مجتمع

الزواج الناجح

 

                                                         بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، وأشرف الصلوات التامات على المبعوث بالرحمة وأشرف الكائنات سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى آله الكرام، حجج الإله على الأنام.

إن العائلة تشكل نواة المجتمع التي تحتضن الفرد، فينشأ في ظلّ ما تؤمّنه من حب ورعاية ومواكبة لجميع مراحل حياته على المستوى العملي، وتظلله بطمأنينة وسكينة على المستوى النفسي ليكون ثابت القدم، واضح المسير، وتشكل له درعاً يحميه من الكثير من سهام إبليس ومكائد الدنيا…

من هنا كان بناء العائلة ـ الذي يتجسد بالزواج ـ هو أفضل بناء يحبه الله تعالى، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: “ما بني بناء في الإسلام أحب إلى الله تعالى من التزويج”.

ولكن هذا البناء له أحكامه وقوانينه التي يجب أن يلتفت إليها الإنسان، فيجب أن يلتفت إلى الأرض التي يبني عليها والأساس الذي يرفعه ومتانته، وشرائط استمراره. يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾1، فحتى لا نكون ممن يمشي مكباً على وجهه، ولنتعرف على الصراط المستقيم الذي يكفل علاقة صحيحة وسليمة بين الزوجين، كان هذا الكتاب الذي يرسم العلاقة الزوجية ويواكب مراحلها الأساسية على ضوء الشرع المقدس ليستنير به كل زوجين أو كل من يطرق باب الزواج. نسأل الله تعالى أن يجعل هذا الكتاب سبباً من أسباب صلاح المجتمع ونوراً إضافياً يساعد على سعادة كل زوجين في الدنيا وفوزهم في الآخرة. إنه سميع مجيب.

جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

1-الملك:22

الدرس الأول: لماذا الزواج؟

البحث الشرعي

الزواج في الإسلام مبني على عقد اسمه “عقد الزواج”، وبمجرد أن يتم هذا العقد بين رجل وامرأة يعني أن مجموعة من الحقوق والواجبات قد ترتبت على كل منهما، أي أنهما قد وافقا على نمط من العلاقة، وعلى مجموعة من الضوابط بمجرد الموافقة على عقد الزوجية.

يقول الله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾2.

وقد اعتبر الإسلام الزواج أمراً إيجابياً وكمالاً للإنسان، فقد ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “ما بني بناء في الإسلام أحب إلى اللَّه عزَّ وجلَّ من التزويج”3. لقد حثَّت الرسالة الإسلامية بشكل كبير على الزواج وبناء الأسرة، وأعطت الامتيازات للمتزوج على العازب، حتى صار نومه أفضل من قيام العازب كما ورد في روايةٍ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “المتزوج النائم أفضل عند اللَّه من الصائم القائم العزب”4، وعباداته أفضل بدرجات كما يستفاد من الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: “إن ركعتين يصليهما رجل متزوج أفضل من رجل يقوم ليله ويصوم نهاره أعزب”5. لقد حثَّت الرسالة الإسلامية بشكل كبير على الزواج وبناء الأسرة، وأعطت الامتيازات للمتزوج على العازب، حتى صار نومه أفضل من قيام العازب كما ورد في روايةٍ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “المتزوج النائم أفضل عند اللَّه من الصائم القائم العزب”4، وعباداته أفضل بدرجات كما يستفاد من الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: “إن ركعتين يصليهما رجل متزوج أفضل من رجل يقوم ليله ويصوم نهاره أعزب”5

2- النحل:72.

3- دلائل الشيعة، ج14، ص3.

لقد حثَّت الرسالة الإسلامية بشكل كبير على الزواج وبناء الأسرة، وأعطت الامتيازات للمتزوج على العازب، حتى صار نومه أفضل من قيام العازب كما ورد في روايةٍ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “المتزوج النائم أفضل عند اللَّه من الصائم القائم العزب”4، وعباداته أفضل بدرجات كما يستفاد من الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: “إن ركعتين يصليهما رجل متزوج أفضل من رجل يقوم ليله ويصوم نهاره أعزب”5.

الأهداف الإسلامية لبناء الأسرة

إذا عدنا إلى الروايات الشريفة نجد عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتق اللَّه في النصف الباقي”6.

وفي رواية أخرى عنها تظهر فائدة أكبر للشباب: “ما من شاب تزوج في حداثة سنّه إلا عجّ شيطانه: يا ويلاه يا ويلاه عصم مني ثلثي دينه، فليتقِ اللَّه العبدُ في الثلث الباقي”7.

يمكن أن نقول: هذا نوع من التشجيع على الزواج، ولكنه ليس كذلك، بل هو وصف للواقع. إن مقومات الزواج الذاتية قبل أن ندخل إلى تفاصيلها، تحقق نصف الدين، لأنها تشكل حماية حقيقية من مجموعةٍ من العقد والمشاكل والعقبات بمجرد حصول الزواج بين الشخصين، فالزواج في الحقيقة يحقق مجموعة من الأهداف الشرعية.

فما هي الأهداف التي يريد الشارع المقدس تحقيقها من خلال الزواج، وبناء الأسرة؟ وكيف صار نصف الدين أو ثلثيه؟ هناك عدد من الآيات القرآنية الكريمة تشير إلى هذه الأهداف:

4- ميزان الحكمة، حديث7810.

5- ميزان الحكمة، حديث7812.

6- ميزان الحكمة، حديث7807.

7- بحار الأنوار، ج100، ص221.

الآية الأولى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾8.

يذكر تعالى سبب ومبرر الزواج في عبارة ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾. وهذه العبارة تعني الاستقرار والاطمئنان والراحة، فالزواج يؤدي إلى الاستقرار، و هذا الاستقرار شامل ومتنوع:

1- على المستوى النفسي: حيث يصبح الإنسان مرتاحاً يعيش حالة حب وانسجام في كل العناوين التي لها علاقة بالعامل النفسي، بشكل ينعكس على حياته كلها، وفي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “زوجوا أيامكم9 فإن اللَّه يحسن لهم في أخلاقهم ويوسع لهم في أرزاقهم ويزيدهم في مروتهم”10.

2- على المستوى الجسدي: هناك متطلبات للجسد عند الرجل وعند المرأة لا يمكن معالجتها إلا بالزواج، الذي يؤدي إلى استقرار الجسد ويلبي متطلباته.

3- على المستوى الاجتماعي: هو سكن اجتماعي، لأن الإطلالة من خلال علاقات الزواج مع الآخرين تمكّن من أن يبني الإنسان أسرة ويتفاعل مع الآخرين.

4- على المستوى المادي: فهو أيضاً سكن مادي فيه تنظيم الأداء اليومي لحياة الأسرة.

5- على المستوى الإداري: هو سكن إداري فيه تنسيق للأدوار بين الزوجين.

8- الروم:21.

9- الأيم، الأيامى: الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء.

10- ميزان الحكمة، ج2، ص1179.

فكل أنواع الاستقرار موجودة في الزواج، سكن نفسي وجسدي واجتماعي ومادي وإداري، لأن الزواج لم يشرَّع ليعالج زاوية واحدة فقط.

وقد وقع الكثيرون في الخطأ عندما نظروا الى الزواج كمعالج لزاوية واحدة. فعندما ينظر الإنسان إلى الزواج بجزء منه دون الأجزاء الأخرى يعطِّل السكن، لأن السكن أشبه بأعمدة لا يمكن أن يستقر البناء بدون أحدها أو بعضها.

لذلك عندما يقع خللٌ ما في الحياة الزوجية فقد يكون من البداية بسبب طريقة التفكير. فإذا سُئلَ الرجل لماذا تزوجت؟ يقول لأنني أريد من يخدمني، يعني أنه أخذ جانباً من هذا الزواج. وإذا سُئلت المرأة لماذا تزوجت؟ تقول: أنا تزوجت لأني لم أعد أحتمل البقاء عند أهلي. إذاً كل واحد منهما أخذ جانباً ولم يلتفت للجوانب الأخرى، لذلك يمكن أن تتعرض مؤسسة الزواج بينهما إلى مشاكل، ويقول كل واحد منهما أنا لا أشعر بسكن في الزواج، نعم لأنهما لم يُكملا مقومات السكن، فمقومات السكن مشتركة ومتعددة وبالتالي لا بد من العمل معاً لهذا التعدد من أجل تحقيق السكن فيما بينهما.

الآية الثانية:

﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾11.

هذه الآية الكريمة تشبّه كلا الزوجين بالنسبة للآخر بأنه لباس، وهناك فوائد ثلاث يمكن استفادتها:

1- كلاهما حصن للآخر، فاللباس يحصّن من يلبسه، فيقيه من البرد في الشتاء، ويرد عنه حرارة الشمس في الصيف. وكلٌ من الزوجين يقوم بمثل هذا الدور بالنسبة للآخر، فالزوجة حصن للزوج وهو حصن لها، وهذا ما تؤكده الرواية عن رسول الله: “من أحب أن يلقى اللَّه طاهراً مطهراً فليلقه بزوجة”12.

فبالزواج يقي الإنسان نفسه عن الانزلاق وراء شهواته وغرائزه لأن الزواج يلبي حاجته الطبيعية التي غرسها اللَّه تعالى فيه.

2- كلاهما ستر للآخر، فاللباس يستر البدن ويواري سوءته، والزوجة تسد الثغرات الموجودة عند الزوج على مستوى الغرائز المعنوية والنواقص المادية، وهو كذلك.

والغرائز هي مواصفات مغروزة في الإنسان، لهذا سميت غرائز لأنها مغروزة فيه منذ فطرته، كغريزة النوع (الإنسان يميل إلى نوعه) ومن مظاهرها العلاقة الجنسية، والحب بين الإبن وأمه، وبين الأخ وأخيه، يعني الميل إلى النوع الإنساني حيث نلاحظ في المظاهر اليومية الانعكاس الطبيعي للعلاقة مع الأخ، ومع الزوج، ومع الجار، والصاحب، والزوجة، وهكذا. حيث نلاحظ ـ مثلاً ـ أن الإنسان وبشكل طبيعي بمجرد أن يكون ابناً لفلان

11- البقرة:187.

12- ميزان الحكمة، ج2، ص1178.

تولد عنده حس عاطفي لا يحتاج معه إلى عناءٍ وجهد، فلا نستغرب وجود هذه المحبة لأنَّها مغروزة غرزاً، وهذا منسجم مع ما فطرنا الله سبحانه عليه، فإذاً غريزة النوع من مظاهرها الحب، العلاقات البشرية، الجنس…، وهي تعبير عن الميل للطرف الآخر كائناً من كان، بألوان وأشكال مختلفة.

أيضاً عندنا غريزة حب البقاء التي تبرز من خلال الطمع والحرص على الحياة والتعلق بها، والدفاع عن النفس، كلها مظاهر تدل أن الإنسان يحب البقاء ويتمسك به، لهذا يقاتل من أجل أن يبقى.

إنها أمور تكوينية مع خلقِ الإنسان، تتهذب بالتربية وبالإختيار، وتنحرف بعدم التربية وبالإختيار.

إذا لم يلبِّ الإنسان مطالب الغريزة بشكل سليم، تنحرف وتؤدي إلى أزمات نفسية واجتماعية لكنها لا تقتل. فلو افترضنا شخصاً ليس لديه أب لا يموت، أو شخصاً ليس لديه ولد، أو لم يتزوج، أو ما شابه ذلك، لا يموت، لأنها ليست حاجات عضوية. فمشكلة الغرائز مشكلة الشقاء والسعادة، ونحن عندما نتحدث عن الزواج نتحدث عن مظهر من مظاهر الغريزة، أي نتحدث عن أداء يمكن أن يؤدي إلى سعادة ويمكن أن يؤدي إلى شقاء.

3- اللباس زينة لمن يلبسه، وبالتالي فالزوجة تعتبر زينة للزوج، والعكس صحيح، والزينة تنشأ من تصرفاته وشخصيته في المجتمع التي ستؤثر بالتأكيد على الطرف الآخر وصورته في المجتمع، وتنشأ كذلك من طريقة تقديمه للطرف الآخر وعلاقته معه في المجتمع.

الآية الثالثة:

﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ

وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾13.

إن تكثير النسل المؤمن واستمرار الحياة هدف أساسي أيضاً، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلاً لعل الله يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلا الله”14

آثار العزوبة

إن العزوبة -وهي العزوف عن الزواج، وبغض النظر عن الأسباب الداعية إليها- تعتبر من المصائب الكبرى التي قد تؤدي بمجتمع مترابط إلى التفكك والإنهيار، لأن العائلة هي الحصن الأساسي للمجتمع، فإذا ضُرب هذا الحصن، فسيكون المجتمع كله في مهب الريح على المستوى الاجتماعي، وهذه التجربة الغربية ماثلة بتفككها ومشاكلها الإجتماعية.

ومن هنا فإن حكمة الباري وعلمه بمصالح العباد قضت بكراهية العزوبة، وأوجبت الزواج على من يخاف على نفسه الوقوع في الحرام، ففي روايات كثيرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قد ذمَّ ترك الزواج فعنها: “شرار موتاكم العُزَّاب”15.

13- النحل:72.

14- وسائل الشيعة، ج20، ص14.

15- بحار الأنوار، ج100، ص220.

وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال -لرجل اسمه عكاف-: “ألك زوجة؟ قال: لا يا رسول الله، قالا: ألك جارية؟ قال: لا يا رسول الله، قالا: أفأنت موسر؟ قال: نعم، قالا: تزوج وإلا فأنت من المذنبين”16.

ومن المناسب هنا أن نلتفت إلى ما قد يتصوره البعض من أن ترك الزواج هو مسألة حسنة، ويهدف إلى إماتة الشهوة، وتهذيب النفس، فيتصور أن ترك الزواج من الطرق المؤدية إلى الله تعالى.

إن هذا التصور لا ينسجم مع سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام، فلقد كانوا يتزوجون كباقي الناس بل إن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان يحث الناس دائماً على الزواج، ويروى أنه منع بعض أصحابه ممن ترك الناس رغبة في العبادة فقال له: “لا رهبانية في الإسلام”17.

ويروى أنَّ امرأةً سألت أبا جعفرٍ الباقر عليه السلام فقالت: أصلحك الله إني متبتلة فقال لها: وما التبتل عندك؟ قالت: لا أريد التزويج أبداً، قالد: ولم؟ قالت: ألتمس في ذلك الفضل، فقال: “انصرفي فلو كان في ذلك فضل لكانت فاطمة أحق به منك، إنه ليس أحد يسبقها إلى الفضل”18.

مبررات ترك الزواج

قد يبرر بعض الشباب تركهم وتأخيرهم للزواج بأن الوضع الاقتصادي لا يسمح لهم بذلك، وهذا ما نهت عنه الروايات ففي الحديث الشريف عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “من ترك التزويج مخافة العيلة، فقد ساء ظنه بالله

16- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1180.

17- مستدرك سفينة البحار، مؤسسة النشر الإسلامي، ج4، ص261.

18- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1180.

عز وجل، إن الله عز وجل يقول: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهَِ﴾”1920، فالله تعالى هو وكيل المتزوج كما في هذه الآية الشريفة، وكذلك في الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “اتخذوا الأهل فإنه أرزق لكم”21.

الأسئلة 

1- لماذا اهتم الإسلام بالزواج؟

2- ما هي آفات العزوبية وتأثيرها على المجتمع؟

3- تحدث عن الغرائز النفسية وما علاقة الزواج بها؟

4- ما هي الأهداف الإسلامية لبناء الأسرة؟

19- النور:32.

20- وسائل الشيعة، آل البيت، ج20، ص42.

21- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1197

من هي الزوجة المناسبة؟

إن الحرص على اختيار الزوجة ناشىٌ من عدة اعتبارات أهمها:

أ – أن الزوجة هي الأم المستقبلية، وإن للأم أثراً جليا في نقل الصفات

1- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1182.

2- مكارم الأخلاق، الشيخ الطبرسي، ص199.

3- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1181

-حسنها أو قبيحها- إلى شخصية الولد، فلا بدَّ للزوج أن يكون حريصاً على حسن الاختيار بين النساء ليختار الوعاء الطاهر الذي يضع فيه نطفته التي ستصبح فيما بعد فرداً له دوره، ومكانته المهمَّة في مجتمعه.

ب – أن الزوجة هي السند المستقبلي للرجل، وبقدر ما تجعل حياته داخل الأسرة مستقرة وسكناً -كما تعبر الآية الكريمة- بقدر ما يكون دوره فاعلاً ومؤثراً خارج الأسرة.

ومن هنا فلا بدَّ للزوج من أن يلتفت إلى عدد من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في زوجة المستقبل ومن أهمها:

1- ذات الدين:

فالصفة الأولى التي لا بد للرجل من أن يلحظها في شريكة مستقبله وحياته، هي التدين والالتزام بالأحكام الشرعية، فقد وصفت الروايات المرأة التي ينبغي الزواج منها بأنها (ذات الدين) ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “من تزوج امرأة لا يتزوجها إلا لجمالها لم ير فيها ما يحب، ومن تزوجها لمالها لا يتزوجها إلا وكله الله إليه، فعليكم بذاتِ الدين”4.

2- ذات التدبير:

ينبغي للرجل أن يلتفت إلى صفات الزوجة وتدبيرها، ففي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: “خير نسائكم الطيبة الريح، الطيبة الطعام، التي إن أنفقت، أنفقت بمعروف وإن أمسكت أمسكت بمعروف، فتلك من عمال الله وعامل الله لا يخيب (ولا يندم)”5، وقد نهت الرواية عن اختيار الحمقاء، لقد حثَّت الرسالة الإسلامية بشكل كبير على الزواج وبناء الأسرة، وأعطت الامتيازات للمتزوج على العازب، حتى صار نومه أفضل من قيام العازب كما ورد في روايةٍ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “المتزوج النائم أفضل عند اللَّه من الصائم القائم العزب”4، وعباداته أفضل بدرجات كما يستفاد من الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: “إن ركعتين يصليهما رجل متزوج أفضل من رجل يقوم ليله ويصوم نهاره أعزب”5

4- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1181.

5- مكارم الأخلاق، الشيخ الطبرسي، ص200.

فقد ورد عن رسول االله صلى الله عليه وآله وسلم: “إياكم وتزوج الحمقاء، فإن صحبتها ضياع وولدها ضياع”6.

3- ذات المنبت الحسن:

والمقصود بالمنبت الحسن أن تكون قد نشأت في عائلة وبيئة إجتماعية تتصف بالصفات الخلقية الحسنة، وفي الرواية عن رسول االله صلى الله عليه وآله وسلم: “إياكم وخضراء الدمن، قيل: يا رسول االله وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء”7.

ينبغي ملاحظة بيئتها الإجتماعية التي تعيش فيها، أين تربَت وأخذت تعاليمها؟ الأجواء التي عاشتها، ما هي أفكارها وقناعاتها؟…، ما هي البيئة الاجتماعية التي تربّت فيها، أو البيئة المدرسية التي تخرجت منها، أو بيئة القرية والحي والبلد الذي تعيش فيه، فكلها عناصر مؤثرة في شخصية الإنسان.

ثم إن عائلتها ستكون جزءً من عائلة الأولاد فيما بعد، وسيكونون من العناصر المؤثرة في توجيه وتربية الأولاد، فضلاً عن تأثير الوراثة فيهم، ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “تخيروا لنطفكم فإن النساء يلدن أشباه إخوانهنَّ وأخواتهن”8.

4- التي تميل إليها:

أي التي تختارها، وتعجب بشخصيتها، لا التي يفرضها عليك أحد أو تعجب الآخرين ولا تعجبك، لأنها في نهاية المطاف ستكون في منزلك وليس

6- بحار الأنوار، ج100، صفحة 237، ح35.

7- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1183.

8- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1183.

– في منزل الآخرين، وفي الرواية أن أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام قال له: إني أردت أن أتزوج امرأة وإن أبوَي أرادا غيرها، قال: “تزوج التي هويت ودع التي هوى أبواك”9.

مع الالتفات إلى عدم جرح مشاعر الأهل بطريقة الرفض، فلا بد وأن تكون بطريقة لينةٍ وسلسةٍ لا تسبِّبُ أذيةً لهما.

الصفة الأرجح

هذه الصفات بمجملها يلاحظها الرجل عندما يريد أن يقدم على الزواج، وكلها منطقية ومهمة، ولكن الأرجح بينها كلها صفة الالتزام والتدين، فلا يرجح غير المتدينة على المتدينة لجمالها مثلاً، بل التدين هو المرجّح الأساسي، فلو تخير المرء بين امرأة جميلة ولكن غير ملتزمة، وامرأة عادية ملتزمة، فالإسلام يدعو في هذه الحالة إلى اختيار المتديّنة، ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يختار حسن وجه المرأة على حسن دينها”10.

وفي رواية أخرى عنها: “تُنكح المرأة على أربع خلال: على مالها، وعلى دينها، وعلى جمالها، وعلى حسبها ونسبها، فعليك بذات الدين”11.

من تختارين من الرجال؟

كما أرشد الشرع المقدس الرجل إلى الزوجة المناسبة، فإنه أرشد المرأة للرجل المناسب، فحدد بعض الأمور الأساسية التي ينبغي أن تتوفر في

9- مكارم الأخلاق، الشيخ الطبرسي، ص237.

10- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1181.

11- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1181.

الرضا عليه السلام أشد التحذير: “إياك أن تزوج شارب الخمر، فإن زوجته فكأنما قدت إلى الزنا”15، والإمام يلفت بهذا إلى آثار وتداعيات مثل هذا الزواج.

2- حسن الخُلق:

إذا فسرنا التديّن أنه الإيمان النظري الذي يُترجم في مظهر الإنسان من خلال القيام بالعبادات وبعض التصرفات (الصلاة، الصوم، اللحية، الخ…)، فإن هذا لن يكون كافياً، وعلينا أن نلتفت إلى أخلاقه التي تظهر من خلال عمله وسلوكه ويبرز في العلاقات مع الناس وعند الاختبار، يجب ملاحظة التدين والأخلاق في آن معاً، لأن ذلك يساعد على الاطمئنان إجمالاً إلى أن هذا الزواج يمكن أن يكون ناجحاً وموفقاً.

وفي الرواية عن حسين البشار قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: إن لي ذا قرابة قد خطب إلي وفي خلقه سوء؟ فقال: “لا تزوجه إن كان سيئ الخلق”16.

هل الفقر حجة لرفض الرجل؟

يجيب الله تعالى عن هذا السؤال في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا

15- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1183.

16- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1183.

الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾17.

والآية إخبار من اللَّه تعالى الذي وسعت قدرته كل شيء وهو عالم بكل شيء، إنه عز وجل يمنَّ بفضله وكرمه على أولئك الذين يقدمون عن الزواج، وبالتالي فالحالة المادية للرجل قبل الزواج ليست هي الحالة النهائية، بل يتأمل أن يوفّق بعد الزواج، كما تفيد هذه الآية الكريمة.

وفي رواية عن الإمام الرضا عليه السلام: “إن خطب إليك رجل رضيت دينه وخلقه فزوجه، ولا يمنعك فقره وفاقته، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ﴾18 وقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾”1920.

تأثير الحب قبل الزواج

كثير من الناس يعتقدون أن الحب قبل الزواج له تأثير على الزواج وعلى نتائج الزواج، هذه نظرة خاطئة. لنعرف أولا ما هو الحب؟ الحب هو حالة استئناس تنشأ بين الطرفين لأسباب موجودة في ذهن كل طرف تجاه الآخر، هو أحبها لأنه أُعجب بالصفات الموجودة فيها، رأى منطقها بالكلام محبب، شكلها الجميل محبب، الخ….

وجد فيها صفات فتعلق بها، هي كذلك وجدت فيه فارس أحلامها لصورة في ذهنها، عندما رأت هذا الشخص انطبع في ذهنها مجموعة

17- النور:32.

18- النساء:130.

19- النور:32.

20- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج2، ص1181.

من الصور التي تستأنس بها، فتولدت حالة استئناس، هذه الحالة يعبر عنها بالحب.

لكن هذا النوع من الحب ليس ضماناً لنجاح الزواج، فنجد بعض الأحيان حباً عمره خمس سنوات، ولكن الزواج يفشل، لماذا؟ لأنه عند الزواج وبعد هذا الاحتكاك، اكتشف في الآخر خلاف الصورة التي اعتقدها في البداية. عرف أن تصوره المبدئي كان وهمياً فانهار الحب ومعه الزواج. الخطأ في الحب سببه التوجه لناحية واحدة وينسى النواحي الأخرى، فيصطدم بالنواحي الأخرى التي هي جزء لا يتجزأ من شخصية الطرف الآخر، عندها تتولد الكراهية وردات الفعل السلبية.

بالمقابل يحدث زواج من دون معرفة كل طرف بالآخر، فيتعرف على الصفات العامة التي أشرنا إليها، يتحدّث معه في البداية فيتضح وجود استئناس إجمالي، فيحدث الزواج، والحب غير موجود، بعد خمس سنوات نجد أن الحب كبر جداً بينهما، لماذا كبر مع أنه لم يكن موجوداً؟ السبب الأساسي هو الاحتكاك الذي جعل كل طرف يكتشف معدن الطرف الآخر، ويستأنس به، ويراه في صورة جميلة، وكلما تحسنت الصورة بنظر الآخر كلما ازداد الحب مع الزمن، لذلك إذا قال شخص أحسسنا بعد عدة سنوات أننا نحب بعضنا أكثر من كل المدة السابقة أثناء الزواج، فهذا طبيعي مع نمو المعرفة والاحتكاك والإعجاب.

فالحب يتولد بشكل طبيعي، وليست الزوجية المبنية على حب مسبق هي التي تستمر، ولا الحياة الزوجية المبنية على عدم وجود حب هي التي تستمر، الذي يستمر هو المبني على صفات متعددة موجودة في الآخر تؤدي إلى انطباعات إيجابية في الذهن فتولد حالة عاطفية وشعورية ايجابية.

الأسئلة

1- لما كل هذا الحرص في اختيار الشريك الآخر في الحياة؟

2- أذكر بعض من لا ينصح الرجل بالزواج منهن؟

3- ينصح الرجل بالزواج من بعض النساء من هن؟

4- ما هي مواصفات الرجل المناسب كزوج؟

5- هل الفقر مانع من قبول الرجل ولماذا؟

المصدر: متابعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock