مقالات

 بعد قرن من سن الغرب قانون المساواة بين البشر يخفق في منع العنصرية،لماذا

سماحة الشيخ أسد محمد قصير حفظه الله.

 إن قتل رجل خنقاً بالأقدام وبدم بارد وبمرأى من الناس من قبل (حراس القانون) جريمة اقشعرت لها قلوب الناس في كل العالم، ولكن ما هو أشد بشاعة أن يسكت زعماء العالم الغربي ومفكروهم – ممن يسمون أنفسهم بالمدافعين عن حقوق الإنسان – عن هذه الجريمة.

⁉ وهذا ليس مستغرباً؛ لأنّهم عودونا أن “نسمع جعجعةً ولا نرى طحيناً “، فقد ملأوا العالم ووسائل إعلامه المختلفة ضجيجاً عن حقوق الإنسان والرفق بالحيوان، مع علمهم أنّ ما حصل في أمريكا ليست جريمة عابرة أو محض صدفة، بل هي واحدة من جرائم تمييز عنصري مستمر منذ قرنين إلى يومنا هذا بحق من اختطفتهم أمريكا من بلدانهم الأفريقية وسرقتهم من بين أهاليهم.

 إن الاحداث الاخير تعبر عن ظاهرة مستشرية في المجتمع الامريكي، وبمراجعة مؤسسات الإحصاء الامريكية تتجلي هذه الحقيقية بشكل واضح، وما يحصل من ردات فعل تدلل على وجود ظاهرة كبيرة وخطيرة من الظلم والتمييز والتنكيل العنصري لذوي البشرة السمراء

  هذه الجرائم لازالت مستمرة، حتى بعد ما أسموه بتحرير العبيد إلى يومنا هذا، والحدث الأخير – قتل جورج فلويد خنقاً – هو واحدة من آلاف العمليات التي يتم فيها قتل ذوي البشرة السوداء على يد الشرطة الأمريكية عند أي حادث أو مواجهة بين رجال شرطة بيض، و شباب سود.

ونذكر هنا عمليات القتل دون غيرها من عمليات الظلم والتنكيل والتمييز العنصري الممنهج الذي يعاني منه ذوي البشرة السوداء؛ لأنّ ما شهدناه من مظاهرات كردات فعل، هي ترجمة دقيقة لما قاله مارتن لوثر كينج الزعيم التاريخي للسود الأمريكيين:(( إنّ أعمال الشغب هى لغة غير المسموعين)).

وهذا الخلل الإجتماعي السيء ليس محصوراً في امريكا، بل يتعداه إلى دول غربية مثل: فرنسا، بريطانيا، المانيا، ويكشف عن فشل المنظومة الفلسفية الغربية في تحقيق العدالة والكرامة الإنسانية للمجتمعات المتسالمة والمتساوية، والسبب في ذلك هو أن أصحاب هذه المدرسة ظنوا أنّ القانون يحقق المساواة بين أبناء المجتمع، مع أنّ القاعدة في علم الاجتماع تقول: *إن القانون لاينجح إذا لم تحقق البيئة المناسبة له، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم: { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }، قاصدا من ذلك تغيير النفوس.

 القضية ليست سن دساتير وقوانين بل يجب على من يطبق القانون ويحمل مسؤوليته أن يقوم بعملية تغيير، وهذا لم يحصل في تلك المجتمعات؛ لأنها لم تجعل من إزالة العنصرية ثقافة وسلوكاً تربوياً وبتعبيرالقرآن الكريم ( تعليم وتزكية)، وهذا هو السبب في عدم نجاح محو العنصرية.

 وعلى هذه القاعدة الإجتماعية نقول لو استمر الوضع في المجتمعات الغربية لقرون كثيرة من دون إيجاد هذا التغيير النفسي وإعداد البيئة الثقافية التربوية، فسيبقى الوضع على ماهو عليه لقرون، وربما يتدهور إلى ماهو اسوأ.

من يراجع المنظومة الإسلامية وقوانينها يجد أن حقوق الإنسان محفوظة، تؤكدها تعاليم القرآن الكريم، حيث تركز على التربية النفسية والتغيير النفسي… { يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ } ،  يعني: التربية والتثقيف، بينما لا نجد هذا عند الغرب، فالمجتمع الغربي يفتقد هذين العنصرين الضامنين للتغييرالحقيقي نحو الأفضل.

إنّ المنهج التعليمي والتربوي الغربي لايعتني بثقافة المساواة ولا بتربية سلوك الإنسان ليتعامل مع الآخر على أنه إنسان، ولا بتغيير تفكير وعقلية الإنسان الأبيض نحو ذوي البشرة السوداء والسمراء، ولا يوجد مؤشرات توحي بتغيير سلوك وممارسات قيادات المجتمع الغربي نفسها، بحيث نرى لدى هذه القيادات توجها نحو إصلاح المجتمع، فتجعل من الاحترام الأساس المرتكز في كل تعامل بينه وبين أخيه المختلف معه في اللون.

 إن ما نشاهده هو تماهي وتمادي  النخب الغربية مع العنصرية والتمييز، وهو ما يكرّس العنصرية والتوحش وسط المجتمعات الغربية، ويخلق بيئة عدائية شوفينية  لا إنسانية – ما لم يعمل على مراجعة كاملة لمنظومته الفكرية – لقرون قادمة.  

 في قبال ذلك نجد أنّ الدين الإسلامي قدم تجربة إنسانية ومدنية حقيقية ناجحة، وذلك ليس من خلال منظومة حقوقية وقانونية وشرعية متكاملة أساسها كرامة الإنسان والمساواة والعدالة بين بني البشر فحسب، بل زرع ثقافة البناء والعطاء، ثقافة الحب والإخاء، العطف والرحمة بين بني الإنسان، جسد ذلك النبي وأهل بيته – عليهم السلام –  في حياتهم، فكان لسلوكهم  – عليهم السلام – الأثر الأكبر في نفس الإنسان.

إنّ منهج قادة وسادة الدين الإسلامي هذا هو الذي  أثّر في الإنسان الجاهلي، فكان مُعيناً له على تقبل هذه الثقافة الجديدة، حيث جعلت من هذا الإنسان الجاهلي المتعصب العنصري الوحشي إنساناً متواضعاً رحيماً مسالماً.

ومثال على ذلك هذا رسول الرحمة – صلى الله عليه وآله – الذي هو مدرسة في التربية والأخلاق يقوم بتزويج من كان عبداً أسود ببنت أعظم وجهاء المدينة، ونرى أيضاً كيف يعلّم أحد أصحابه أن يعتذر لأنه أساء إلى بلال، ويختاره كوزير إعلام له، حيث قال رسول صلى الله عليه وآله: (( إنَّ سِينَ بِلالٍ شِينٌ )).

وإذا ما رجعنا إلى حكومة العدل عند علي – عليه السلام –  نجد أمير العدالة يعيد إلى الموالي حقوقهم كالعرب، فيبين لـواليه على مصر كيف يعامل الرعايا بقوله: (( النّاسُ صِنْفانِ إمّا أَخٌ لَكَ في الدِّيْنِ، أو نَظِيرٌ لَكَ في الخَلْقِ))، فلا فرق بين لون وعرق ونسب وحسب وغني وفقير وحاكم ومحكوم.

 ونجد أيضاً مشهداً جميلاً عند صاحب أول “رسالة في الحقوق “، وهو الإمام علي بن الحسين – عليه السلام – فقد كان يشتري العبيد والإماء في كل سنة ويعلمهم ويزكيهم ويعاملهم بألطف ما يكون ويكرمهم غاية الإكرام، ثم يجمعهم في آخر شهر رمضان ويطلب منهم العفو والمسامحة والدعاء له بالمغفرة ثم يوزع عليهم الهدايا ويعتقهم.

التغيير الإجتماعي لا يتحقق من خلال سن القوانين وكتابة الدساتير، وإنما يتحقق بواسطة تغيير النفوس وتنوير العقول، وهذا ما نجده في الإسلام ومنظومته القيمية المتكاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock