مقالات

قائد الثورة: جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر.. وصمة العار الأبدية والمأزق الحقيقي لأعداء الإسلام

الثورة / عبد القادر عثمان

تسعى قوى الغرب التوسعية إلى تقديم نفسها كمنقذ للبشرية ومصلح لحالة الاعوجاج في المجتمعات والأمم في الوقت الذي تعمل فيه بكل جدية لإحداث الخلل وزعزعة الحياة الطبيعية واستهداف الهوية وتسخير الشعوب لخدمتها. تناقض يراد من خلاله خلق صورة جميلة عن قوى إجرامية شهد التاريخ على يديها أبشع الانتهاكات والمذابح في تاريخ البشرية. من بين تلك القوى فرنسا، ولعل بلد المليون شهيد يحتفظ بصورة حقيقية عنها.

خلال كلمته التي ألقاها في اجتماع موسّع بحضور العلماء ومسؤولي الدولة تدشيناً للمولد النبوي الشريف 1442هـ، وجه قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كرد على إساءة الأخير للدين الإسلامي والسخرية من واقع الأمة.

وقال السيد عبد الملك إن “التصريح الأخير للرئيس الفرنسي الذي يسيء للإسلام هو من أشكال التعبير العدائي للأمة الإسلامية”، مؤكداً أن الأزمات التي يعانيها المسلمون ما هي إلا نتاج ما فعله الاستعمار الغربي، كالذي فعلته فرنسا في الجزائر. وأضاف مخاطباً ماكرون: “وصمة العار الأبدية التي ستستمر في واقعكم هي ما فعلتموه خلال استعماركم للجزائر واستمراركم في تبرير تلك الجرائم الفظيعة”.

لقد اعتمد السيد الحوثي في رسالته على شاهد تاريخي هو الأبشع والأكثر دموية في تاريخ الأمة الإسلامية.. شاهد لا يذكر اسم الجزائر دون أن يكون حاضراً، فبلد المليون شهيد لا يزال يخبئ في صفحات تاريخه مجازر الاستعمار الفرنسي التي أريد من خلالها تدشين مشروع طمس الإسلام وإنهاء وجوده، غير أنه فشل في أول بلدٍ وهب الحرية والثورة والاستقلال ثلث أبنائه، على الرغم من وحشية المستعمر وبشاعة انتهاكاته.

بداية الاستعمار

رسمياً كان السبب للحرب الذي استخدمه الملك شارل العاشر لتبرير غزو الجزائر عام 1830م هو رفض فرنسا تسديد ديونها مقابل الحبوب التي زود بها التجارُ الجزائريون جيشَ نابليون الفرنسي خلال “الحملة الإيطالية” تحت حكم الجمهورية الأولى؛ إذ طالب الداي حسين، حاكم الجزائر العثمانية، عام 1827، بسداد الديون من القنصل الفرنسي بيير دوفال، لكن الأخير رفض فرد عليه الداي بصفعه بمنشة الذباب، ووصفه بأنه “نذل شرير، كافر، ومن عبدة الأوثان”، ولذا ظهر الملك شارل أمام مجلس الشعب الفرنسي في 2 مارس ١٨٣٠م، ليقول إن هدف الحرب هو الانتقام للفرنسيين من الإهانة الجزائرية للقنصل و”إنهاء القرصنة، وإدخال الجزائر في الديانة المسيحية”.

من خلال ذلك يتضح جلياً أن الغزو الفرنسي للجزائر والذي بدأ منتصف يونيو 1830م، كان غرضه القضاء على الدين الإسلامي وسلب أموال المسلمين وأرواحهم، فإلى جانب المليون شهيد سقطوا بآلة الحرب الفرنسية عمل الاستعمار على تغيير لغة البلد العربية إلى الفرنسية وحوّل المساجد إلى كنائس وكاتدرائيات، وقامت فرنسا المفلسة مالياً بنهب خزينة الجزائر، وسرقت ما يزيد عن 43 مليون فرنك من الذهب والفضة، إضافة إلى المبالغ التي اختفت وتلك التي أنفقت على جيش الاحتلال. وإلى جانب تلك الأسباب كان لشخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل سنة 1830، أثرا في الحقد الذي تعرضت له من المستعمر.

الإبادة الجماعية

من الشواهد التاريخية على بشاعة الاستعمار الفرنسي للجزائر جريمة “قبيلة العوفية” (ضواحي مدينة الأربعاء بالبليدة)، في أبريل 1832م، عندما أبادت قوات الاحتلال سكان القبيلة بشكل كلي وعددهم 1200 جزائري، إلى جانب جريمة “غار الفراشيش أو الفراشيح” (بجبال الظهرة)، في 20 يونيو 1845م، التي تمثلت في إبادة وحرق أبناء قبيلة أولاد رياح (على بعد 80 كيلومتراً من مدينة مستغانم) داخل مغارة بعد أن حاصرهم المستعمر، وانتهى الحصار بتفجير المغارة مخلفاً ما يربو عن ألف شهيد من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال.

لكن الثامن من مايو 1945م، سجل أكبر مجزرة في تاريخ البشرية على أيدي الفرنسيين. كان ذلك بالتزامن مع انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، التي قدم فيها الاستعمار أبناء الجزائر كباش فداء في محاربة الألمان بقيادة أدولف هتلر، للدفاع عن فرنسا التي يحتلها جيش الفوهرر بينما تحتل هي الجزائر. وعند انتهاء الحرب خرج مئات الآلاف من الجزائريين، في 8 مايو للاحتفال، ولمطالبة فرنسا بالوفاء بوعدها بمنحهم الاستقلال، لكن قوات الاستعمار استخدمت الرصاص الحي، وقتلت بين 45 ألفا إلى 70 ألفا من المتظاهرين العزل خلال يوم واحد.

وفي ديسمبر عام 1960م، عاد الشعب الجزائري مطالباً بحقه في الاستفلال بمظاهرة سلمية على مرأى ومسمع من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أن الفرنسيين باشروا بالاعتداء عليهم فأحصت جبهة التحرير الوطني وحدها ما يربو عن 800 شهيد، بينما اعتقل أكثر من 1000 جزائري، بينما تعرض السكان وهم يدفنون شهداء الانتفاضة للقتل من قبل الحملة الفرنسية، إلى جانب ذلك تذكر الشهادات الحية التي أرخت لتلك المظاهرات، أن الجيش الفرنسي قام بدفن الجرحى وهم أحياء في مقابر جماعية، وأرفقت في العام بمجزرة أخرى ارتكبت في حق المهاجرين الجزائريين بتاريخ 17 أكتوبر 1962، حيث رُميّ بالمتظاهرين أحيانا في نهر السين.

تجارب نووية وتجهيل

في فبراير من العام 1960م، بدأ الاستعمار بإجراء التجارب النووية في حمودية بمنطقة رقان في صحراء الجزائر، حيث أنشأت المركز الصحراوي للتجارب النووية العسكرية عام 1957م، ليعقبها سلسلة تفجيرات سطحية وباطنية متتالية بين سنتي 1960 و1962م، كان من نتائجها انتشار الأمراض الخطيرة كالسرطان، وأمراض العيون وفقدان البصر، إلى جانب حالات الإجهاض والعقم وحدوث النزيف الدموي، بالنسبة للنساء وحتى الحيوانات، وارتفاع الوفيات بين الأطفال حديثي الولادة، وكذا التشوهات الخلقية، وخلفت إشعاعات نووية في المنطقة وما يحيط بها، لن تزول إلا بعد آلاف السنين، كما أعقب تلك الفترة انتشار الطاعون الذي قتل نصف مليون جزائري.

كان غرض فرنسا من ذلك مواكبة التطور العلمي في التصنيع العسكري، وفي الوقت ذاته كان قد دمر الاستعمار المؤسسات التعليمية خاصة الدينية، أو قام بتحويلها إلى كنائس واسطبلات وثكنات، إذ كان عدد المؤسسات قبيل الاحتلال تتجاوز 176 مؤسسة في مدينة الجزائر وحدها لم يبق منها سوى خمس مؤسسات فقط سنة 1899م، أحصى كاتبا هولنديا عددها في الجزائر بـ 700 مؤسسة دينية خلال القرن 17 تم تحويلها أو تدميرها من قبل الاحتلال، ما أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية من 5% قبل، إلى 96% بعد الاحتلال.

كما ارتكبت حركة الجيش السري (O.A.S) جرائم تعددت بين تقتيل جماعي، تفجيرات عشوائية، تخريب للممتلكات.. إلخ، على غرار تفجير مكتبة جامعة الجزائر وحرق محتوياتها باستخدام ثلاث قنابل فسفورية في عام 1962م، ما انتهى بإتلاف ما يربو عن الـ 300 ألف كتاب، من أصل 600 ألف، تنوعت بين المخطوطات والكتب المطبوعة والمجلات والجرائد والدوريات، إضافة إلى التصفية الجسدية للكتاب والمفكرين، أمثال الكاتب مولود فرعون في مارس من العام ذاته.

أحياء وأموات

عمل الفرنسيون على إنشاء ما أسموها بـ “مملكة البؤس”، والتي ذكرها ووصفها المؤرخ الفرنسي “جاك ما دول” بقوله: “إذ غضضنا النظر عن المحلات الفاخرة، وعن القرى النظيفة والأنيقة وعن الطرق المعيدة، والمزارع المزدهرة، أحسسنا أننا نخطو أول خطوة نحو مملكة البؤس”، بينما صرّح الجنرال الفرنسي “بيجو”، صاحب سياسة الأرض المحروقة في الجزائر، في العشرية الأولى لبداية الاحتلال بقوله: “إن نزع ملكيات الجزائريين، هو الشرط الأول الذي لا مفرّ منه لتثبيت أقدامنا في أرض الجزائر”. لقد عمد الاستعمار إلى نهب أراضي المزارعين وحوّلهم إلى أجراء يعملون معه بالأجر اليومي، وصادر من أراضي الجزائريين ما بين 1840– 1950م، حوالي 2.7 مليون هكتار.

كما عمل على إنشاء خط موريس أواخر سنة 1956م، وخط شال سنة 1958م، وكلاهما عبارة عن حقل ألغام محصور بالأسلاك الشائكة المكهربة بقوة 5000 و6000 فولت، بعرض 6 إلى 12متراً وحتى 60 مترا في بعض المناطق، وعلى امتداد يتراوح بين 400 و700 كيلومتر، وبعرض يتراوح بين 30 و50 كيلومتر، ضمت بداخلها ما يربو عن 11 مليون لغم، لا تزال ثلاثة ملايين منها مزروعة حتى اليوم.

وإضافة إلى ذلك، سجل المؤرخ الدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه “الحركة الوطنية”، وذكر حمدان خوجة في مذكراته، ما ارتكبه الفرنسيون من انتهاك بحق المقابر، إذ عملوا على نبش المقابر الفرنسية وتهريب عظام الموتى المسلمين من الجزائر إلى فرنسا، لاستخدامها في إنتاج فحم العظام، وتبيض السكر، وهو ما أثبتته التقارير الطبية لأطباء فرنسيين.

خلاصة
ما سبق ذكره ليس سوى نموذجا مختصرا لجرائم فرنسا بحق الجزائريين، والتي وصفها قائد الثورة بأنها “وصمة العار الأبدية”، والتي تتجاوز في فداحتها تفاصيل أكذوبة الهولوكوست، لكن وكما هو محرم على أحد في فرنسا إبداء أي رأي ينتقد الصهيونية أو يتعرض لها، أو حتى يشكك في الهولوكوست وجرائم الإبادة المزعومة ضد اليهود، حسب ما أشار إليه السيد عبد الملك في كلمته يوم أمس، فإنه أيضا محرم على أي فرنسي أو أي إنسان مهما كانت هويته يقيم في فرنسا أو أوروبا أن يذكر الفرنسيين بجرائمهم التي تجاوز ضحاياها المليون مواطن جزائري، منهم فقط 300 ألف قتلوا في مجازر جماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock