مقالات

زينب -عليها السلام -.. وتحديات المواجهة..

بقلم/ عدنان الجنيد

▪️الحلقة الخامسة (الأخيرة)
لقد ألقت السيدة زينب – سلام الله عليها – خطبتها أمام الطاغية يزيد غير خائفة منه ولا آبهة به، رغم حرسه المدججين بالسلاح المحيطين به ..
قالت له : ” أمن العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا ، قد هتكت ستورهن ، وأبديت وجوههن …”إلخ(1)
هكذا خاطبته بكل تحدٍ؛ كي يعلم أعيان الشام الحاضرون في مجلس يزيد بأنه ابن الطلقاء، فأبوه وجده كانا من الطلقاء الذين أظهروا إسلامهم وأبطنوا كفرهم وذلك في فتح مكة ..
وهكذا تجد كل خطبتها قوية بألفاظها وأسلوب طرحها والتي من خلالها أثرت تأثيراً كبيراً على كل الحاضرين في مجلس الطاغية يزيد، فقد كانت خطبتها بمثابة توعية كاملة لأهل الشام؛ لأن الإعلام الأموي – منذ أن استولى معاوية على الحكم إلى أن استخلف ابنه يزيد حاكماً على المسلمين – كان قد عمد إلى تزييف الحقائق ونشر الأخبار الكاذبة والحكايات الزائفة التي تستنقص في حق آل البيت، وفي المقابل عمد -أيضاً- إلى وضع مجموعة من الفضائل الزائفة التي ترفع من قدر بني أمية ونشرها بين أوساط مجتمع أهل الشام حتى أصبحوا -أهل الشام- مصدقين ومعتقدين لكل مايلقي إليهم البوق الإعلامي الأموي الزائف..
ولهذا كشفت السيدة زينب -عليها السلام- من خلال خطبتها العصماء كذب وزيف ماكان يقوم به الدور الإعلامي الأموي من ترويجٍ كاذب بكل شجاعة وتحدٍ وإقدام، فلم يثنها عن قول الحق إرهاب يزيد ولا حرسه ولا جلاوزته..
ولهذا نجدها في المقطع الأخير من خطبتها قد توعدت إياه بنهاية فشله وعدم تحقق هدفه حيث قالت له : ” ثُمَّ كِدْ كَيْدَكَ وَاجْهَدْ جُهْدَكَ! فَوَ الَّذِي شَرَّفَنَا بِالْوَحْيِ وَالْكِتَابِ وَالنُّبُوَّةِ وَالِانْتِجَابِ لَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا وَلَا تَبْلُغُ غَايَتَنَا. وَلَا تَمْحُو ذِكْرَنَا وَلَا يرْحَضُ عَنْكَ عَارُنَا. وَهَلْ رَأْيُكَ إِلَّا فَنَدٌ وَأَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ وَجَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي أَلَا لُعِنَ الظَّالِمُ الْعَادِي…”(2)
قلت : لا يتجرأ أن يخاطب الطاغية يزيد بهذه اللهجة القاسية والتعنيفات القوية والعبارات النارية التي أسقطته سقوطاً مدوياً معنوياً، وفضحته أمام جمهوره من أهل الشام على مختلف طبقاتهم – وهو في ذلك الوقت يمتلك القوة العسكرية ولاصوت يعلو على صوته – إلا شخصُُ قد ملأ الله قلبه إيمانا من أخمص قدميه إلى مفرق رأسه، وتوّجه بإكليل الهيبة الجلالية والنور الضيائي..
وهذه الشخصية تمثلت بالسيدة زينب بنت علي بن أبي طالب إمام المشارق والمغارب وأشجع طاعن وضارب..
لما خافت من الله واستسلمت لجلاله ورضيت بقضائه خافها الطغاة والمستكبرون ، فلم يستطع الطاغية يزيد أن يرد على السيدة زينب بأي كلام “فبهت الذي كفر” ..
لقد جسّدت السيدة زينب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ” أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر “..
إن ذلك النصر والابتهاج الذي أبداه يزيد على المجزرة التي ارتكبها في حق الإمام الحسين وأهل بيته، وسبيه لبنات رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قد تحوّل إلى نكدٍ وندم بسبب بغض الناس له ، وذلك ثمرة جهود السيدة زينب سلام الله عليها..
حتى نساء آل معاوية تأثرن بكلام السيدة زينب وبقوة حوارها وجدالها مع الطاغية يزيد وإفحامها له..
ذكر الطبري في تاريخه (3):«فلم تبقَ من آل معاوية امرأة إلّا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين، فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً»..
ويذكر المؤرخون أنّ كلّ ذلك الفرح والابتهاج الذي أبداه يزيد لمقتل الإمام الحسين -عليه السلام- وسبي نسائه، قد تبدّل إلى ندم ، قال ابن الأثير: «وقيل: ولمّا وصل رأس الحسين إلى يزيد، حسنت حال ابن زياد عنده، وزاده ووصله وسرّه ما فعل، ثمّ لم يلبث إلّا يسيراً حتى بلغه بغض الناس له ولعنهم وسبّهم، فندم على قتل الحسين…(4)
وقد أصابت الحقيقة الدكتورة (بنت الشاطئ) عندما قالت: «لم تمضِ زينب إلّا بعد أن أفسدت على ابن زياد وبني أُميّة لذّة النصر، وسكبت قطرات من السُّم الزعاف في كؤوس الظافرين، فكانت فرحةً لم تطُل، وكان نصراً مؤقتاً لم يلبث أن أفضـى إلى هزيمةٍ قضت في آخر الأمر على دولة بني أُمية»(5).
وهكذا ظلت السيدة زينب تفضح بني أمية ، وتبين للناس مأساة كربلاء وماذا جرى فيها ، هكذا في كل مكان تحل فيه، وحتى عندما أرجعوها ومن معها من أرامل وأيتام رسول الله إلى المدينة بينت لأهل المدينة كل ماحدث، وبينت لهم حقيقة وخبث بني أمية..
وما ثورة أهل المدينة، وثورة التوابين، وثورة المختار بن عبيد الله الثقفي، وما بعدها من الثورات إلا بسبب المجهود الإعلامي الكبير الذي قامت به السيدة زينب، لكن بني أمية عندما شعروا أن وجودها في المدينة سوف يؤلب الناس ضدهم، قاموا بنفيها إلى الشام(6) في مكان بعيد وناءٍ عن تجمعات الناس ( قرية من ضواحي دمشق يقال لها راوية ) ، وعاشت بقية حياتها في هذه القرية، لكنها لم تلبث أن توفيت سنة65 وقيل 62 هجرية في هذا المكان، ودُفنت بالمرقد المعروف باسمها(7) ..
وقد ذكر البعض أن قبرها في القاهرة.. ومن الحقيقة بمكان أن المرقد الذي يكمن في القاهرة إنما يخص السيدة (زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب) عليهم السلام(8)..
وأما من يقول: “إن قبرها بالمدينة” فليس له أي برهان في ذلك، بل مجرد تخمين فقط .
فسلام الله على السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب المُكناة (بأم كلثوم)
سلام الله عليها حين ولدت وحين ماتت وحين تبعث حية..
فما أحوج أمتنا الإسلامية إلى السير على هذا النهج الحسيني الزينبي، بحيث لا تقبل الذل والهوان ، ولاتنبطح للصهاينة والأمريكان..
وماأحوج نساء المسلمات إلى الاقتداء بالسيدة زينب في تضحياتها وصبرها ورباطة جأشها، وفي تحملها المتاعب والمصاعب في سبيل الحفاظ على الدين والمبادئ الإسلامية .

المصدر: متابعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock