مقالات

تحذير الجميع من دعاة التطبيع

بقلم العلامة/ عدنان الجنيد

ذهب بعض دعاة العلم إلى جواز الصلح والتطبيع مع العدو الصهيوني ، واستدلوا على ذلك (بصلح الحديبية) وبأمور أخرى لا ترقى إلى منزلة الدليل ، ولقد تعجبت من غفلتهم الكبيرة عن آيات القرآن، وعن الجرائم التي يرتكبها الصهاينة في حق إخوتنا في فلسطين طيلة أكثر من نصف قرن، ناهيك عن اغتصابهم للأرض وهتكهم للعرض..
ويكفي للرد عليهم قوله تعالى :
( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِ‌جُوكُم مِّن دِيَارِ‌كُمْ أَن تَبَرُّ‌وهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[الممتحنة :8] .
فمن يمعن فكره متأملاً هذه الآية سيدرك يقيناً أنها تدلنا على أن التعايش لا يكون إلا مع الذين لم يقاتلونا، ولم يلحقوا بنا الضرر والأذى، ولم يتعاونوا مع أعدائنا في حربهم علينا ..
فإذا كانوا كذلك، فيجوز أن نحسن إليهم ونكرمهم كما أخبرنا الله..

أما من قاتلونا وارتكبوا في حق شعبنا الفلسطيني المئات من المجازر التي يندى لها جبين الإنسانية، فضلاً عن تدميرهم للمنازل، واغتصابهم للأرض، وتهجيرهم القسري للآلاف من الفلسطينيين من أراضيهم، ناهيك عن تآمرهم ضد المسلمين، والعمل بكل وسائلهم على تدمير ديننا ومقدساتنا، وسعيهم الحثيث لإفساد المسلمين، فمثل هؤلاء يعدون من ألدّ أعدائنا وأعداء أمتنا الإسلامية، لهذا يجب علينا أن نقطع صلتنا بهم، وأن نتخذ كل الوسائل المتاحة لردعهم وتأديبهم وإيقافهم عند حدهم، وليس هذا فحسب بل علينا أن نعد عدتنا لحربهم وإخراجهم من جميع أراضينا..

فمثل هؤلاء لا يجوز مطلقاً التطبيع معهم بأي شكل من الأشكال؛ لأن ذلك يُعدُّ موالاةً لهم ، يقول تعالى :
(إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَ‌جُوكُم مِّن دِيَارِ‌كُمْ وَظَاهَرُ‌وا عَلَىٰ إِخْرَ‌اجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة :9].

إن فتح أبواب العلاقات مع اليهود الصهاينة، وتبادل الزيارات معهم، والتنازل لهم عن مبادئنا، أو العمل على إرضائهم، كل ذلك يُعدُّ تطبيعاً ومولاةً لهم ، ومن يفعل ذلك يصبح منهم ، ويكون حكمه كحكمهم قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَ‌ىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[ المائدة :51]
فأي مصلحةٍ نبحث عنها، وأي سلام نريده من اليهود وتاريخهم ملطخ بالدماء ونقض العهود والمواثيق؟!..
تلك حقيقتهم وذلك ديدنهم ليس من الآن فحسب، بل منذ أن لعنهم الله على لسان داود وعيسى بن مريم..

لقد ذكر الله اليهود في القرآن الكريم، وتكلم عن خداعهم ومكرهم وحسدهم ونقضهم للعهود والمواثيق في أكثر من آية ، ونجد أكثر من ثلث القرآن يذكرهم بصفات الذم مع بيان حالهم بسطاً وإجمالاً، وتارة تصريحاً وتلويحاً ، قال تعالى :(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِ‌هِم بِآيَاتِ اللَّـهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ‌ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّـهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِ‌هِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا)[النساء :155] .
وكم من مرةٍ عضَّ اليهود يدًا امتدت إليهم بالسلام ، وكم من مرةٍ نقضَوا عهودًا أبرموها ومواثيق عقدوها !!

وهاهو القرآن يبين ويكشف حقيقتهم في غدرهم ونقضهم للعهود، قال تعالى : ( الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ )[الأنفال: 56]، وويقول ○ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: 100].

والآيات من هذا النوع كثيرة، ونحن ماذكرنا إلا أنموذجاً لصفة من صفاتهم الذميمة .
ولهذا نجد أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ما أجلاهم من المدينة إلا بسبب غدرهم ونقضهم للعهود، مع أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – تعامل معهم بكل أمانة وعهد، ولعلّ خير شاهدٍ على ذلك وثيقته الموقعة معهم التي من أهم بنودها :«أنهم مع المؤمنين أمة واحدة، ولكل فئة دينها، وحقها في إقامة شعائرها، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وبينهم النصح والإرشاد، والنصر للمظلوم، واليهود متفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وبينهم النصر على كل من يداهم يثرب، وعدم حماية الظالم والآثم من الجانبين »(1).

لكن اليهود غدروا ونقضوا العهود، فقد غدر بنو قينقاع بعد معركة بدر وانتصار المسلمين على المشركين ، وغدرت -أيضاً- بنو قريضة عهدهم يوم الخندق، والمسلمون كانوا في ظروف قاسية وحصار مطبق من قبل المشركين وحلفائم من اليهود ..

وهكذا بقية اليهود ، فإذا كانت هذه اخلاقهم مع خاتم النبيين -صلوات الله عليهم أجمعين-
رغم علمهم ويقينهم بصدق رسالته واعتقادهم الجازم بنبوته، فكيف ستكون أخلاقهم مع غيره من البشر الذين يرونهم أقل شأناً وأضعف قدراً ؟!..
ولعلّ الكثير يعلم، بل ولم يعد خافياً على أحد ديدن الصهاينة اليهود في نقضهم لكل العهود و المواثيق على مر الأجيال..

أما من يحتجون بجواز الصلح مع العدو الصهيوني والتطبيع معه (بصلح الحديبية)، فهذا يدل على جهلهم المطبق ؛ لأن صلح الحديبية كان عبارة عن هدنة مؤقتة بين النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وبين المشركين، وهذه الهدنة أدت إلى وحدة المسلمين، وتوسع رقعة الإسلام ودخول الكثير من الناس فيه ، ولم يتمكن المشركون من المسلمين .

بينما التطبيع مع العدو الصهيوني الذي مازال يغتصب الأرض ويتوسع في احتلالها، ومازال يشرد الفلسطينيين الذين بلغوا الملايين، فقد أدى -هذا التطبيع- إلى تمكن العدو في السيطرة على بقية الأراضي في فلسطين، وإعطائه الشرعية في هذا الاحتلال لاسيما تلك الاتفاقيات المنفردة ..
إن التطبيع مع العدو الصهيوني لهو جريمة في حق الأمة وأجيالها، ومخالفة صريحة لأحكام الشرع .

وإذا كان الله تعالى قد شرع لنا القتال في سبيله، بل وأوجبه علينا لإنقاذ المستضعفين : (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّ‌جَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَ‌بَّنَا أَخْرِ‌جْنَا مِنْ هَـٰذِهِ الْقَرْ‌يَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرً‌ا) [النساء : 75]
فكيف يجوز الصلح أو التطبيع مع اليهود الصهاينة وهم يقتلون الشعب الفلسطيني ويضطهدونهم بكل أشكال الاضطهاد والتنكيل ؟!..

قال العلماء :» الصلح الشرعي المجمع عليه هو :«الصلح مع الكفار إن دعت المصلحة على وضع الحرب مدةً معلومة إن كان عقداً لازماً، أو مدة مطلقة إن كان عقداً جائزاً، ممكن الفسخ وقت الحاجة..

هذه هي حدود الصلح الشرعي بالإجماع أما الصلح أو الاتفاقيات المتضمنة تنازلات عقدية وإلغاء لأحكام شرعية، فهذا صلح باطلٌ شرعاً بالإجماع، بل هو في حقيقته استسلام ونكوص عن الشريعة، وتخلٍ عن بعض أحكامها » .
قلت :فأيّة سياسة شرعية يبررونها للتطبيع ؟! وأي سلام يدعون إليه؟!

هل السلام الذي يدعون إليه أن يعيش بنو صهيون بسلام على حساب الإسلام والمسلمين ؟!
أم هو السلامُ الذي يحتل الأرض، ويهتك العرض، ويهدمُ البيوت، ويشردُ ساكنيها ، ويحاصر الشعب، ويعتقلُ المئاتَ؟!

أم هو السلام الذي يجعل ردَ الظلم من طرفٍ إرهابًا ومن طرفٍ آخر حقًا مشروعًا وصوابًا؟!..
إذا أردنا السلام فعلينا أن نحرر كل أراضي فلسطين من قبضة المحتلين، وأن نتوحد نحن -المسلمين- ونقف صفا واحداً ضد الصهاينة والأمريكان الذين دمروا شعوبنا وقتلوا رجالنا ونهبوا ثرواتنا ومزقوا شعوبنا ..

يجب علينا أن نتصدى لهم بكل ما أوتينا من قوة؛ لأن الله أخبرنا أنهم أعداؤنا، وأنهم يسعون إلى سلخنا عن ديننا وهويتنا، ولن يرضوا عنا حتى نذوب في ملتهم المنحرفة ومنهجهم الخبيث، قال تعالى :(وَلَن تَرْ‌ضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَ‌ىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)[ البقرة :120].

هذا هو السلام ، وليس السلام التطبيع مع الصهاينة ينابيع الكفر والإجرام ..

المصدر: متابعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock