مقالات

اليمن وحتمية الحل السياسي

ادريس هاني

ثمة تحوّل كبير في مسار المعارك التي تدور اليوم في اليمن بين قوات حكومة الإنقاذ بصنعاء وقوات التحالف الذي تقوده الرياض، هذه المرة تغيرت قواعد الاشتباك وكانت النتيجة واضحة هي أنّ التقديرات التي سبقت قرار الحرب على اليمن كانت مبنية على سياسة الاستهانة بإمكانات اليمن لا سيما مع وجود الفارق في التّسلح.

فالتحالف كان يتمتّع بإمكانات بشرية وعسكرية كبيرة وغطاء دولي وإقليمي في حين عقدت الرياض أكبر صفقة سلاح مع الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخ المملكة، غير أنّ التحول في طبيعة المعركة والسياق الذي رافقها بدا مختلفا تماما، ويبقى السؤال: ما الذي حدث خلال الساعات الـ 72 التي استطاع مقاتلوا الحوثي وقبائل أخرى يمنية حليفة لحكومة الإنقاذ أن تقوم بشنّ أكبر هجوم في نجران استطاعت أن تأسر تشلّ فيه ثلاثة ألوية ومئات الجنود والضباط واغتنام مئات الآليات والمدرعات المتطورة؟

وحتى الآن لا وجود لأي ردّ فعل ولا تفسير، هناك بعض الأصوات غير المقنعة حاولت تكذيب ما تناقلته كاميرا المقاتلين صوتا وصورة، وهناك من ذهب بعيدا للحديث عن فخّ وضع لاختبار قدرات الحوثيين، غير أنّ ما حدث وما قيل يؤكد على وجود صدمة.

دعت حكومة الإنقاذ مرارا إلى أنّ الحل الممكن هو سياسي فقط، وبات واضحا لدى الطرف الأمريكي والغربي بأنّ الحرب في اليمن ليست نزهة ولابدّ من إطلاق مبادرة للجلوس على الطاولة، غير أنّ ما حدث خلال الشهور السابقة هو ارتقاء في مستوى أداء هذه المواجهة، فقد عبر اليمنيون عن قدرات عسكرية صاروخية وأخرى تقنية تتعلق بالطائرات المسيرة التي تسببت في شلّ نصف نسبة إنتاج الطاقة في أرامكو كما لوحوا باستهداف مواقع حساسة، في الإمارات، وكانت النتيجة المتوقعة هو تخفيف الإمارات لثقلها في اليمن إن لم نقل الانسحاب الذي أطلق رصاصة الرحمة على التحالف وأوجد سوء تفاهم مضمر بين البلدين الحليفين، هذا بينما لم يهتم ترامب المشغول هذه الأيام بصراعه مع الديمقراطيين بإنقاذ الموقف فهو نفسه يصرح أمام خصومه الديمقراطيين بأن الولايات المتحدة تواجه اليوم أكبر تهديد في كل تاريخها، بينما لم يبق في التحالف سوى مجندين يمنيين مرتزقة ومقاتلين سودانيين، لقد تحول اليمن إلى مستنقع وهو اليوم يذكرنا بمخرجات الحرب في فيتنام.

هل يا ترى هناك محاولة لإغراق الرياض في حرب اليمن وتركها وحدها؟هل نتحدث عن توريط؟ هل نحن نسير في اتجاه تصعيد داخلي وسيناريوهات تتجاوز حرب اليمن نفسها؟ فالحرب في اليمن في نظر الرياض لم تعد قابلة للخسارة ولا يمكن هضم أي نتيجة من هذا القبيل، فانعكاساتها الداخلية ستكون كارثية؟هل نحن أمام محاولة الدفع باتجاه التقسيم؟

حين كنا نتحدّث عن خطورة حرب اليمن فذلك لأنّنا كنا ندرك أنّ نتائجها لا يمكن إلاّ أن تكون كارثية، وستحتاج الرياض هذه المرة لمحور المقاومة للخروج من هذا المأزق، فهناك يوجد الحلّ. ففي كل القراءات السياسية والاستراتيجية التي كانت تتزحلق طيلة هذه السنوات يمينا وشمالا وكأنّ اليمن بات لقمة سائغة، كان جزء من التوريط وليس من باب النصيحة، لقد سقط فنّ بكامله هو فنّ البروباغاندا والاستهانة باليمن.

هناك الكثير من الوقت تم هدره في مسار تسوية الأزمة اليمنية، ويحضر هنا عنصر الاستهانة بإمكانات هذا الشعب الفقير والذي قاوم ككل شعب تفرض عليه الحرب، فلقد كانت إدارة فاشلة والخسارة فيها متوقعة حيث اليمن كان ولازال مقبرة الغزاة.

بعد عملية “نصر من الله” لم يعد التحالف إن صحّ التعبير يملك المعنويات فضلا عن القدرات الكافية لردّ الفعل، فحكومة الإنقاذ منحت الرياض مهلة وأوقفت إطلاق النار من أجل المفاوضات، وكأنهم يريدون حلّا سياسية شجاعا وعادلا وليس حلا سياسيا تملى فيه الحلول إملاء، غير أنّ هناك ما يؤشّر على وجود تحول في الموقف الدولي والإقليمي من قضية اليمن، وبأنّ خمس سنوات من الحرب التي دمرت وخربت اليمن لم تحقق أهدافها بل زادت في قوة وتماسك الشعب اليمني، حيث بات طبيعيا أن لا بديل عن الحلّ السياسي لنعود إلى البدايات، وهي النتيجة التي لم يختلف حولها من أدركوا إمكانات اليمن وقدرته الفائقة على المقاومة.

حرب اليمن كانت حربا ملتبسة، ولكنها أديرت بعناوين مغشوشة تناقض طبيعة الأشياء، فأمام هذا الاختزال والتشويه كنا أمام سوء تقدير لفهم ما جرى ويجري، فالذي يحارب في اليمن هو تحالف وطني كبير يقاوم في ظلّ حكومة الإنقاذ وينضوي تحت هذه الحكومة الجيش الوطني، لكن الحرب أتخذت أبعادا تبسيطية ولعبت البروباغاندا دورا في هذا الاختزال. ولا ينفع إخفاء الحقيقة حين يتعلّق الأمر بالحرب، ففي نهاية المطاف فإنّ أهل البلد حين يكونون مصممين على المقاومة فسينتصرون مهما كانت قوة عدوّهم، فلقد نظم اليمنيون صفوفهم واهتدووا إلى أساليب متطورة في القتال واكتسبوا خبرة وامتلكوا القدرة على المبادرة وهم في وضعية انتصار كما كان متوقعا. ولم تعد البيئة دوليا وإقليميا تسمح بقيام تحالف لاستدراك ما تمّ تجريبه أصلا، ففي كل بلد نلاحظ طوارئ تشغله وكأنّ التاريخ يعمل لصالح اليمنيين، وهنا يبدو لا محالة أنّ أفضل وسيلة هو تدارك ما تبقى من الوقت من أجل حلّ سياسي سبق لحكومة صنعاء أن نادت به قبل الحرب وأثناء الحرب. لم يعد اليوم هناك ما يمكن تحقيقه عسكريا ضدّ اليمن، وبات الطريق اليوم بعد اختبار صمود اليمنيين معبّدا أكثر من أي وقت مضى للحل السياسي..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى