبعض الدول، ونحن لا نقيم معها علاقات الآن، أمّا أن لا تكون لنا علاقات مع الجميع، فهذا ما لا يقبله عقل ولا إنسان، إذ معنى هذا أن نفشل ونندحر ونفنى إلى الأبد. يجب علينا أن نوجد لنا روابط وعلاقات مع الدول والشعوب لنتمكّن من إرشادهم. بهذه الروابط نرشدهم، ونَحذَرَ صفعات مَنْ لا نتمكّن من إرشادهم. على هذا، أوصيكم بتقوية علاقاتكم وإِحكامها أينما كنتم”[139].

المفاهيم الرئيسة

1- إنّ مادّة الولاية في اللغة هي (و ل ي)، مأخوذة من فعل “وَلِيَ”، وهي تدلّ على معانيَ عدّةٍ، منها النصرة والتدبير والقيمومة والقدرة والسلطة.

2- ولاية الفقيه في عصر الغيبة الكبرى هي عبارة عن نيابة الفقيه الجامع للشرائط للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف في قيادة الأمّة الإسلاميّة. وبتعبير آخر: “هي حاكميّة المجتهد الجامع للشرائط في عصر الغيبة”.

3- يثبت للحاكم والوليّ الإسلاميّ المهام والوظائف التي كانت للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأطهار عليهم السلام من خلفائه، فما الوليّ الفقيه في المنظور الإسلاميّ إلا خليفة الإمام المهديّ في عصر الغيبة

4- الوظائف هي: حفظ الدين من البدع والشبهات، تهذيب الناس وتأديبهم بالأخلاق الصالحة، إقامة الحدود وتطبيق الأحكام الشرعيّة، حماية الإسلام والمسلمين، تحقيق الأمن والأمان، إقامة العهود والمواثيق مع الدول والشعوب الأخرى، جباية الفيء والصدقات والضرائب والأموال العامّة، وإعمار البلاد.

الدرس العاشر: أدلّة ولاية الفقيه (1)

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يحفظ رواية عمر بن حنظلة ومكاتبة إسحاق بن يعقوب.

2- يشرح كيفيّة الاستدلال بهما.

3- يتعرّف إلى كيفيّة معالجة السند فيهما.

المقدّمة

إنّ الأصل في موضوع الولاية، هو أنْ لا ولاية لفرد على فرد، إلا ما خرج بدليل شرعيّ معتبر. والدليل الشرعيّ المعتبر يقسم إلى قسمين: دليلٌ نقليّ، ودليلٌ عقليّ.

فالدليل النقليّ، هو الدليل الذي يُسْتقَى من الآيات القرآنيّة الكريمة والسنّة النبويّة الشريفة والروايات الواردة عن أهل العصمة عليهم السلام.

وأمّا الدليل العقليّ، فيُقصد به القضايا التي يدركها العقل، ويمكن أن يُستنبَط منها حكمٌ شرعي، بناءً على مقدّمات صحيحة ومعتبرة.

وفيما يعني ولاية الفقيه، أي ولايته في الأمر والنهي وإدارة شؤون المسلمين، فهي خاضعةٌ، إثباتاً أو نفياً، للدليل الشرعيّ المعتبر، وذلك من خلال طريقين:

الأوّل: التمسّك بروايات أهل العصمة الأطهار عليهم السلام.

الثاني: إقامة دليلٍ عقليّ على ذلك.

الأدلّة النقليّة

تُبحث في هذا الدرس أدلّةُ الولاية الروائيّة، وقد اختير فيه أهمّ الروايات الواردة في نصوص المعصومين عليهم السلام: الأولى: مقبولة عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق عليه السلام، والثانية: توقيع صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف لإسحاق بن يعقوب.

1- رواية عمر بن حنظلة:

محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داوود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة، قال: سألت

أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَيْن أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ قال: “من تحاكم إليهم، في حقّ أو باطل، فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإنْ كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يُكْفَر به. قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾? “. قلت: فكيف يصنعان؟ قال: “ينظران مَن كان منكم ممَّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً. فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه، فإنّما استخفّ بحكم الله، [140]وعلينا ردَّ، والرادُّ علينا الرادُّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله”[141].

أ- في دلالة الرواية:

يوضّح الإمام الصادق عليه السلام في هذه الرواية حكماً عامّاً، مفاده حرمة التحاكم إلى الطاغوت، بل إنَّ ما يأخذه بحكم الطاغوت هو سحت وحرام، سواء أمحقّاً كان في مدّعاه أم لم يكن كذلك، وهذا الحكم جاء في معرض الردّ على سؤال عمر بن حنظلة الذي لم يكن بخصوص الرُّجوع إلى القضاة، بل سأل عن جواز الرجوع إلى السلطان والقاضي في المنازعات، حيث قال: “فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة…”، فالسؤال إذاً لم يكن مخصوصاً بالقاضي، بل بالسلطان أيضاً، حيث إنّ بعض المنازعات، وخصوصاً التي قد تؤدّي إلى سفك الدماء، تقتضي تدخّل السلطان لحلّها.

وقد أجاب الإمام بهذا الحكم الكليّ والعامّ، وهو حرمة التحاكم إلى السلطان، مستشهداً بالآية الكريمة التي تأمر بالكفر بالطاغوت: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾، ولا شكّ أنّ السلطان الجائر، الغاصب لحقّ الرسول والآل عليهم السلام، هو من أبرز مصاديق الطاغوت الذي حذّرت الآية الكريمة من اللجوء إليه في الخلافات والمنازعات، فالحكم، في هذه الآية، يشمل حكم السلطان والوالي والقاضي، ولا دليل على حصره في القاضي.

هذا فيما يعني القسم الأوّل من الرواية، أمّا في القسم الثاني منها، فقد بيّن الإمام عليه السلام تكليف الأمّة في مثل هذه الخلافات، حيث ذهب الإمام إلى تنصيب الفقيه العارف بالحلال والحرام حاكماً: “إنّي قد جعلته عليكم حاكماً”، وهذا المنصب يشمل منصب القضاء، بالإضافة إلى الولاية والحاكميّة، فهذا التعبير لا يختصّ بالقضاء في المنازعات، بل يُفهم من كلام الإمام عليه السلام ولاية الفقيه في الأمور العامّة أيضاً. ويدلّ عليه، مضافاً إلى ما ذكُر، عدولُه عن حَكَم “إلى حاكم”، وهذا يفيد عدم اقتصار دائرة أحكام الفقيه على القضاء في المنازعات، بل هي شاملة للأمور العامّة.

ب- في سند الرواية:

هذا من الناحية الدلاليّة للرواية، أمّا من الناحية السنديّة، فجميع الرواة الواردة أسماؤهم موثّقون، ما خلا عمر بن حنظلة، حيث لا يوجد في كتب الرجال توثيق مباشر له. وقد عولجت هذه المسألة من جوانب متعدّدة:

أوّلاً: عمر بن حنظلة كثير الرواية، ومن المشاهير، وقد روى عنه كبار الأجلَّاء، مثل زرارة وهشام بن سالم وصفوان وعبد الله بن بكير وعبد الله بن مسكان. وكثرة الرِّواية ونقلُ كبار مشايخ الرِّواية عن شخص أمارة على وثاقته. وفي ما يخصُّ صفوانَ بن يحيى، الذي هو من أصحاب الإجماع، فعن الشيخ الطوسيّ في كتابه عدّة الأصول” أنّه لا يروي إِلا عن ثقة.

ثانياً: ممّا يساعد على قَبول الخبر، ما ورد في كتاب الكافي للشيخ الكلينيّ قدس سره، رواية عن الإمام الصادق عليه السلام في مدحه: عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن يزيد بن خليفة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت. فقال أبو عبد الله عليه السلام: “إذاً، لا يكذب علينا”[142].

كما أنّه يمكن أن يُجعل كثرة روايته عن الأئمّة عليهم السلام نحو شاهد على وثاقته، كما قيل.

وخلاصة الكلام في سند هذه الرواية أنّ العلماء تلقَّوا هذه الرواية بالقَبول، وعملوا بها، فلذا سُمّيت مقبولة عمر بن حنظلة.

2- مكاتبة إسحاق بن يعقوب:

عن محمَّد بن محمَّد بن عصام، عن محمَّد بن يعقوب (الشيخ الكلينيّ)، عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمريّ أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان: “أمّا ما سألت عنه، أرشدك الله وثبّتك،… وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجَّتي عليكم، وأنا حجَّة الله عليهم”[143].

تُعتبر هذه الرواية من أكثر الروايات دلالةً على الولاية العامّة للفقيه، وخاصّة في التعليل المذيّلة به: “فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله”.

هذا مضافاً إلى تعبير الإمام بـ  “أمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا”، فهاتان الفقرتان تدلّان على الولاية العامّة.

أ- في دلالة الرواية:

أمر الإمام عليه السلام في “الحوادث الواقعة” بالرجوع إلى رواة الحديث، فهم المرجع في تعيين الوظيفة وتحديد التكليف، ومن الواضح أنّ المراد من تعبير “رواة حديثنا” ليس فقط مجرّد نقل الرواية، بل نقلها مع التفقّه والعلم. وأيضاً يظهر من الرواية بأنّ السؤال لم يكن عن معرفة الحكم الشرعيّ للحوادث الواقعة، لأنّ رجوع المكلّفين إلى الفقهاء لاستبيان الحكم في عصر الغيبة هو أمر معلوم لدى الجميع، فالذي يُفهم من السؤال هو آليّة معرفة وظيفة الشخص أو الأمّة، وتكليفهما تجاه الحوادث الواقعة، وهذا يدلّ على أنّ دور الفقهاء ليس محصوراً في الفُتيا فقط، بل أيضاً في تعيين التكليف للأمّة وأفرادها في الحوادث والقضايا، وفي ذلك يقول الإمام الخمينيّ قدس سره:

المقصود بــ “الحوادث الواقعة” هو الحوادث الاجتماعيَّة المستجدَّة، والمشاكل الّتي تواجه المسلمين. لقد كان سؤاله بشكل عامّ، وبنحو مموّه: نحن الآن لا نستطيع الوصول إليك، فماذا يجب أن نفعل تجاه المستجدّات الاجتماعيَّة؟ وما هو التَّكليف؟ أو أنّه ذكر

بعض الحوادث، وسأل: لمن نرجع في هذه الحوادث؟ والذي يبدو أنّه قد سأل بنحو عامّ، والإمام أجابه وفاقاً للسؤال، أنّه في الحوادث والمشاكل ارجعوا إلى رواة أحاديثنا، أي الفقهاء”[144].

وفي الفقرة الثانية من كلام الإمام عليه السلام “فإنّهم حجَّتي عليكم، وأنا حجَّة الله“، يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: وكيف كان، لا إشكال في أنّه يظهر منه أنّ بعض الحوادث التي لا تكون من قبيل بيان الأحكام، يكون المرجع فيها الفقهاء. وأخرى‏ من ناحية التعليل: بأنّهم “حجّتي عليكم، وأنا حجّة اللَّه”. وتقريبها: بأنّ كون المعصوم حجّة اللَّه، ليس معناه أنّه مبيّن الأحكام فقط، فإنّ زرارة ومحمّد بن مسلم وأشباههما أيضاً أقوالهم حجّة، وليس لأحد ردّهم وترك العمل برواياتهم، وهذا واضح. بل المراد بكونه وكون آبائه الطاهرين عليهم السلام حجج اللَّه على العباد، أنّ اللَّه تعالى‏ يحتجّ بوجودهم وسيرتهم وأعمالهم وأقوالهم، على العباد في جميع شؤونهم، ومنها العدل في جميع شؤون الحكومة. فأمير المؤمنين عليه السلام حجّة على الأمراء وخلفاء الجور، وقطع اللَّه تعالى‏ بسيرته عذرَهم في التعدّي عن الحدود، والتجاوز والتفريط في بيت مال المسلمين، والتخلّف عن الأحكام، فهو حجّة على العباد في جميع شؤونه. وكذا سائر الحجج، ولا سيّما وليّ الأمر الذي يبسط العدل في العباد، ويملأ الأرض قسطاً وعدلًا، ويحكم فيهم بحكومة عادلة إلهيّة. وأنّهم حجج اللَّه على العباد أيضاً، بمعنى‏ أنّه لو رجعوا إلى‏ غيرهم في الأمور الشرعيّة والأحكام الإلهيّة – من تدبير أمور المسلمين، وتمشية سياستهم، وما يتعلّق بالحكومة الإسلاميّة – لا عذر لهم في ذلك مع وجودهم. نعم، لو غلبت سلاطين الجور، وسلبت القدرة عنهم عليهم السلام، لكان عذراً عقليّا”[145].

ب- في سند الرواية:

الحديث الّذي ذكرناه ينطوي على مشكلة واحدة فقط من حيث السند، وهي وجود

إسحاق بن يعقوب في سلسلته، إذ لم يرد له توثيق خاصّ في كتب الرجال. ولكن عولِج هذا الأمر بأساليب عدّة، ومنها ما يذكره آية الله السيّد كاظم الحائريّ في كتابه “ولاية الأمر في عصر الغيبة”.

يقول السيد كاظم الحائريّ في سند المكاتبة:

“سند الحديث إلى الكلينيّ يشبه أن يكون قطعيّاً، لأنّ الشيخ (أي الشيخ الطوسيّ) يرويه عن جماعة فيهم المفيد، عن جماعة فيهم محمد بن قولويه وأبو غالب الزراري، عن الكلينيّ، ورواه أيضاً الصدوق عن محمد بن عصام عن الكلينيّ”.

أمّا في مشكلة صاحب المكاتبة إسحاق بن يعقوب، فيقول:

“إنّ فرض الكذب في أصل التوقيع، هو ممّا لا يخفى على مثل الكلينيّ الدقيق في ضبط الأحاديث، المعاصر للتوقيعات، ولا أقلّ من أنّه كان يرتاب في صحّة هذا النقل إلى حدّ يردعه عن أن يرويه…

رجوع التوقيع إلى عصر الكلينيّ مقطوع به… واحتمال تسرّب توقيعٍ كاذبٍ إلى مثل الكلينيّ في عصر الغيبة الصغرى وفي عصر التوقيعات، ونقل الكلينيّ له بعيد جداً، فليس حديث كاذب منقول عن إمام حاضر في الحالات الاعتياديّة وانطلاؤه على بعض الشيعة بعيداً، لكن انطلاء توقيع كاذب عن الإمام الغائب في ظرف تتلهّف الشيعة لرؤية توقيع إمامهم، وتهتمّ بطبيعة الحال بفهم صدق التوقيع وكذبه، وعدم انكشاف أمره على مثل الكلينيّ بعيد، وافتراض أنّ الناقل يدّعي أنّ التوقيع ورد عليه بخطّ الإمام صاحب الزمان، ومع ذلك لا يطالبه الكلينيّ بإراءته الخطّ مع افتراض عدم وضوح صدق الراوي لدى الكلينيّ بعيد جداً”[146].

المفاهيم الرئيسة

1- إنّ أهمّ الروايات الدالة على ولاية الفقيه في روايات أهل العصمة عليهم السلام: مقبولة عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق عليه السلام، وتوقيع صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف لإسحاق بن يعقوب.

2- أجاب الإمام الصادق في القسم الأوّل من مقبولة عمر بن حنظلة بحكم كليّ عامّ، وهو حرمة التحاكم إلى السلطان.

3- بيّن الإمام عليه السلام في القسم الثاني منها تكليف الأمّة في مثل هذه الخلافات، حيث نصّب الفقيه العارف بالحلال والحرام حاكماً، وهذا التعبير لا يختصّ بالقضاء في المنازعات، بل يشمل ولاية الفقيه في الأمور العامّة أيضاً.

4- تلقّى العلماء رواية عمر بن حنظلة بالقَبول، وعملوا بها، فلذا سُمّيت مقبولة عمر بن حنظلة.

5- أمر الإمام عليه السلام في مكاتبة إسحاق بن يعقوب بالرجوع إلى فقهاء الأمّة، فهم المرجع في تعيين الوظيفة وتحديد التكليف، بوصفهم منصَّبين من جانب الإمام حجَّةً على الناس في شؤونهم كافّة.

الدرس الحادي عشر: أدلة ولاية الفقيه (2)

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يعرف الفرق بين الدليل العقليّ المحض والدليل العقليّ المركّب.

2- يشرح الدليل العقليّ المحض على ولاية الفقيه.

3- يبيّن الدليل العقليّ المركّب على ولاية الفقيه.

المقدّمة

بعد أن عرضنا في الدرس السابق أهمّ الأدلّة النقليّة على الولاية العامّة للفقيه الجامع للشرائط، نعرض في هذا الدرس الدليل العقليّ عليها، وهو الدليل الذي استند إليه الإمام الخمينيّ قدس سره في إثبات الولاية

والدليل العقليّ يستند إلى مقدّمات عقليّة يقينيّة، يُستفادُ منها في إثبات الأصل، أي أنّ الدليل العقليّ على الولاية، إنّما يُثبت أصل هذه الولاية للفقيه الجامع للشرائط، ولا دخالة له في الجزئيّات، كاختيار الفقيه الجامع للشرائط، فهذا أمرٌ جزئيّ لا يتعيّن بالدليل العقليّ.

والدليل العقليّ نوعان:

1- دليل عقليٌ محض، وهو الدليل الذي يتكوّن من مقدّمات عقليّة فقط، دون وجود نوعٍ آخر من المقدّمات.

2- دليل عقليٌّ مركّب، وهو الدليل الذي يتكوّن من مقدّمات عقليّة وأخرى شرعيّة، آية أو رواية أو حكم شرعيّ

الدليل العقليّ المحض

إنّ هذا البرهان يقوم على ضرورة إرساء النظام في المجتمع، وضرورة نصب الحاكم العادل لإدارة الحكومة. وسنحاول الاستفادة من هذا البرهان في لزوم القانون الشرعيّ وضرورة نصب الفقيه العادل الذي يقوم بتنفيذه. وفيما يأتي نعرض مقدّمات هذا الدليل لنخلص إلى النتيجة.

المقدّمة الأولى: ضرورة وجود نظام للحياة البشريّة:

إنّ الإنسان كائنٌ اجتماعيّ بالفطرة، ومعنى كونه كائناً اجتماعيّاً حاجتُه إلى العلاقات الاجتماعيّة مع الآخرين، والتي قد تُنتِج بطبيعتها تنازعاً واختلافاً، فلا بدّ للحفاظ على مصالح المجتمع والفرد من وجود قانون يضمن النظام والانضباط، ويؤمّن الكمال والسعادة الفرديّة والاجتماعيّة، وهذا الأمر من القواعد العُقلائيّة الثابتة التي لا تتغيّر.

المقدّمة الثانية: حاجة القانون والنظام إلى قيّم ومنفّذ جدير:

إذا كان الهدف من القانون هو ضمان مصلحة الفرد والمجتمع، والوصول بهما إلى الكمال والسعادة، فلا شكّ أنّ هذا الهدف المذكور لن نستطيع الوصول إليه في حالة فقدان القائد والحاكم العالِم والعامِل بالقانون والنظام، فالقانون بنفسه لا يمتلك ضمانة التنفيذ، ومجرّد وجود القانون لا يحلّ المشكلة ولا يحقّق الغرض، فهو بحاجة إلى قيّم يضمن التنفيذ والتطبيق، ويقيم العدل. وهذا الأمر لا شكّ فيه عُقلائيّاً، وتؤيّده مجموعة من الروايات الواردة عن أهل العصمة عليهم السلام، ففي جواب أمير المؤمنين عليه السلام للخوراج عندما قالوا: “لا حكم إلا لله”، قال عليه السلام: “كلمة حقّ يُراد بها باطل! نعم، إنّه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله، وإنّه لا بدّ للناس من أمير…”[147].

المقدّمة الثالثة: صفات الحاكم والمنفّذ:

لا بدّ لمن يتولّى إدارة القانون وتنفيذه من الاتّصاف بصفات معيّنة تؤهّله لتأدية هذه المهمة والمسؤوليّة بشكل يضمن الوصول إلى الهدف المنشود والمبتغى من هذا القانون. وأهمّ هذه الصفات:

1- العلم التامّ والكامل بالقانون، حيث إنّ العلم به مقدّمة لتطبيقه.

2- الحصانة الخُلُقيّة، فإنّ القيّم على القانون هو مستأمَن عليه وعلى أفراد المجتمع، فما لم يكن القيّم على جانب كبير من الورع والتقوى والعدالة، فلا ضمانة للوصول إلى الغاية المنشودة.

3- اللياقة وحسن الإدارة، فالقيّم ينبغي أن يكون كفؤاً لهذه المهمّة، كي تُؤدّى على أكمل وجه، فقيادة المجتمع تحتاج إلى كفاءة إداريّة واجتماعيّة وسياسيّة وغيرها، ممّا له دخالة في الوصول إلى الغاية والهدف بشكل سليم وآمِن.

ويشير الإمام الخامنئي القائد دام ظله إلى أبرز صفات الولي في قوله: ذلك الشخص الذي يتولّى هذه الولاية من قِبل الله تعالى، فعليه أن يُحقّق ويُظهِر نموذجاً وشعاعاً وظلّاً من تلك الولاية الإلهيّة، أو فلنقلْ: لتكنْ فيه.

خصائص الولاية الإلهيّة هي السلطة والحكمة والعدالة والرحمة وأمثالها، فالشخص الذي يتولّى إدارة أمور الناس، عليه أن يكون مظهراً للسلطة والعدالة والرحمة والحكمة الإلهيّة. هذه الخصّيصة هي الفارق بين المجتمع الإسلاميّ وبين سائر المجتمعات الأخرى، التي تُدار بأشكالٍ أخرى. ليس للجهالة والشهوات النفسانيّة والأهواء والميول والسلائق الشخصيّة المستندة إلى مصلحة شخص أو جماعة ومنفعتهما، الحقّ في أن تجعل حياة الناس وسير أمورهم تحت سلطتها، لذا ينبغي للعدالة والعلم والدين والرحمة أن تكون الحاكمة في المجتمع والنظام الإسلاميّ، لا ينبغي للأنانيّة أن تكون حاكمة، ولا ينبغي للرغبات والأهواء – من أيّ شخص، وفي قول وعمل أيّ شخص وشخصيّة – أن تحكم”[148].

نتيجة مقدّمات الدليل العقليّ

إنّ الله هو خالق هذا الكون، وهو ذارئ الوجود، وعندما نتكلّم عن القانون، لا شكّ ولا ريب في أنّ الموجِد والمبدِع هو العالِم بما خلق وأبدع وذرأ، ونحن نعتقد بأنّ الله تبارك وتعالى قد أرسل هذا القانون مع أنبيائه ورسله، وكان الختام مع الديانة الإسلاميّة على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالقانون والدستور هو الإسلام وأحكامه وقوانينه، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ[149]. وعليه، فإنّ الكلام هو على الحكم الإسلاميّ والحكومة الإسلاميّة والقانون الإسلاميّ.

وإذا أردنا أن نطبّق المقدّمات العقليّة الثلاث التي سلفت، نخلص إلى النتيجة الآتية:

1- بما أنّ القانون هو الدين الإسلاميّ، فلا بدّ للقيّم على تطبيقه أن يكون عالماً

بأحكام الإسلام، قادراً على تشخيص الوقائع ومعرفة أحكامها الشرعيّة، وبتعبير آخر: إنّ العالم بأحكام الشريعة الإسلاميّة في عصر الغيبة الكبرى هو الفقيه المجتهد الجامع للشرائط.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ما ولّت أمَّة قطّ أمرَها رجلاً، وفيهم أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا”[150].

2- وفي حديث للإمام علي عليه السلام في مقام بيان صفات الإمام، قال:

“والإمام المستحقّ للإمامة له علامات، فمنها أن يعلم أنّه معصوم من الذنوب كلّها، صغيرها وكبيرها، لا يزلّ في الفتيا، ولا يخطئ في الجواب…، والثاني: أن يكون أعلم الناس بحلال الله وحرامه، وضروب أحكامه وأمره ونهيه…، والثالث: يجب أن يكون أشجع الناس…، والرابع: يجب أن يكون أسخى الناس، وإن بخل أهل الأرض كلّهم… الخامس: العصمة من جميع الذنوب”[151].

القيّم هو الفقيه المجتهد، ومن شروطه أن يتحلّى بالعدالة، والتي عبّرنا عنها في المقدّمات بالحصانة الخُلقيّة، والعدالة هي ملكة راسخة في النفس، باعثة على ملازمة التقوى، من فعل الواجبات وترك المحرّمات، ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾[152].

وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: “قال الله تعالى: لأعذِّبن كلَّ رعيَّة في الإسلام دانت بولاية كلّ إمام جائر ليس من الله، وإن كانت الرعيّة في أعمالها تقيّة…”[153].

وقد بيَّن الإمام الحسين عليه السلام في الكتاب الذي أرسله مع مسلم بن عقيل إلى الكوفة صفات الحاكم، فقال: “فلعمري، ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحقّ، الحابس نفسه على ذات الله”[154].

لا يكفي للوليّ في إدارة المجتمع أن يكون فقيهاً مجتهداً ورعاً ومحتاطاً في دين الله، بل يجب أن يُضمّ إلى هاتين الصفتين المهمّتين، صفةً أساس، ولها أثرها البالغ في عمليّة القيادة. فالفقيه، وإن كان عالِماً مجتهداً ورعاً وتقيّاً، ولكن إنْ لم يكن يملك إلى جانب ذلك اللياقةَ والكفاءة التي تؤهّله لقيادة المجتمع الإسلاميّ، فلا شكّ أنّه لن يستطيع تحقيق الأهداف التي ينشدها الإسلام في المجتمع.

ويقول الإمام علي عليه السلام لبيان إحجامه عن بيعة أبي بكر: “أنا أولى برسول الله حيّاً وميّتاً، وأنا وصيّه ووزيره ومستودع سرّه وعلمه، وأنا الصدّيق الأكبر والفاروق الأعظم، أوّل من آمن به وصدّقه، وأحسنكم بلاءً في جهاد المشركين، وأعرفكم بالكتاب والسنة وأفقهكم في الدين، وأعلمكم بعواقب الأمور، وأذربكم لساناً”[155].

وعن الإمام الباقر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا تصلح الإمامة إلا لرجلٍ فيه ثلاث خصال: ورعٌ يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الولاية على من يلي، حتى يكون لهم كالوالد الرحيم”[156].

الدليل العقليّ المركَّب

تقدّم أنّ الدليل العقليّ المركَّب هو ما ابتُني على مقدّمات عقليّة بالاستفادة من بعض الأدلّة الشرعية. ويمكن إقامة الدليل على ولاية الفقيه من خلال هذا الطريق، عبر المقدّمات الآتية:

1- إنّ لنا حوائج اجتماعيّة تكون من وظائف سائس الاجتماع وقائده.

2- إنّ الديانة الإسلاميّة المقدّسة أيضاً لم تهمل هذه الأمور، بل اهتمّت بها أشدّ الاهتمام، وشرّعت بلحاظها أحكاماً كثيرة، وفوّضت إجراءها إلى سائس المسلمين.

3- إنّ سائس المسلمين في الصدر الأوّل لم يكن إلّا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسه ثمّ الخلفاء بعده.

إذا عرفت هذه المقدّمات، فنقول: إنّه لمّا كانت هذه الأمور والحوائج الاجتماعيّة ممّا يُبتلى بها الجميع مدّة عمرهم غالباً، ولم يكن الشيعة في عصر الأئمّة متمكّنين من الرجوع إليهم

في الحالات كلّها، كما يَشهد بذلك، مضافاً إلى تفرّقهم في البلدان، عدمُ كون الأئمّة مبسوطي اليد بحيث يُرجَع إليهم في كلّ وقت لأيّ حاجة اتفقت، فلا محالة يحصل لنا القطع بأنّ أمثال زرارة ومحمّد بن مسلم وغيرهما من خواصّ الأئمّة سألوهم عمّن يُرجَع إليه في مثل تلك الأمور إذا لم يتمكّنوا منهم عليهم السلام، ونقطع أيضاً بأنّ الأئمّة عليهم السلام لم يُهملوا هذه الأمور العامّة البلوى التي لا يرضى الشارع بإهمالها، بل نصّبوا لها من يرجع إليه شيعتُهم إذا لم يتمكّنوا منهم عليهم السلام، ولا سيّما مع علمهم عليهم السلام بعدم تمكّن أغلب الشيعة من الرجوع إليهم، بل عدم تمكّن الجميع في عصر غيبتهم التي كانوا يخبرون عنها غالباً، ويهيّئون شيعتهم لها. وهل لأحد أن يحتمل أنّهم عليهم السلام نهوا شيعتهم عن الرجوع إلى الطواغيت وقضاة الجور، ومع ذلك أهملوا لهم هذه الأمور ولم يعيّنوا من يرجع إليه الشيعة في فصل الخصومات والتصرّف في أموال الغُيَّب والقُصَّر والدفاع عن حوزة الإسلام، ونحو ذلك من الأمور المهمّة التي لا يرضى الشارع بإهمالها؟… وإذا ثبت بهذا البيان النصب من قبلهم عليهم السلام، وأنّهم لم يهملوا هذه الأمور المهمّة التي لا يرضى الشارع بإهمالها – ولاسيّما مع إحاطتهم بحوائج شيعتهم في عصر الغيبة – فلا محالة يتعيّن الفقيه لذلك، إذا لم يقل أحدٌ بنصب غيره”[157].

ويقول الامام الراحل روح الله الموسويّ الخمينيّ قدس سره في سياق الاستدلال على ولاية الفقيه وضرورة إقامة الحكومة الاسلامية: “وجود القانون المدوَّن لا يكفي لإصلاح المجتمع. فلكي يصبح القانون أساساً لإصلاح البشريّة وإسعادها، فإنّه يحتاج إلى سلطة تنفيذية، ولذا أقرّ الله تعالى الحكومة والسلطة التنفيذيّة والإداريّة إلى جانب إرسال القانون، أي أحكام الشرع. وكان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على رأس التشكيلات التنفيذيّة والإداريّة للمجتمع الإسلاميّ، واهتمّ صلى الله عليه وآله وسلم، بالإضافة إلى إبلاغ الوحي وبيانه وتفسير العقائد والأحكام والأنظمة الإسلاميّة، بإجراء الأحكام وإقامة نُظُم الإسلام، إلى أن وُجدت الدولة الإسلاميّة.

وكانت وظيفة تنفيذ الأحكام وإقامة نُظُم الإسلام هي التي جعلت تعيين الخليفة مهمّاً

إلى درجة لولاه لما كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد بلّغ رسالته، ولما كان أكملها، إذ إنّ المسلمين بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يحتاجون إلى من يطبّق القوانين، ويقيم النظم الإسلاميّة في المجتمع لتأمين سعادة الدنيا والآخرة”[158].

صياغة أخرى للدليل العقليّ

إنّ حياة الإنسان الاجتماعيَّة وكماله الفرديّ والمعنويّ تتطلّب، من جانبٍ، قانوناً إلهيّاً في الأبعاد الفرديَّة والاجتماعيَّة، مصوناً ومحفوظاً من الضُّعف والنَّقص والخطأ والنسيان، وتحتاج، من جانب آخر، إلى حكومة دينيَّة وحاكم عالم وعادل لتحقُّق وإجراء ذلك القانون الكامل. والحياة الإنسانيَّة لا تتحقَّق، في بعدها الفرديّ والاجتماعيّ، بدونهما أو بأحدهما، وفقدانهما في البعد الاجتماعيّ يوجب الهرج والمرج وفساد المجتمع الّذي لا يقرّه أيّ شخص عاقل. وهذا البرهان الّذي هو دليل عقليّ، ولا يختصُّ بأرض وزمن معيَّنين، يشمل زمان الأنبياء عليهم السلام. ولما كانت نتيجته ضرورة النبوّة، فإنَّه يشمل، أيضاً، ما بعد نبوّة الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، ما يعني أنَّه يفضي إلى ضرورة الإمامة، وكذلك إلى عصر غيبة الإمام المعصوم، وحاصله ضرورة ولاية الفقيه.

وإنَّ صلاحيَّة الدَّين الإسلاميّ وديمومته إلى يوم القيامة من المسلّمات والواضحات… وتعطيل الإسلام، في عصر الغيبة، مخالف لخلود الإسلام بالشؤون العقديَّة والأخلاقيَّة والعمليَّة جميعها. وإقامة النِّظام الإسلاميّ وإجراء أحكامه وحدوده والدفاع عن كيان الدِّين وحفظه من الطامعين، أمورٌ لا يُشكّ في ضرورتها. والحكيم، تعالى، لا يرضى قطُّ بهتك الحرمات الشَّرعيَّة وأعراض الناس وضلالهم وتعطيل الإسلام. ودراسة الأحكام السِّياسيَّة والاجتماعيَّة للإسلام تفيد استحالة تحقّقها من دون زعامة الفقيه الجامع للشرائط. فالعقل يحكم، على هذا الأساس، أنّ الله تبارك وتعالى لم يترك الإسلام والمسلمين في عصر الغيبة من دون زعامة.

المفاهيم الرئيسة

1- يقوم الدليل العقليّ المحض على ضرورة إرساء النظام في المجتمع، وضرورة نصب الحاكم العادل لإدارة الحكومة.

2- في تطبيق مقدّمات الدليل العقليّ المحض للاستدلال به على الولاية، نخلص إلى النتائج الآتية:

– القانون هو الدين الإسلاميّ، وعليه فإنّ القيّم هو العالم بأحكام الشريعة الإسلاميّة.

– من شروط هذا القيّم أن يتحلّى بالعدالة.

– يجب أن يُضمّ إلى الاجتهاد والعدالة، اللياقة والكفاءة التي تؤهّله لقيادة المجتمع الإسلاميّ.

3- مقدّمات الدليل العقليّ المركّب:

– يتصدّى الحاكم لتلبية الحاجات الّتي يتوقَّف عليها حفظ نظام المجتمع.

– شرّع الإسلام الأحكام اللازمة لهذه الحاجات، وطالب الحاكم بإجرائها.

– من وظائف الرسول والأئمّة الأطهار عليهم السلام، سياسة شؤون المجتمع وإدارتها.

– القضايا السياسيَّة وإدارة شؤون المجتمع لا تقتصر على ذلك الزمان.

4- بناءً على الدليل العقليّ المركّب نخلص إلى أحد احتمالين:

– إنّ الأئمّة عليهم السلام لم ينصِّبوا أحداً، وإنّما نهَوا عن الرجوع إلى الطاغوت فقط.

– إنّهم نصّبوا الفقيه العادل لهذه المسؤوليَّة.

ويتّضح من المقدّمات الأربع السابقة بطلان الاحتمال الأوّل. وعليه، قطعاً، تمّ نصب الفقيه العادل.

الدرس الثاني عشر: صفات الوليّ وشروطُه

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يعرف صفات الوليّ.

2- يفهم صفات الولي من خلال أدلّتها.

3- يحفظ بعض الآيات والروايات الدالّة عليها.

المقدّمة

لا ريب في أنّ صاحب الزمان وصاحب الولاية هو الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت عليهم السلام، وهو الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ولا شكّ في أنّ الولاية له من الله تعالى بعد آبائه الأطهار عليهم السلام، ولكن نتيجة الانحرافات الكبرى التي أصابت الأمّة الإسلاميّة، ولعدم وجود الناصر والمعين، كانت الغيبة الصغرى، ثمّ الغيبة الكبرى التي لا يُعلمُ أمدها ومتى يكون الفرج منها، لذا كان لا بدّ من نائبٍ للإمام يدير شؤون الأمّة الإسلاميّة في غيبته، فلا يُعقل أنْ تُترك الأحكام الشرعيّة مدّة طويلة من الزمن دون تطبيق وإشراف ورعاية. وعليه، كان لا بدّ من البحث عمّن يليق بهذا المكان وهذه المسؤوليّة العظمى، ولا يمكن تعيين النائب دون الرجوع إلى أهل العصمة في تحديد المواصفات والمزايا التي تؤهّله للقيادة، فكان لا بدّ من النظر في الأدلّة سعياً في استكشاف المواصفات والشروط المطلوبة لمقام الوالي والحاكم.

إنّ الحكومة الإسلاميّة هي حكومة القانون الإلهيّ لبسط العدالة بين الناس، وهذا يعني أّن الحاكم والوالي يجب أن يكون عالماً بالقانون الإسلاميّ ليكون قادراً على تنفيذه وتطبيقه، ويجب أن يكون كفؤاً لهذه القيادة والإدارة، كما يجب أن يتمتّع بحصانة أخلاقيّة تمنعه من الوقوع في هوى النفس وأشراكها.

وفيما يأتي نستعرض هذه الصفات مع أدلّتها من الروايات.

الفقاهة

أن يكون مجتهداً، أي قادراً على استنباط الأحكام الشرعيّة من مصادرها الأصليّة، وعارفاً بأمور زمانه، وإذا دار الأمر بين العالم والأعلم، فيقدّم الأعلم، إلا إذا تعارض مع شرط آخر.

وقد دلّت على ذلك روايات كثيرة، نذكر منها:

– موثّقة السكونيّ، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله، وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم”[159].

وصفت هذه الرواية الفقهاء بـ “أمناء الرسل”، وبما أنّها لم تخصّص الكلام برسول محدّد، فهي شاملة لجيمع الرسل بمن فيهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. كما أنّ الرواية لم تقيّد الأمانة أو تحدّدها بمورد خاصّ، وهذا يعني شمولها جميعَ الشؤون المتعلّقة بالرسالة، وأوضح هذه الشؤون هو بسط العدالة الاجتماعيّة من خلال تطبيق أحكام الشريعة، وهذا يحتاج إلى حكومة تنفيذيّة، وبالتالي إلى حاكم يديرها، فأمين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمين في جميع شؤونه، وليس شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر الأحكام فقط حتى يكون الفقيه أميناً فيه فقط، بل من شؤونه أيضاً إجراء الأحكام. ومقتضى الأمانة فيها أن يجريها الفقيه على ما هي عليها في الشرع الإسلاميّ، وكيف يكون الفقهاء أمناءً للرسل لو أضاعوا الأهداف المنشودة من إجراء الأحكام وإقامة العدل بين الناس وهدايتهم إلى الحقّ؟

– التوقيع المبارك المنسوب إلى صاحب الأمر (روحي فداه) الذي نقله الشيخ الصدوق، عن الشيخ الكلينيّ، عن محمد بن عصام الكلينيّ، عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ‏َ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف: “أمّا ما سألت عنه، أرشدك الله وثبتك،… إلى أن قال: وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله”[160].

وقد مرّ الاستدلال بهذا التوقيع على أصل الولاية للفقيه، من أنّ الحوادث هي شاملة الشؤون كافّة، الاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة وغيرها، والإمام أمَر بالرجوع

إلى رواة الحديث. كما خُتِم التوقيع بتعليل: “فإنّهم حجتي عليكم، وأنا حجّة الله“، فكون المعصوم حجّة الله يعني أنّ الله أمر العباد بمتابعته في شؤونهم كافّة، وقوله: “هم حجّتي عليكم، وأنا حجّة اللّه” يعني أنّ المعنى الثابت لكونه حجّة الله على العباد قد أثبته لرواة الحديث أيضاً، فالفقهاء ولاة، لأنّ هذا المعنى من مصاديق الحجّية هنا

– وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ما ولّت أمّة قطّ أمرها رجلاً، وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا”[161].

الحصانة الأخلاقيّة

أي الورع والعدالة والتقوى، ليكون أميناً على الأمر، بعيداً عن الأهواء والمطامع الدنيويّة، لأنّ المسؤوليّة كبرى، وهي مزلّة الأقدام، ومظنّة السقوط في شباك الهوى وزينة الدنيا. وقد اشترطوا العدالة في مَن يُستأمَن على أبسط الأموال، فكيف بمن يُستأمن على الأموال والأنفس والأعراض ونظام الملّة وزمام الدين. وقد دلّت على هذا المعنى آيات من القرآن الكريم، وروايات من السنّة الشريفة:

من الآيات:

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا[162].

فقد دلّت هذه الآية على أنّه لا تجوز طاعة من يتّبع هواه.

ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[163].

حيث دلّت هذه الآية المباركة على أنه لا يجوز لنا أن نتولّى من يتّخذ ديننا لهواً ولعباً.

والآية، وإن تحدثت عن الذين أوتوا الكتاب، لكن عدم جواز اتّخاذهم أولياء استند إلى كونهم من الذين اتّخذوا ديننا هزواً ولعباً، فلا يجوز لنا تولّي مَن هذه صفته.

انتسب إلى الإسلام أو الشيعة، ولا تسليم النفس له ليفعل بها ما يشاء، كما يفعل بعض الضالة الجهلة.

أمّا من الروايات:

عن أمير المؤمنين عليه السلام: “ولكنّني آسى أن يلي أمرَ هذه الأمّة سفهاؤها وفجّارها، فيتّخذوا مال الله دولاً، وعباده حولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً”[164].

شرط الكفاءة

الكفاءة الإداريّة أو القدرة على الأمر، وهذا يتطلّب خبرة إدارية عالية، ووعياً سياسيّاً واسعاً، وضبطاً ودقة، ويتطلّب أيضاً شجاعة وثباتاً، وكلّ ذلك من البداهة بمكان، بحيث لا يحتاج إلى إقامة الدليل عليه، ومع ذلك فقد وردت عدّة نصوص تدلّ على اعتبار الكفاءة، منها: عن أمير المؤمنين عليه السلام: “أيّها الناس، إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه…”[165]. والكفاءة من أبرز مصاديق القوّة.

شروط أخرى

عن أمير المؤمنين عليه السلام: “ولا تدخلنّ في مشورتك بخيلاً، يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزيّن لك الشره بالجور، فإنّ البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظن بالله”[166].

وأيضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام: “لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلّهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتّخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطّل للسنّة فيهلك الأمّة[167].

كما يرى الإمام الخمينيّ قدس سره أنّ الحاكم في الإسلام ينبغي أن يتمتّع بشرطين أساسين، فضلاً عن الشروط الأخرى:

“الشروط التي من الضروريّ توفرها في الحاكم نابعة مباشرة من طبيعة الحكومة الإسلاميّة، فإنّه – بصرف النظر عن الشروط العامّة كالعقل وحسن التدبير – هناك شرطان مهمّان، هما: العلم بالقانون، والعدالة”[168].

المفاهيم الرئيسة

1- إنّ الحكومة الإسلاميّة هي حكومة القانون الإلهيّ لبسط العدالة بين الناس، لذا يجب أن تتوفّر في الحاكم صفات تؤهّله لهذه المهمّة.

2- صفات الحاكم الأساس:

– أن يكون مجتهداً، أي قادراً على استنباط الأحكام الشرعيّة من مصادرها الأصليّة، وعارفاً بأمور زمانه.

– أن يكون عدْلاً ورعاً، ليكون أميناً على الأمر، بعيداً عن الأهواء والمطامع الدنيويّة.

– أن يكون لديه خبرة إدارية عالية، ووعي سياسيّ واسع، وضبط ودقّة.

3- هناك صفات أخرى للحاكم، منها: أن لا يكون جباناً ولا بخيلاً، ولا حريصاً.

[1] الإمام الخمينيّ، كتاب البيع، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخمينيّ، 1421هـ، ج‏2، ص 619.

[2] الإمام الخمينيّ، ولايت فقيه، حكومت إسلامي، ص 28.

[3] سورة المائدة، الآية 50.

[4] سورة النحل، الآية 36.

[5] سورة آل عمران، الآية 189.

[6] سورة يوسف، الآية 40.

[7] سورة آل عمران، الآية 132.

[8] من خطاب له دام ظله في لقاء الموظّفين الرسميّين 11/7/1990م-.

[9] سورة الأنعام، الآية 90.

[10] سورة النساء، الآية 64.

[11] سورة النساء، الآية 105.

[12] سورة الأنبياء، الآية 73.

[13] سورة ص، الآية 26.

[14] سورة النجم، الآيات 3-5.

[15] سورة التكوير، الآيات 19 ـ 24.

[16] سورة الأنبياء، الآية 25.

[17] سورة المائدة، الآية 3.

[18] سورة المائدة، الآية 55.

[19] الكلينيّ، الشيخ محمد بن يعقوب: الكافي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، مطبعة الحيدري، 1365هـ.ش، ط2، ج1، ص186، باب فرض طاعة الأئمّة، ح6.

[20] الصدوق، الشيخ محمّد بن حسن، عيون أخبار الرضا عليه السلام، تصحيح وتعليق وتقديم الشيخ حسين الأعلميّ، بيروت – لبنان، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، 1404هـ – 1984م، لا. ط، ج1، ص54.

[21]  م. ن، ص56.

[22] سورة الحشر، الآية 7.

[23] الكلينيّ، الكافي، ج1، ص266، باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الأئمّة عليهم السلام في أمر الدين، ح4.

[24] سورة النساء، الآية 59.

[25] سورة الأحزاب، الآية 6.

[26] الكلينيّ، الكافي، ج1، ص295، باب الإشارة والنصّ على أمير المؤمنين عليه السلام، ح3.

[27] سورة النساء، الآية 65.

[28] الكلينيّ، الكافي، ج 7، ص 406، باب إنّ الحكومة إنّما هي للإمام عليه السلام، ح1.

[29] م.ن، ج1، ص399، باب إنّه ليس شيء من الحقّ في يد الناس إلّا ما خرج من عند الأئمّة عليهم السلام وإنّ كلّ شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، ح2.

[30] م. ن.

[31] الكلينيّ، الكافي، ج1، ص32، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح2.

[32] العلامة المجلسيّ، محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار، الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403هـ، ط2، ج2، ص25، باب ثواب الهداية والتعليم، وفضلهما، وفضل العلماء، وذمّ إضلال الناس، ح85.

[33]  الصدوق، محمد بن علي، كمال الدين وإتمام النعمة، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1405هـ، ط2، ج4، ص483، باب ذكر التوقيعات الواردة عن القائم عليه السلام، ح4.

[34] سورة الأنفال، الآيتان 65 ـ 66.

[35] السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام-، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، قم، دار الهجرة، 1414هـ، ط1، ج4، ص61.

[36] سورة الحجّ، الآية 19.

[37] سورة المائدة، الآية 24.

[38] الواقديّ، محمّد بن عمر، المغازي، تحقيق الدكتور مارسدن جونس، لا.م، نشر دانش إسلاميّ، 1405ه، لا. ط، ج1، ص 48.

[39] الواقديّ، المغازي، ج1، ص49.

[40] سورة آل عمران، الآية 152.

[41] ابن كثير، إسماعيل، السيرة النبويّة، تحقيق مصطفى عبد الواحد، بيروت – لبنان، دار المعارف للطباعة والنشر والتوزيع، 1396 – 1976م، لا. ط، ج3، ص47.

[42] سورة آل عمران، الآية 144.

[43] الكلينيّ، الكافي، ج8، ص110، كتاب الروضة، ح90.

[44] السيد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام-، ص 248.

[45] سورة الشورى، الآية 23.

[46] الهلاليّ، سليم بن قيس‏، كتاب سليم بن قيس الهلاليّ، إيران، قم‏، الهادي‏، 1405هـ، ط1‏، ج2، ص2935.

[47] العلامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج37، ص93.

[48] المزربانيّ الخرسانيّ، محمد، مختصر أخبار شعراء الشيعة، لا.م، مركز آل البيت العالميّ للمعلومات، لا.ت، لا.ط، ص47.

[49] الشيخ آل فقيه، محمد جواد، سلسلة الأركان الأربعة، عمار بن ياسر، لبنان، دار التعارف للمطبوعات،1992م،ج4،ص227.

[50] حُمِلَت طوائفه، أي حُملت أطراف يديه ورجليه لمّا قُطعت.

[51] المفيد، الاختصاص، تحقيق حسين الأستادوليّ وعلي أكبر الغفاري، بيروت، دار المفيد، 1993م، ط2، ص77.

[52] الطوسيّ، اختيار معرفة الرجال، تعليق ميرداماد الاسترأباديّ، تحقيق مهدي الرجائيّ، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1983م، ج1، ص259.

[53] الأمين، محسن، أعيان الشيعة، تحقيق حسن الأمين، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 2000م، ط5، ج2، ص305.

[54] سورة البقرة، الآية207.

[55] المفيد، الاختصاص، ص14 – 15.

[56] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج22، ص327.

[57] م. ن، ج42، ص150.

[58] م. ن، ج42، ص181.

[59] الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج2، ص305.

[60] أمثال الوليد بن العقبة الذي تبجّح بقوله: “ونحن نُبايعك اليوم على أن تضع عنّا ما أصبناه من المال فـي أيّام عثمان” ، شرط مبايعته الإمام هو الإبقاء على أموالهم التي حصلوا عليها خلال عهد عثمان.

[61] السيد الرضي، نهج البلاغة، ص322.

[62] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 44، ص 36.

[63] سورة الجن، الآية 15.

[64] الجواهريّ، الصحاح، بيروت، دار العلم للملايين،1987م، ط4، ج3، ص1152.

[65] والي الشام في تلك الفترة الزمنية.

[66] الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 سنة، بيروت، جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافية – مركز نون للتأليف والترجمة، 2015 م، ط2، ص 125-124. بتصرف.

[67] راجع: المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، قم، إيران، منشورات دار الهجرة، 1404هـ، ط2، ج2، ص398.

[68] القرشيّ، باقر شريف، المآسي المروعة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه، دار جواد الأئمة عليهم السلام، 2005م.ط1،ص:68،69،88،89.بتصرف -.

[69] الفراهيديّ، أحمد الخليل، العين، دار الهجرة،1410ه، ط2، ص351.

[70] البيشوائيّ، مهدي، سيرة الأئمة عليه السلام، قم مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، 3831هـ.ش، ص81.

[71] الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 سنة، ص126. بتصرّف.

[72] ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله‏، شرح نهج البلاغة، قم‏، مكتبة آية الله المرعشيّ النجفيّ‏، 1404 ه، ط1‏، ص201.

[73] الجواهريّ، الصحاح،ج4 ، ص1554.

[74] استشهد الإمام عليه السلام على يد أحد الخوارج، وهوعبد الرحمن بن ملجم المراديّ، في التاسع عشر من شهر رمضان لعام 40 للهجرة، أي بعد أربع سنوات وبضعة أشهر من حكومة الإمام علي عليه السلام.

[75] الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 سنة، ص721.821 بتصرف.

[76] الإمام الخامنئيّ، خطاب الولي 2010، بيروت، مركز نون للتأليف والترجمة، 2011م، ص128.

[77] والي الشام في تلك الفترة الزمنية.

[78] البيشوائيّ، مهدي، سيرة الأئمة عليهم السلام، ص81.

[79] والي الشام في تلك الفترة الزمنية.

[80] استشهد الإمام عليه السلام على يد أحد الخوارج، وهوعبد الرحمن بن ملجم المراديّ في التاسع عشر من شهر رمضان لعام 40 للهجرة، أي بعد أربع سنوات وبضعة أشهر من حكومة الإمام علي عليه السلام.

[81]  المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد، تحقيق وتصحيح مؤسسة آل البيت عليهم السلام، نشر مؤتمر الشيخ المفيد، 1413هـ، ط1 ج2، ص91.

[82] المفيد، الإرشاد، ج2، ص92.

[83]  م. ن.

[84] ابن طاووس، السيّد عليّ بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف، قم – إيران، أنوار الهدى، 1417ه، ط1، ص57.

[85] البحرانيّ، السيّد هاشم، مدينة المعاجز، تحقيق مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، بإشراف الشيخ عزة الله المولائيّ، قم – إيران، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، 1414ه، ط1، ج4، ص215.

[86] الراونديّ، قطب الدين، الخرائج والجرائح، مؤسّسة الإمام المهديّ عليه السلام / بإشراف السيّد محمّد باقر الموحّد الأبطحيّ، قم – إيران، مؤسّسة الإمام المهديّ، 1409ه، ط1، ج1، ص254.

[87] ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص54.

[88] النويريّ، نهاية الأَرَب في فنون الأدب، وزارة الثقافة والإرشاد القوميّ، المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، لا. ط، ج20، ص443.

[89] الطبريّ، محمّد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، بيروت – لبنان، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، لا. ط، ج4، ص264.

[90] م. ن.

[91] شرف الدين، السيّد عبد الحسين، المجالس الفاخرة في مصائب العترة الطاهرة، مراجعة وتحقيق محمود بدري، قم – إيران، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، 1421ه، ط1، ص233.

[92] م. ن.

[93] ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف،ص48.

[94] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج54، ص7.

[95] م. ن، ج44، ص330.

[96] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج45، ص9.

[97] ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص22.

[98] السيد حامد النقدي، خلاصة عبقات الأنوار، طهران، مؤسسة البعثة، 1405هـ، لا.ط، ج4، ص 244.

[99] الكافي، ج2، ص20.

[100] تاريخ الطبريّ، ج4، ص289.

[101] الطبري، تاريخ الطبري، ج4، ص283.

[102] الطبري، تاريخ الطبري، ج4، ص288.

[103] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج4، ص39.

[104] راجع: الشيخ محمد السماوي، تحقيق الشيخ محمد جعفر الطبسي، مركز الدراسات الإسلامية لممثلية الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية،1419هـ، ط1، أبصار العين في أنصار الإمام الحسين عليه السلام، ص152.

[105] الشيخ محمد السماوي، أبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام، ص152.

[106] المهتدي البحراني، عبد العظيم، من أخلاق الإمام الحسين عليه السلام، قم، انتشارات الشريف الرضي، 2001م، ط1، ص186.

[107] م. ن.

[108] الشيخ الكليني، الكافي، ج1،ص 178.

[109] م.ن.

[110] م.ن.

[111] الشيخ الصدوق، كمال الدين، ج2، ص357.

[112] سورة القصص، الآية 5.

[113] سورة الأعراف، الآية 128.

[114] الامام الخامنئيّ، إنسان بعمر 250 سنة، ص 374 – 375.

[115] سورة البقرة، الآية3.

[116] سورة المجادلة، الآية22.

[117] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج52، ص143.

[118] الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص 337.

[119] الشيخ الصدوق، كمال الدين، ج 1، ص 51، العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 51، ص 68.

[120] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج53، ص96.

[121] حسبما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة التي ورد فيها أنّ الأئمّة عليهم السلام عادتهم الإحسان وسجيتهم الكرم البلد الأمين، ص 302، ومن لا يحضره الفقيه، ج2، ص 615-.

[122] الشيخ الصدوق، كمال الدين، ج2، ص 193، والاحتجاج، ج2، ص 556، مع اختلافٍ يسير.

[123] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج52، ص366.

[124] سورة الحج، الآية 11.

[125] وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بابا طاهر في القسم الأوّل من ديوانه قائلاً:

سحر از بسترم بوي گل آيوأي: لقد هبّ أريج الورد من مرقدي عندما أقبل المحبوب بطلعته -.

[126] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج52، ص 318، الباب 27.

[127] سورة المائدة، الآية 55.

[128] ابن منظور، لسان العرب، قم – إيران، نشر أدب الحوزة، محرّم 1405ه، لا.ط، ج15، ص407.

[129] سورة المائدة، الآية 55.

[130] سورة الأحزاب، الآية 6.

[131] سورة النساء، الآية 59.

[132] من خطاب له دام ظله – في لقاء الموظّفين الرسميّين 11/7/1990م -.

[133] الحرّانيّ، ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفّاريّ، إيران، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، 1404 – 1363 ش، ط2، ص 25 – 26.

[134] سورة الحجّ، الآية 41.

[135] سورة الأنفال، الآية 60.

[136] نهج البلاغة، شرح الشيخ محمّد عبده، قم – إيران، دار الذخائر، 1412 – 1370 ش، ط1، ج2، ص13، خطبة 131.

[137] نهج البلاغة، ج3، ص83، عهد مالك الأشتر.

[138] سورة آل عمران، الآية 118.

[139] زين العابدين، محسن، الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه في رؤية الإمام الخمينيّ، قم – إيران، مركز المصطفى العالميّ للترجمة والنشر، 1432هـ، ص191.

[140] سورة النساء، الآية 60.

[141] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص67، باب اختلاف الحديث، ح10.

[142] الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص275.

[143] الشيخ الصدوقي، كمال الدين وإتمام النعمة، ج4، ص483، باب ذكر التوقيعات الواردة عن القائم عليه السلام، ح4.

[144] الخمينيّ، الإمام روح الله الموسويّ، الحكومة الإسلاميَّة، تقديم مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخمينيّ، بيروت، مركز بقيّة الله الأعظم عليه السلام، 1999م، ط2، ص125.

[145] الخمينيّ، الإمام روح الله الموسويّ، كتاب البيع، ج2، ص474 – 475 من برنامج صحيفة الإمام -.

[146] الحائريّ، السيد كاظم، ولاية الأمر في عصر الغيبة، قم – إيران، مجمع الفكر الإسلاميّ، 1433ه.ق، ط5، ص101 ـ 103.

[147] نهج البلاغة، ج1، ص91، الخطبة 40.

[148] من خطاب له دام ظله في لقاء الموظّفين الرسميّين (11/7/1990م).

[149] سورة آل عمران، الآية 19

[150] الطوسيّ، الشيخ محمّد بن حسن، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة – مؤسّسة البعثة، قم – إيران، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، 1414ه، ط1، ص560.

[151] العلامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج25، ص165، باب جامع في صفات الإمام وشرائط الإمامة، ح32.

[152] سورة هود، الآية 113.

[153] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص37، باب “فيمن دان الله عزّ وجلّ بغير إمام من الله جلّ جلاله”، ح4.

[154] المفيد، الإرشاد، ج2، ص39.

[155] الطبرسيّ، الشيخ أحمد بن علي، الاحتجاج، تعليق وملاحظات السيّد محمد باقر الخرسان، النجف الأشرف، دار النعمان للطباعة والنشر، 1386 – 1966م، لا. ط، ج1، ص95.

[156] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص407، باب ما يجب من حقّ الإمام على الرعيّة وحقّ الرعيّة على الإمام، ح8.

[157] البروجرديّ، السيّد حسين الطباطبائيّ، البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر، تقرير الشيخ حسين المنتظريّ، قم – إيران، نشر مكتب آية الله العظمى المنتظريّ، 1416ه، ط3، ص 75-78.

[158] الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، ص61.

[159] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص46، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، ح5.

[160] – الشيخ الصدوق، كمال الدين وإتمام النعمة، ج4، ص483، باب ذكر التوقيعات الواردة عن القائم عليه السلام، ح4.

[161] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص560.

[162] سورة الكهف، الآية 28.

[163] سورة المائدة، الآية 57.

[164] نهج البلاغة، ج3، ص121، الكتاب 62.

[165] م. ن، ج2، ص86، الخطبة 173.

[166] م. ن، ج3، ص88، من عهده عليه السلام لمالك الأشتر.

[167] نهج البلاغة، ج2، ص13، الخطبة 131.

[168] الكلمات القصار للإمام الخمينيّ قدس سره، ص98.

المصدر: متابعات.