مقالات

مأساة كورونا صراع الموت والحياة

مأساة كورونا صراع الموت والحياة

دكتور أحمد راسم النفيس

(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) 26-27 آل عمران
(تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) تبارك 1-2.
الموت وجود مخلوق وهو ليس فناء وعدما بل بداية لوجود جديد (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
الموت نوعان موت الأفراد وموت الكيانات حيث ينتقل الأفراد إلى عالم البرزخ أما الكيانات ولأن الكون لا يقبل الفراغ فيجري استبدالها وفق قانون الاستبدال (فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ)….. (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) (29) الدخان.
هذا عين ما يجري الآن في ساحة واسعة على امتداد الكون.
كيانات تموت وتتفكك وتتلاشى ليخرج من بين أنقاضها عالم جديد.
هي ليست النازلة الأولى من نوعها في التاريخ لكنها مؤشر على انتهاء مرحلة من التاريخ استحقت الموت رغم أن البشرية قد وصلت إلى ما تظنه ذروة الحضارة وظن أهلها أنهم قادرون على فعل كل ما يحلو لهم (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا)!!.
قليل هم من قرأوا القرآن بعين فيلسوف السياسة والاجتماع المتأمل في آثار الأمم ومآلاتها ولماذا سقط الكثير منها رغم أنهم كانوا أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون.
لم ينته الزلزال بعد ولا زال الوقت مبكرا قبل حصر آثاره كما أنه لا مكان للكسالى الواهمين الذين ينتظرون أن تسقط الثمرة في حجرهم وهم قعود لا يكلفون أنفسهم حتى طلب الغوث والمدد من إله الكون ولا يفكرون في عقد مصالحة معه ولا مع عباده المظلومين المضطهدين.
لسان حال بعضهم يقول سقطت الرأسمالية وستأتي الاشتراكية وأنا الرأسمالية وعندي ميول يسارية ومسحة نازية ولي جذور إسلامية وأحب أمريكا وأكره إسرائيل ولدي ضرس قاطع يؤهلني لالتهام الثمرة الساقطة فأنا الأول والآخر وأنا الألف والياء وأنا رجل كل المراحل والعصور!!.
لا تنس أيضا أنني ضد الطائفية ولذا أحب صلاح الدين وأبارك ما قام به من سحق جماجم الفاطميين وأرفض سحق جماجم الفلسطينيين رغم أنني من الشيعة الرافضيين!!.
لاحظ أيضا أن الشيخ (تاجر العلامات) ينفي قرب الظهور لأن هذا يعني أن تجارته ستبور وهو ما زال في انتظار (خسف حرستا) وموت مائة ألف أو يزيدون رغم أن من مات حولها يفوق المليون فالرجل لا يعنيه إلا الحفاظ على (الزبون)!!.
هؤلاء وغيرهم من أساتذة فن التلفيق يصرون على البقاء على قمة المشهد رغم أنهم بالموت المعنوي مهددون لا لشيء إلا لأنهم في البقاء راغبون وعن الآخرة معرضون!!.
الأرض ماتت تحت وطأ أقدامهم والأنفاس كتمت ومن لم يمت بالدعس مات خنقا لأنهم منعوا عنه الهواء وطالبوه بثمن الأوكسجين!!.
الحقبة السابقة برموزها وتلاوينها وطباليها ومنشديها تلفظ أنفاسها الأخيرة انتظارا لبزوغ حياة جديدة وهذا معنى قوله تعالى (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (17) الحديد.
هل يظهر المهدي غدا أو بعد غد؟!
معلوم أن مهمة المؤمنين في زمن الغيبة هي تذكير الناس بيوم الله الآتي وبوعده الصادق وليس الاتجار بالعلامات وادعاء التفوق المعرفي فأنصار الإمام هم من المستضعفين المتطلعين لدولة العدل الإلهي.
أنصار الحجة بن الحسن مختارون على علم على العالمين (أُولَئِكَ وَاللَّهِ الْأَقَلُّونَ عَدَداً وَالْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْراً يَحْفَظُ اللَّهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ وَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ).
لا تتجه البشرية نحو الفناء النهائي كما نعتقد جازمين لكنها تنتقل قطعا نحو خلق جديد لن يكون وفقا للقواعد القديمة البالية التي أوصلتنا إلى هذه المصير البائس.
تحتاج البشرية إلى وقفة جادة مع النفس تتجاوز إغلاق البارات والمواخير إلى سد باب الظلم والعدوان وإقامة العدل بين الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock