فكريةمقالات

” حديث الغدير ” (تشكيكهم به – تحريفهم لمعناه – تقليلهم  من شأنه)

بقلم العلامة / عدنان الجنيد

▪️سلسلة شبهات وردود …

 قولهم إن معنى (المولى) – في هذا الحديث : ” من كنتُ

مولاه فعلي مولاه ” – هو الناصر أو المحب أو الصديق، بحيث يكون معنى الحديث (إن علياً نصيركم أو محبكم أو صديقكم بعدي)..

أقول : ما ذكروه -هنا- من أن معنى (المولى) الناصر أو المحب ليس بصحيح ؛ لأن معنى (المولى) غير مقصور على الناصر أو المحب أو الصديق ، بل له معانٍ غير ما ذكروه منها : التابع والحليف والجار (وكل من ولي أمر أحد فهو وليه ومولاه) ، وهذا المعنى الأخير هو المراد من معنى (المولى) في هذا الحديث ، فيكون المعنى ” إن علياً إمامكم وولي أمركم والأولى بالتصرف ” وذلك للقرائن الدالة على ذلك ، وسيأتي ذكرها لاحقاً ..

 فقولهم إن معنى (وليكم أو مولاكم) في حديث الغدير تعني المحب أو الناصر ، فهذا جهل منهم ؛ لأن المحبة والنصرة صفة جميع المؤمنين ،  قال تعالى :(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)[التوبة :71]، أي في المحبة والتناصر ..

إذاً فأية مزية للإمام علي -عليه السلام- في حديث الغدير طالما وأن معنى (المولى) في الحديث تعني المحب أو الناصر ؟!

وقد عرفت أنها صفة كل مؤمن ومؤمنة، فهذا تحصيل حاصل ، أو توضيح الواضحات ، والرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- منزّه عن ذلك، فحكمته البالغة لهي أعظم مما يظنون ،كذلك إن الإمام علي -عليه السلام- منذ نشأته إلى أن وصل مرحلة شبابه إلى يوم الغدير كل سنواته التي مرَّ بها كان رمزاً لنصرة المستضعفين من المؤمنين ومحباً لهم، وإذا كان ذلك كذلك ،فأية خصوصية خصها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- علياً يوم الغدير وصفة النصرة والمحبة لم تفارقه -عليه السلام- منذ سنواته الأولى من نشأته إلى السنة التي كانت فيها حادثة غدير خم ؟!..

إن كلمة (المولى) في الحديث قد وضحتها أحاديث أخرى، كحديث ” وهو – أي علي – وليكم بعدي ” ..

وفي رواية “… وهو ولي كل مؤمن بعدي ” ، وهاتان الروايتان قد سبق أن ذكرناهما آنفاً -في الحلقة السابقة- كاملتان مع تخريجهما ، وهذا ظاهر في ولايته -عليه السلام- على المؤمنين،  فقد قصر الولاية عليه وحصرها فيه.

من القرائن التي تؤكد المعنى الذي ذكرناه من أن معنى (المولى) -في رواية حديث الغدير- تعني : الأولى بالتصرف هي تلك العبارات التي أطلقها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – في خطبة الغدير ، ومعلوم أن خطبة الغدير نجدها متفرقة في مجموع الروايات ، فمن الروايات ما ذكرت خطبة الغدير مختصرة ، ومنها ما ذكرتها بشكل متوسط ، ومنها ما ذكرتها بشكل مطوَّل، وإليك بعضاً من القرائن التي تدل على صحة ما ذهبنا إليه :

  • قوله -صلى الله عليه وآله وسلم- في مقدمة خطبة الغدير : ” ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ” (١)،
  • وقوله : ” ياأيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم … ” (٢)،
    وقوله : ” أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ” (٣)،

ثم يقول لهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بعد أن قالوا له بلى ، يقول لهم وقد أخذ بيد علي : ” من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه .. ” (٤) ..

لاحظ هذه العبارات التي قالها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- هي جزء من خطبة الغدير ، وقد وردت بألفاظ متقاربة ، فهو -صلى الله عليه وآله وسلم – يخاطبهم وكأنه يقول لهم : إذا كنت أنا الأولى بكم من أنفسكم لأني ولي أمركم والمتصرف بجميع شؤونكم ولي ولاية مطلقة عليكم ، فإن علياً بن أبي طالب هو وليكم من بعدي مثلما كنت وليكم في حياتي…

والدلالة على ما ذكرناه هو تقديم قوله – صلى الله عليه وآله وسلم – : ” ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم على قوله : ” من كنت مولاه فعلي مولاه” ، فهذا دليل واضح على صحة ما ذهبنا إليه..

فإذا علمت هذا ، تعلم عدم صحة ما ذهبوا إليه من أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أراد من حديث غدير خم أن يبين لهم بأن علياً محبكم وناصركم..

 ومن القرائن -أيضاً- التي تؤكد صحة ما ذهبنا إليه من أن معنى (المولى) في حديث الغدير تعني مالك الأمر والأولى بالتصرف ، أي من له صلاحية الولاية على أمور الناس ، هي أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في مستهل خطبته نعى نفسه إليهم حيث قال -في مستهل خطابه- : ” كأني قد دعيتُ فأجبتُ … ” (٥) ، وفي رواية الطبراني : ” ياأيها الناس إنه قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا نصف عمر الذي يليه من قبله ، وإني لأظن يوشك أن أُدعى فأجيب …. ” (٦) ..

فلاحظ هنا كيف ينعي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- نفسه لهم ، وما ذلك إلا لأمر هام يريد أن يتكلم به له علاقة بمستقبل الأمة ، ألا وهو الإمامة وولاية الأمر من بعده …

ثم انظر إلى قوله -في نفس الخطبة السابقة التي ذكرها الطبراني- قال لهم : ” وإني مسؤول وأنتم مسؤولون ، فماذا أنتم قائلون ؟

قالوا : نشهد أنك قد بلغت وجهدت ونصحت فجزاك الله خيرا ..

ثم يقول لهم : ” أليس تشهدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن جنته حق وناره حق ، وأن الموت حق وأن البعث حق بعد الموت ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، قالوا : بلى نشهد ذلك ، قال : اللهم اشهد ، ثم قال : ياأيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه، فهذا مولاه -يعني علياً- اللهم والِ من ولاه وعادِ من عاداه ” (٧)..

وهنا نسأل : ماهو الداعي إلى أن ينعي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- نفسه إليهم ؟!..

وأي أمر يُسأل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عن تبليغه ؟!..

وتُسأل الأمة عن طاعتها فيه ؟!..

ولماذا سألهم بقوله : ” أليس تشهدون أن لا إله إلا الله … إلخ ” ؟!..

ولماذا أخذ بيد علي -بعد تلك المقدمة – فرفعها حتى بان بياض إبطيه وقال :” من كنت مولاه فهذا علي مولاه ” ؟!..

هل بعد كل هذا أراد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في خطبة الغدير أن يبين للناس نصرة علي بن أبي طالب للمسلمين ومحبته لهم !!

وهل أراد بعد كل هذا تبرئة عرض علي – عليه السلام- مما تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن !!

فلا أظن أن يقول بهذا عاقل ؛ لأنه لا يمكن أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في ذلك الحدث التاريخي الهام أن يكون مقصوده ما ذكروه !!

فقبل خطبة الغدير يتوقف النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في غدير خم بمكان لا كلأ فيه ولا ماء -صحراء- يلفحها الهجير ، وتلتهب رمالها بوهج الظهيرة فيأمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الناس بالرجوع ، لاسيما الذين تقدموه في سفره إلى المدينة ، ويأمر المتأخرين أن يلحقوه فينتظرهم حتى احتشد بين يديه أكثر من مائة ألف شخصٍ،  ثم يصلي بهم الظهر ، ثم يقوم خطيباً بهم وعلي -عليه السلام- بجانبه ، وفي آخر خطبته يرفع يد علي ويقول : من كنت مولاه فهذا مولاه …

فظروف الخطاب مع الظروف المناخية ناهيك عن الترتيبات -قبل وأثناء حديث الغدير – مع القرائن المقامية التي تزامنت مع نص حديث الغدير وغيرها،

كل هذا يعطينا دلالة كبيرة وهامة على أهمية النص الذي تكلم به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- والذي يخص مستقبل الأمة في الإمامة وولاية الأمر..

المصدر: متابعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock