مقالات

السدود…وحروب الماء المعين… نهضة قوم على قوم.

محمود الخطيب

أنعم الله علينا بأنواع الخيرات التي لا تعد ولا تحصى، ومن هذه النعم، الأمطار والبحار والينابيع والأنهار التي تشق البراري وتقطع آلاف الأميال، لتنعم علينا بالحياة، وتزدهر بها الاوطان، فقد ارتبطت الحياة بالماء، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، وهي نعمة منّ الله تعالى بها على الناس، وقال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ).

فكيف استفاد الناس من نعمة الماء وكيف فكروا بالمحافظة على تلك النعمة؟ وكيف ممكن الاستفادة منها والبقاء عليها.

حين بُني سد مأرب الجديد، لم يبنى على قاعدة القديمة التي بنيت في زمنه، ذلك الزمن الذي ازدهرت فيه الزراعة حتى ذكرت فيه خيراتها، كنموذج لفضل الله عليهم (جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور).

أتاهما الله من فضله من كل شيء، ارض في نسيمها عليل يشفي من السقم، لكنه بني على هيئته الحالية، وفوائده المحصورة، وتصريف مياه عشوائية، والذي ممكن بأعاده بناء السد القديم، أن تُعاد الحضارة التي ذكرت في “القرآن” بعظمتها، والتي انهارت وتشتت بانهيار السد، وعدم بناءه من جديد.

إن توفير المياه يتطلب وضع خطة استراتيجية عامه لتنظيم الطلب عليها في مختلف القطاعات (الزراعية – الصناعية – الاستخدامات المنزلية)، وإيجاد إدارة مائية، وما هو معترف في بعض السدود التي تم أنشائها في كثير من مناطق اليمن، تفتقر تصريف المياه بشكل سليم، قد تجد سد يبنى، ولكن لن تجد منظومة ري تمكن المزارع من أن لا يفكر بالمياه كمشكلة تواجهه، وكما هو معترف أين ما وجد الماء وجدت الحروب في قلة الوعي بتصريفها بالطريقة السليمة.

– “السدود”

باعتبار ان اليمن ارض زراعية تعتمد بشكل اساسي على الامطار الموسمية في الري، ولذلك يجب على القيادة الاهتمام بهذا الجانب واعطائه اهمية خاصة نظراً للحاجة الماسة لمثل هذه المشروعات الحيوية كالسدود والحواجز المائية، نظراً لطبيعتها التضاريسية والجغرافية والمائية وجعلها في مقدمة الاهتمامات التنموية والاقتصادية.

إن تنمية الجانب الزراعي يتطلب إنشاء السدود والحواجز المائية في كل مناطق اليمن، والتي ما زالت مناطقها بحاجة لهذه المشروعات المائية الهامة خاصة اذا عرفنا مقدار الحاجة لمياه الشرب الناتجة عن السدود بتغذية الابار الجوفية، وكمصدر رئيسي للري، حيث لوحظ افتقار كثير من هذه المشروعات “السدود والحواجز” رغم ما لدينا من سدود إلاَّ إنها تبقى ضئيلة ولا تتناسب مع مقدار الحاجة والطلب المتزايد على المياه، ونأمل في المستقبل تفهم الجهات حاجة البلد للسدود والحواجز باعتبارها الحل الأمثل والنافع لمعالجة هذه الحالة التي تعيشها اليمن، وانا على يقين بأن المرحلة القادمة ستشهد نقلة نوعية في جانب مشروعات السدود والحواجز التي يمكن أن تزيد رقعة المساحة الزراعية بالفاكهة، والخضار، والحبوب ..الخ. ناهيك عن رجوع الأرض الطيبة من جديد بحلتها الخضراء الباهية، التي تصحرت بجفاف المياه.

دونما إقامة السدود والحواجز التي بإنشائها في المناطق الجبلية ستكون داعماً ومشجعاً لأية سياسة مستقبلية تتبناها الحكومة خاصة في ظروف صعبة كهذه، وما تتطلب من الجهود والاسهامات الكفيلة برفع انتاجية المزروعات التي دللت الدراسات البحثية الميدانية عن وجود عوامل كبيرة محفزة لزراعة شجرة مثمرة مفيدة وذات عائد اقتصادي مشجع إلاَّ ان شحة المصدر للري وانعدام السدود والحواجز المائية أسهمت في تحول المزارع والأراضي الزراعية الى متصحر وصحراء.

– “نهضة قوم على قوم…وحرب المياه دولياً”

إن أخطر صراعات العالم تتعلق بالمياه، ومنطقة الشرق الأوسط ليست غنية بها كما أن تكنولوجيا تحلية المياه مكلفة ولا توجد في منطقتنا ثقافة تقنين استخدم المياه، واستثمارها  لذا فإن أحد أخطر أدوات الصراع التي تستخدمها إسرائيل وتركيا هي السيطرة على منابع المياه، وهو ما تفعله إسرائيل في إثيوبيا للسيطرة على منابع النيل، فيما تقوم تركيا بالسيطرة على مجرى نهر الفرات بمجموعة سدود اتاتورك وهو ما يؤثر على الأمن القومي لكل من العراق وسوريا نظرا لا نها تتحكم في المياه وفي المواسم الزراعية، وحيث وجد المتحكم الأول، يستطيع أن يفرض هيمنته، وهذا ما تسعى إليه الدول من ان لا  تملك جهة واحدة  منبع المياه، حيث أن من يملك المياه يملك الزعامة على مر التاريخ، والتاريخ لازال ذلك الموطن، ولكن الصراع يتغير وطريقة الصراع  تتغير ما أن تغيب الدولة الرشيدة العادلة والمدبرة لشؤون الناس.

إن بناء السدود أداة ضغط هائل وقد تقود إلى اندلاع حروب، ذلك بناء على ما يعرضه كثير من الباحثين والمفكرين والمتخصصين في هذا المجال بأن العالم سيكون في حالة ازدياد لطلب الماء العذب في عام 2025 م، ونظراً لهيمنة العدو على مثل هذه الثروة والتي طالما تحظى من قبلهم باهتمام كبير وذلك من اجل خلق الصراعات داخل المجتمع العربي.

ومن هذا المنطلق ليس هناك ما يخدم مشروع “التطبيع” أكثر من دول عربية ضعيفة، هشة لا تستطيع حتى الاستفادة من الماء الذي وهبه الله لكل عباده، وانطلاقاً من هذه الفكرة، يدعم العقل الاستراتيجي في الكيان الصهيوني فكرة بناء السد في إثيوبيا، وانطلاقاً منها، تشتعل الحماسة الإسرائيلية.

ان الهدف الذي تطمح “إسرائيل” إلى تحقيقه من بناء السدّ لا يبتعد كثيراً عن الهدف الأميركي من بناء السدود الصغيرة في إثيوبيا في حقبة الحرب الباردة، وإن صراعات المستقبل ستكون مختلفة بعض الشيء، فالخلافات بشأن المياه ومصادرها في العالم ستكون سبب اندلاع الحروب والنزاعات المقبلة وليس النفط، لا سيما في ظل وجود شح بالموارد المائية في كثير من السدود المتنازع عليها حول العالم، وكما هو معروف الماء سر الحياة، فهو سبب رئيسي ممكن أن يتنازع عليه سواء على مستوى الاسرة، الشقة، المنزل، القرية، الدولة، فهو عنصر مهم في الحياة، وينبغي التفكير في إدارته بعناية.

إن نسبة زيادة كثافة السكان، والتغير المناخي، وسرعة الدول لامتلاك مصادر الطاقة، والتوسع في مجال الصناعات، وعشوائية بناء السدود، وتدخل العدو في كل صغيرة وكبيرة، فانها تعرض الأمة للمعاناة “وشح المياه العذبة وعدم الاستفادة في الاقتصاد الزراعي مما يؤدي أن تصبح مياه الشرب كالمعادن النادرة، مثل الثروات الطبيعية الثمينة كالذهب والنفط والألماس، وبسبب هذا النقص ستشعر الشعوب أنها مهددة، وستندلع حروب شح المياه العذبة.

ان امتلاك رغبة لزراعة الأرض والنهضة في البلاد اقتصادياً، لا بد أن تصاحبها رغبة جامحة في بناء السدود وبناء طريقة سليمة للاستفادة منها. العالم يضمحل، وآثار الظمأ بدأت ملامحها، وحرب من اجل الماء لا تختلف عن حروب التاريخ القديم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock