مقالات

نقد العلمانية الجزء 1

ما سوف نقوم به في هذه السلسلة هو تحليل ونقد مبادئ العلمانية الاساسية بدون الرجوع الى النصوص الدينية بمعنى اننا سوف نكون طرف “محايد” في هذه العملية ولن ننطلق من منطلق معادي للعلمانية في نقد العلمانية

ويمكننا تعريف العلمانية هنا بانها فصل الدين عن الدولة وقرارتها ولا يقصد هنا علمنة المجتمع او الثقافة بل ان القرارات التي تأخذها الدولة تكون مبنية على التفكير المادي البحت

بمجرد اننا عرفنا العلمانية بهذا التعريف فنحن قد اقصينا القائمة الاكبر من المبررات المزعومة للعلمانية مثل التسامح والديمقراطية و حقوق الانسان والتقدمية وما شابه لانه ببساطة من الممكن ان تفعل الدولة اشد الافعال قذارة من باب العلمانية ايضاً

ولنفترض انك عزيزي القارئ قد طلبت اللجوء الى دولة علمانية ذات شعب متدين واحد مكارم الاخلاق عند ذلك الشعب هو اغاثة الضعيف وهذه المكرمة نابعة من دينهم وبالتالي ارادة هذا الشعب هو استقبالك ورعايتك

بالمقابل الدولة العلمانية بتفكيرها المادي ترى بأن سوف تشكل عالة بل وربما وجودك سوف يهدد السلام الاجتماعي في الدولة كما انك ربما تكون عامل تغيير ديمغرافي في هذا المجتمع

من هنا الدولة العلمانية يجب ان ترفض استقبالك بناء على انها لا تتخذ قراراتها الا من باب المصالح او المضار المادية المترتبة

الى هنا نحن نقضنا بعض الخرافات الشائعة عن العلمانية ولكن هذه ليست الخطوة الاولى

لنعرف ما هو الدين حتى نعرف ما الذي يجب ان نفصله او لا نفصله

ولعل اشمل تعريف للدين هو ما كتبه المؤرخ والمفكر الي_هودي يوفال نوح هراري

Religion can thus be defined as a system of human norms and values that is founded on a belief in a superhuman order

الدين اذن يمكن تعريفه على انه نظام من العادات والقيم البشرية المبنية على الايمان بالنظام الفوق بشري

كما ترى هكذا تعريف ينطبق بشكل كامل على كل الاديان بالمفهوم البديهي ولكنه ينطبق ايضاً على البوذية والنازية وحتى الليبرالية

كل هذه الاديان هي اديان من نوع اخر

البوذية لا تسند دينها الى خالق بل الى القانون الطبيعي

النازية تزعم ان البشر يجب ان ينقسموا الى اقوياء وضعفاء بناء على جيناتهم وبالتالي هي الاخرى مبنية على الايمان بنظام فوق بشري قائم على الطبيعة المادية الجينية

كذلك الليبرالية القائمة على ايمان فوق بشري ان الانسان كفرد يملك داخله حقوق اساسية بديهية لا تحتاج الى اثبات

وفق تعريفنا للدين اذن فأن الدولة يجب ان تكون بشكل اصح الفصل بين اي ايدلوجية والدولة وهكذا امر مستحيل الحصول لأن الايدلوجية هي شيء اساسي في الانسان لا يوجد انسان خام بدون ايدلوجيا في تاريخ البشرية حتى البدوي لديه فكرة عن كيف يجب ان يكون حال المجتمع

اذن وصلنا الى حافة ليس بعدها الا الغرق في البحر

ولكن بالطبع لا يوجد اي علماني يتبنى هذا التعريف لأنه بوضوح يسقطهم بحرج كبير

لذلك اصبح التعريف الافضل هو الفصل بين الدين والدولة ولكن كما بينا عزيزي القارئ العلماني هنا يعتمد على المترسخ في دماغك عن كلمة دين وليس عن التعريف العقلاني لكلمة دين انت عندما تسمع دين لن تفكر بملحد يعيش في امريكا يناضل من اجل حقوق الش_واذ او حقوق الاجهاض كما يسميها بل سوف تفكر بشخص على رأسه عمامة يصلي

هنا نعود الى المدون الامريكي كرتس يافن المعروف ايضاً ب منشس مولدباغ والذي بلور هذه الفكرة فقال اننا يمكننا تقسيم الايدلوجيات الى اديان فنبدأ بدين بلا اله مثل الالحاد والبوذية او النازية او الشيوعية او الاشتراكية ونسميه areligion ثم بدين له اله واحد ولنسميه unireligion ودين بألهين direligion ودين بثلاث الهة trireligion ودين بحافلة الهة polyreligion

وهنا افتراض حيادية الدولة العلمانية سقط بدون رجعة لأنه كما قلنا لا دولة بدون دين من فئة areligion

وبالتالي العلمانية اتضح لدينا بواسطة ابسط تعريف على انها ايدلوجية عقيمة ولدت ميتة فلسفياً على الاقل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق