مقالات

هذا ما نفهمه من مقولة « القتل أولى من ركوب العار »:

السيد أبو جواد التونسي
حبيب مقدم

قبل الحديث عن أبعاد هذه المقولة، وعلاقتها بحركة كل مؤمن في هذه المرحلة الصعبة والحساسة، وقبل الحديث أيضا عن الظروف المحيطة بصاحب هذه المقولة لحظة قوله مقولته، لابد أن نعلم وندرك حقيقة أنّ القائل لهذه المقولة هو ذاك الرجل الذي يعيش في داخله المسؤوليةَ في أعلى مراتبها ومعانيها .

لأنّه أولا : هو مسؤول وكذلك مُستَأمنٌ على دين المولى تعالى ، بنص من نبي الله محمد (ص) ، حينما قال : « ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا » ، و ثانيا : هو مسؤولٌ أمام المولى تعالى على جميع أفراد هذه الأمّة، بلحاظ كونه إمامًا وخليفةً بعد أخيه الإمام الحسن بن علي (ع) .

وهذا يُفِيدنا ، أنّه (ع) لم يقل مقولته نتيجةً لذاك الظرف المرير الذي كان يعيشه، أو نتيجةً لشعوره الداخلي الذي لا يمكن أن يتحمّله قلب رجل، بل إنّه (ع) وعندما رفع صوته بهذه المقولة كان في مقام تقريرِ وتحديدِ التكاليف و المواقف التي تَفرضها قيم ومبادئ مدرسة الإسلام المحمَّدي، والتي تُوجِب على كل فردٍ من المؤمنين التَمسك بها مهما كانت قسوة وصعوبة الحالة التي يمرًّ بها الفرد …

وعليه ، فكلامنا هنا سيدور حول ثلاثة نقاط أساسية :
• النقطة الأولى : معنى المقولة وأبعادها .
• النقطة الثانية : أبعاد الظرف الذي كان يعيشه (ع) حين قوله مقولته .
• النقطة الثالثة : المواضع و الحالات التي تَتَنَزَّلُ فيها هذه المقولة .

فبداية نقول : أنّ الكتب التاريخية ( منها كتاب مقتل الحسين (ع) لأبو مخنف الأزدي ص 197 ، وكتاب مقتل الحسين (ع) لابن طاووس ص 70 ) التي رصدت واقعة كربلاء، نقلت لنا مقولةً كان قد رفعها الإمام الحسين بن علي (ع) في يومِ العَاشر من مُحرمِ الحَرَام ، بل في الواقع هو موقفٌ اتخذه الإمام الحسين (ع) في سياقٍ الإحساس بالمسؤولية، وهي قوله (ع) :

القَتْلُ أَوْلَى مِنْ رُكُوبِ العَارِ ـــــــــــــــــــــــــــــ وَالعَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ

فهنا نجد أنّ الإمام (ع) قدَّم القتل في سبيل القضايَا المُحِقَّة الذي هو عينُ سبيل المولى تعالى، على أن يَذلَّ ويستسلم لـــ « يزيد بن معاوية » فيركبه العار المترتّب على الخنوع والخضوع، ولكنّه أيضا قدَّمَ ركوب العارِ الذي سيترتَّب على ما سيحدث لنسائه وبناته من سَبْيٍ وتنكيلٍ على دخول النّار بسبب تركه وتَخَلِّيهِ عن تأدية التكليف بجهاد الظالمين الطغاة، الذي هو الآخر موجبٌ لغضب المولى تعالى وبالتالي دخول النَّار .

فالإمام (ع) يُقرِّرُ لنا الموقفَ الذي يجب على كلّ مُؤمن اتخاذه حين تَزَاحُمِ عناصر مقولته المذكورة « القتل ، والعار ، ودخول النّار » ، بل إنه (ع) يَرسُمُ ويُرتّبُ لنا هذه العناصر الثلاثة التي لا تخلوا منها حركة المؤمنِ الجهادية .

فيُشير (ع) إلى أنّه و عندما يتزاحم لدى العبد المؤمن والإنسان الحر، الموت والعار ، بحيث يكون مضطرًا لاختيار أحدهما دون الآخر ، يَلزَمُه حينئذٍ أن يُقدِّمَ الموت قتلا في سبيل القضايا المُحِقَّة على أن يركبه عارُ الذُلِّ و الإستِسلاَم، ولكن عندما يَتَزَاحَم ركوب العار مع دخول النّار، الذي هو نتيجة حتمية لتَحَقُّقِ غضب المولى تعالى على عبده لتركه التكاليف الشرعية، لا مجال للعبدِ المؤمنِ حينئذ إلاَّ أن يُقدِّمَ في سُلَّمِ أَولَوِيَاتِه دخول النّار على ركوب العار .

وعليه ، فما يمكن أن نَفهمَه مِن هذا هو أنّ الثقافة والفكر الحُسَيني الجهادي، المبنيان على المبادئ الحقة للإسلام المحمّدي، لا تُقِرُّ ولا تعترف بتَقَدُّمِ شئ على طاعة ورضا المولى تعالى، مهما كان لهذا الشيء من اعتبارٍ أو شأن .

وهذا الترتيب الذي تضمّنه موقف الإمام (ع) ، و الذي نرى فيه أنّ طاعة المولى تعالى في ما يرضيه متقدّمة على كل ماله اعتبار وقيمة في هذه الحياة الدنيا، يتعارض تماما مع ما عليه باقي المدارس بمختلف مشاربها، وأيضًا هو مخالفٌ لما هو مرتكزٌ في ثقافة الكثير من المسلمين، والتي تُعبّر عنها مقولة « عنتر ة بن شدّاد » في قصيدته المعنونة بـــــــ « حَكِّم سُيوفَكَ في رِقابِ العُذَّلِ » حينما قال :

ماءُ الحَياةِ بِذِلَّةٍ كَجَهَنَّمٍ ــــــــــــــــــــــــــــ وَجَهَنَّمُ بِالعِزِّ أَطيَبُ مَنزِل

والتي تُقَدّم القتل على الذلّة والعار، لأنّ الحياة مع الذلّة في نظره جهنّم ، وكذلك يرى أنّ العزّةَ -المقابلة للذلّة – وإن كانت مصاحبةً لجهنّم فهي أطيب المنازل .

وعليه ، فعنترة ومَن يَتبنَّى مقولته يجعلون العزّة في مقدّمة سُلَّم اهتماماته، ولا يتقدّمها حتى طاعة ورضا المولى تعالى ، بينما نجد الإمام الحسين (ع) يعلّم المؤمنين أنّ العزّةَ في الدُّنيا إذا استوجبت جهنّم وغضب المولى تعالى لا تتقدّم على ذلّةِ وعارِ الدنيا أبدا .

أمّا لو عدنا للظرف الذي مرّ به و كان يعيشه الإمام الحسين (ع) حين قال مقولته، سينكشف لنا مصداقًا من البلاء الذي لا يمكن وصفه إلاّ بكونه عظيمًا، لأنّه مهما بلغ بنا نحن البلاء من درجاتٍ عالية لا يمكن أن يصل لتلك الدرجة التي عاشها الإمام الحسين (ع) في كربلاء .

فدرجة البلاء التي بلغها الإمام الحسين (ع)، تُزيل صفة الشرعية والواقعية من كل المبرّرات التي يمكن أن توجِدها النّفس البشرية، من أجل الاستناد عليها في الهروب من مواجهة المخاطر المترتّبة على تأدية التكليف الشرعي في الدفاع عن القضايا المحقة وعن المستضعفين في الأرض، قربةً لله عزّ وجل وامتثالا لأوامره .

فنحن وعندما نستقراء أصناف ما تعرّض له الإمام الحسين (ع) من البلاء، ثمّ نعمل على مقارنته بما نحتمل أنّنا سنتعرض له في مواجهتنا لأعداء الأمّة والإنسان، وكذلك ما يمكن أن يترتّب على مواجهتنا من نتائج سلبية علينا وعلى أهلينا، سنجد الفارق بين ما عاشه الإمام (ع) وبين ما سنواجهه نحن شاسعٌ ، بل إنّ ما يُحتَمَل أن نواجهه نحن لا يكاد يكون ذا قيمة أمام ما مرّ به وما عاشه إمامنا وقدوتنا الحسين بن علي (ع) .

فصعوبة الظرف وحجم البلاء الذي مرّ به الإمام الحسين (ع) قبل قوله مقولته، لم يتحقّق مِثلَه وبشدَّتِهِ لأَحَدٍ من البشرية عبر تاريخ الإنسانية في صراعها مع الظلم والطغيان .

فرجل مثله وَاجَه الغدر في أبشع صوره، وكذلك عاش الخذلان من أبناء الأمّة رغم اقرارهم بمكانته الدينية وقرابته من الرسالة المحمدية، ورجل مثله تجرّع غُصَص التنكيل به وبأطفاله ونسائه وأهل بيته وأصحابه، حتى مُنِع عنهم ماء الحياةِ لأيام في الصحاري القاسية، ورجلٌ مثله كان يشاهد بأُمّ عينه كيف أنّ أصحابه وأبناءه مع أبناء أخيه وقرابته، يتساقطون مضرجين بالدماء الواحدَ تِلوَ الآخر، ثم نجد أنّه كان يعلم ويدرك ما ستواجهه نسائه وبناته من سَبْيٍ وتنكيلٍ و تعذيبٍ مِن بعد رحيله عنهم، فرجل يعيش كل تلك الآلام الشديدة وكل تلك الأوجاع المقيتة، ثمّ يقف وحيدًا في مواجهة الآلاف، وهو يرتجز بهذه المقولة .

فأمام مثل هذا الظرف، وأمام مثل هذا الإمام، لا يمكننا إلاّ أن نقول : أنّ ما مرّ به الإمام الحسين (ع) لهوَ حجّةٌ واضحةٌ على كل من ينساق وراء المبرّرات النفسية الواهية للهروب من تأدية تكاليفه الشرعية .

ومن هنا نتمكن من فهم الموارد والحالات التي تَتَنزل فيها هذه المقولة، لتَكُون موقفًا دافعًا لنا نحو الإنسجامِ مع ما يقتضيه التكليف الإلهي ، وبالتالي نكون متوافقين مع ما يريده المولى تعالى لعبده المؤمن، فالسياق الذي جاءت فيه مقولة « القتل أولى من ركوب العار – والعار أولى من دخول النّار» والظرف الذي تولّدت فيه هذه المقولة، يكشف لنا:

• أولا : أنّ صاحب المقولة (ع) لم يَقُل ما قاله لتصبح هذه المقولة عبارةً عن شعارٍ يُرفع في المناسبات الخاصة .
• وثانيّا : لم يتحمّل ما تحمّله لتُنَزَّل هذه المقولة في كل الموارد كيفما اتفق، بل حجم البلاء الذي تحمّله إمامنا الحسين (ع) ، يُعْلِمنا بوضوحٍ أنّ هذه المقولة قيلت لتكون موقفًا في أشدّ حالات البلاء والإمتحانات ، وأكثر الظروف ألمًا ووجعًا .

وخلاصة كل هذا أمران

الأول : أنّ هذه المقولة متعلّقة بالدرجة الأولى بأصعب وأشدّ الحالات و المواقف التي يمكن أن يتعرّض لها العبد المؤمن في حركته الجهادية حین الدفاع عن الدين والأرض والعرض، وبالتالي فمهما اشتدَّ وصعُب الظرف الذي نواجهه أثناء حركتنا الجهادية، لابد أن يكون موقفنا مطابقًا لمفادِ هذه المقولة حين مواجهة العدو، كما هو الحال في أيامنا هذه مع تلك الدول المستكبرة الطامعة والجماعات التكفيرية الظلامية .

الثاني : أنّ الموقف الذي يجب على المؤمن اتخاذه حين مواجهة العدو، وعندما يتزاحم موته مع الذلّة وركوب العار، عليه أن يقدم ويختار الموت على الذلّة وركوب العار، ولكن عندما تتزاحم الذلّة وركوب العار مع غضب المولى تعالى ودخول النّار، فموقف العبد المؤمن هو أن يختار الذلّة والعار على أن يُغضب الله عليه وبالتالي يُسْتَوجب عليه دخول النّار ، لأنّه وكما هو معلوم من نصوص كثيرة: أنّ الذلّة والعار في سبيل الله عزّ وجل وفي سبيل طلب رضا المولى تعالى هو في الواقع عزّة وفخر ، لا ذلّة وعار كما تعتبره النفس البشرية .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق