فكرية

ولاية الفقيه محاضرات في الأبعاد النظرية


والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين واللعن على أعدائهم إلى قيام يوم الدين

المقدمة

الحمد لله القائم‌ بالقسط‌ والشاهد هو وملائكته وأُولو العلم‌ والدراية‌ بوحدانيّته‌ وبأنـّه‌: قائم‌ بالقسط‌ في‌ جميع‌ مراحل‌ التكوين‌ وجميع‌ منازل‌ التشريع‌ ونشرِ الحكم‌ والقانون‌ على أساس‌ العدل‌ والإنصاف‌ وبسط‌ راية‌ القسط‌ والعدالة‌ شَهِدَ اللَهُ أَنـَّهُ و لآ إِلَـاهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلَـائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ. [6]

 وبعد !

فلقد كان‌ الأنبياء ـ وهم‌ قادة‌ هذه‌ القافلة‌ إلى الذروة‌ ـ في‌ الحركة‌ نحو معاده‌ إذ: وَأَنَّ إلَی‌ رَبِّكَ الْمُنتَهَي‌ا[9]،  يمتلكون‌ الولاية‌ في‌ مرحلتي‌ التكوين‌ والتشريع‌، وولايتهم‌ هي‌ عين‌ الحقّ والقسط‌ والعدالة‌.

 كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَ احِدَةً فَبَعَثَ اللَهُ النَّبِيِّــنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَـابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن‌ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَـاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَي‌ اللَهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ  وَالْلَهُ يَهْدِي‌ مَنْ يَشَآءُ إلَی‌اصِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.[10]

لو أردنا أن نوجه هذه الآية الكريمة في وجهها الصحيح فهي تتعرض للعقدين العقد الطبيعي والعقد الإجتماعي الذي كتب عنه أكثر علماء السياسة والفلسفة القديمة، والحديثة، فإن كل من كتب في هذا المجال تعرض للعقدين وحاول أن يستنطق الواقع المعاش آنذاك ليخرج بنظرية تبين كيف كان نظام الحكم هناك.

 وقد بينها الله تعالى بهذا البيان:

يقول السيد الشهيد مستشهداًَ بهذه الآية: والعقيدة بأن المجتمع البشري مرّ بمرحلة فطرة وغريزة ، قبل أن يصل إلى المرحلة التي يسود فيها العقل والتأمل تعبير عن مفهوم إسلامي عن المجتمع([1]).

إن الإسلام يدعو إلى الحق والعدالة : فقد فطر الله – تعالى – آدم وذريته على الحق والعدل وأودع فيهم العقول الحاكمة بهما، ولكن النفس أمارة بالسوء وشياطين الجن والإنس حريصون على إغوائهم ، فاحتاجوا إلى عقول منفصلة، من الخارج، لأن الرسول عقل من الخارج، والعقل رسول من الداخل ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ليستأدوهم ميثاق الفطرة ويثيروا لهم دفائن العقول :

 1 – قال الله – تعالى – ” لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط . ” ([2])

 2 – وقال : ” إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء و المنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون([3]) . “

 3 – وقال : ” قل أمر ربي بالقسط([4]) .

 4 – وقد أمر الله – تعالى – نبينا بالدعوة إلى الحق والتبليغ له فقال : ” ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين([5]) . ” وقد ذكر ثلاث مراتب للدعوة حسب اختلاف الناس في التعقل وفي الانقياد .

 5 – وقال : ” فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم([6]).

فالعقد الطبيعي عقد الفطرة والترابية البيضاء، إلا أن الناس لما زادت أطماعهم وبدؤا يستخرجون خيرات الأرض، وشرعت الشوارع وفتحت المدن وأقيمت المباني الضخمة، وكثرت الثروات، وراح كل ينظر إلى ما في يد الغير حسداً و طمعاً و حقداً وشجعاً، منصاعاً لغرائزه التي تحاكي حياة الحيوان وشريعة الغاب فراح القوي يأكل الضعيف، ويستخف بقواه، ويغير عليه من حين إلى آخر، مقلداً بذلك السباع الضارية، فاحتاج الإنسان إلى تنظيم كما تقول الآية الشريفة:

{ فَبَعَثَ اللَهُ النَّبِيِّــنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَـابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}([7]).

والآية الأخرى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ {118} إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ….. {119}([8]) هود.

 وفي الروايات أن الضلال بدأ بعد آدم وبعد غياب صالح ذريته، بقي شيث لوحده لا يقدر على إظهار الحق فبدأ الاختلاف والقتل من قتل قابيل أخاه هابيل إلى أن أرسل الله نوحاً([9]).

ويقول العلامة الطباطبائي في تفسيره: الآية تبين السبب في تشريع أصل الدين وتكليف النوع الانساني به ، وسبب وقوع الاختلاف فيه ببيان : ان الانسان – وهو نوع مفطور على الاجتماع والتعاون – كان في أول اجتماعه أمة واحدة ثم ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء المزايا الحيوية ، فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة ، والمشاجرات في لوازم الحياة فألبست القوانين الموضوعة لباس الدين ، وشفعت بالتبشير والانذار : بالثواب والعقاب ، وأصلحت بالعبادات المندوبة إليها ببعث النبيين ، وإرسال المرسلين ، ثم اختلفوا في معارف الدين أو أمور المبدء والمعاد ، فاختل بذلك أمر الوحدة الدينية ، وظهرت الشعوب والأحزاب ، وتبع ذلك الاختلاف في غيره ، ولم يكن هذا الاختلاف الثاني إلا بغيا من الذين أوتوا الكتاب ، وظلما وعتوا منهم بعد ما تبين لهم أصوله ومعارفه ، وتمت عليهم الحجة ، فالاختلاف اختلافان : اختلاف في أمر الدين مستند إلى بغي الباغين دون فطرتهم وغريزتهم ، واختلاف في أمر الدنيا وهو فطري وسبب لتشريع الدين ، ثم هدى الله سبحانه المؤمنين إلى الحق المختلف فيه بإذنه ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

 فالدين الإلهي هو السبب الوحيد لسعادة هذا النوع الإنساني ،

العقد الطبيعي عند الفقهاء والسياسيين:

 وقد أنزل‌ الله‌ سبحانه‌ قرآنه‌ الكريم‌ على‌ نبيّه‌ الأكرم‌ من‌ بين‌ الأنبياء لكي‌ يحكم‌ بين‌ الناس‌ بالولاية‌ الكلّيّة‌، والرؤية‌ الباطنيّة‌، والإدراكات‌ العميقة‌، ونور الموهبة‌ الإلهيّة‌، وليقودهم‌ على‌ الصراط‌ المستقيم‌ والطريق‌ السوي‌ّ إلى منزل‌ السعادة‌ والفوز والنجاح‌ والنجاة‌،  إلى حدّ التمتّع‌ والاستفادة‌ من‌ أقصى‌ درجات‌ الكمال‌ الإنساني‌ّ، والفناء في‌ الأنوار القدسيّة‌ القاهرة‌ لنور التوحيد والتجلّيات‌ الذاتيّة‌ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إلَيكَ الْكِتَـابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَراكَ الْلَهُ. ([10])

 وليأمر المؤمنين‌ من‌ خلال‌ خطابه‌ الملكوتي‌ بعدم‌ تجاوز الحدّ أو التقصير في‌ جميع‌ شؤونهم‌، وبالعمل‌ في‌ الميزان‌ بالقسطاس‌ والمعيار المستقيم‌.

 وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَ الِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} ([11]).

 وليتعامل‌ مع‌ الناس‌ بالعدل‌ والإنصاف‌ وجعل‌ حكمهم‌ باستمرار على‌ أساس‌ هذا المعيار الصحيح‌ وَإذَا حَكَمْتُم‌ بَيْنَ النَّاسِ أَن‌ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. ([12]).

 والعجيب‌ أنـّه‌ قد مزج‌ الولاء التكويني‌ّ بالولاية‌ التشريعيّة‌، بنحوٍ كان‌ معه‌ فصلهما وعزلهما عن‌ بعضهما أمراً مشكلاً بل‌ ممتنعاً.

 من‌ هنا صار يسوق‌ هذه‌ القافلة‌ بمقولة‌ واحدة‌ وأُسلوب‌ واحد، بنداء‌: وَاللَهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. ([13])

 من‌ جهة‌، ومن‌ جهة‌ أُخري‌ فإنّه‌ جعلها تترنّم‌ بنغم‌: وَاللَهُ يُؤْتِي‌ مُلْكَهُ و مَن‌ يَشَآءُ وَاللَهُ وَ اسِعٌ عَلِيمٌ. ([14])

وهذا البحث‌ ليس‌ من‌ الاختصار بحيث‌ يقتصر على‌ رؤوس‌ المطالب‌ فحسب‌، ولا من‌ التفصيل‌ بحيث‌ يستغرق‌ بيان‌ جميع‌ الشقوق‌ والشعب‌ بنحو موسّع‌، واتّبعنا الطريق‌ الوسط‌ والحدّ المتوسّط‌ من‌ ناحية‌ الأدلة‌ الفقهيّة‌، ليكون‌ ذلك‌ فاتحاً للطريق‌ للطلاب‌ ذوي‌ العزّة‌ والاحترام‌ ليقوموا ببيان‌ تفرّعاته‌ وتفصيلاته‌، وليتمكّنوا في‌ الوقوف‌ على‌ جزئيّات‌ المسائل‌ بأنفسهم‌.
  كليات البحث
يقول السيد الإمام الخميني+: ولاية الفقيه فكرة علمية واضحة، قد لا تحتاج إلى برهان بمعنى أن من عرف الإسلام، أحكاماً وعقائدَ، يرى بداهتها، ولكن وضع المجتمع الإسلامي، ووضع مجامعنا العلمية على وجه الخصوص، يضع هذا الموضوع بعيداً عن الأذهان، حتى لقد عاد اليوم بحاجة إلى البرهان([15]).

هذه البداهة التي تحدث عنها السيد الإمام واضحة في أعلام الفكر السياسي من اليونان إلى زماننا هذا، فإن فكرة كون الفقيه على رأس  الهرم السياسي ثم تعينه النخب الثقافية والقدرات العلمية الخاصة والعامة، ثم يحيط بهم جيش قوي يحمي الحدود ويرابط على الثغور، ويحقق الأمن الداخلي، ويحفظ عزة الأمة ومجدها وكرامتها، من تناول الأعداء والطامعين فيها، هذا الجيش هو الحصانة والمناعة التي تقوم بدور الدرع الحديدي والضامن لسيادة الأمة على مقدارتها وخيراتها، ثم في أسفل الهرم عامة الناس الذين هم عيال الله والأمانة التي في الأعناق، والتراث الذي يجب أن نحفظه ونديره من جيل إلى جيل حتى تسلم الأمر إلى صاحب الأمر# قطب عالم الإمكان الذي بيده مقاليد الأمور مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو. لسنا بحاج إلى كثير تفكير إذا نظرنا إلى هذا الهرم.

 
   

 

                                          الفيلسوف عند أفلاطون= هو الفقيه الجامع للشرائط عندنا

                                           الأرسطوقراطيين، أو النبلاء، عند أفلاطون= النخب عندنا

                                                الجيش= القوة التي تحمي الثغور، وتحفظ عزة الأمة.

                                               الشعب= الأمة التي هي أمانة في أعناق المسؤولين.     

هذا هرم رسمه أفلاطون منذ آلاف السنين واعتبر أن رأس الدولة المثالية للمدينة الفاضلة يجب أن يكون فيلسوفاً، والفيلسوف عنده هو العالم بكل شيء لا بحسب الاصطلاح الجديد.

ثم يليه النبلاء والأرسطوقراطيون، ثم الجيش فالشعب، وهكذا درج عليه المعلم الثاني أبو نصر الفارابي، وباقي مفكرو الأمة الإسلامية من الماوردي، والمحقق الكركي، والنراقي وغيرهم ممن ذكر هذه الفكرة في مؤلفاته إلى كثير من المتأخرين.
وهذا الهرم عمل به العقلاء في كل تاريخهم، منذ آلاف السنين لذا عندما يقول السيد الإمام الخميني+ إن نظريته بديهية أو واضحة قصده أنها فطرية عقلائية وإسلامية أصيلة، لها أدلتها من النصوص ومن العقل، وهي تنسجم مع الفطرة الإنسانية فكره بديهية لكل من عرف الإسلام أحكاماً وعقائدَ بل لكل ذي عقل سليم ولب نقي، من العقلاء عامة فضلاً عن المسلمين.

 ولم يكن السيد الإمام+ أول من طرح هذه الفكرة حتى يقال إنها بدع من القول ظهر في الآونة الأخيرة. كما يتظاهر البعض وأنها كانت فكرة خاصة بالولاية على الفقراء، والقصّر والمجانين فحسب، ثم أخرجت من تلك الدائرة على ليد السيد الإمام، وكأن هذا القائل لم يقرأ الفقه أبداً ولم يرَ كلام الشيخ المفيد والشيخ الطوسي، والمحقق الكركي، وكثير ممن ذكرنا آنفاً وسيأتي كلامهم مفصلاً فلا يغرنك من غرته الحياة الدنيا وراح يؤيد تيارات أخرى لأنه لم يجد له مكاناً مناسباً بين أصحاب هذه النظرية فراح يراشق عليها من الخراج أعاذنا الله من مضلات الفتن.

 لذا فإنك ستجد أن كثيراً من المتقدمين من الشيخ المفيد إلى الشهيد الأول فالمحقق الكركي، وصاحب الجواهر والمولى النراقي غيرهم من أعلام الطائفة ذكروا هذا الأمر ونظّروا له، بل لعلك تجد في كلماتهم ما يدل على أن للفقيه ولاية أوسع مما يطرحه السيد الإمام+.

لكن لما كانت الفرقة الحقة في معرض الاضطهاد الدائم خصوصاً عند المتقدمين لم يتعرض لتفاصيلها كثير ممن تقدم لأن البحث عن مثل هذا الأمر في زمانهم كالبحث عن فقه الفضاء والسكن على المريخ في زماننا.

 أو كالحديث عن فقه العبيد والإماء الذي صار البحث فيه رغم أهيمته في الاستنباطات الأخرى ترفاً من الأبحاث ونافلة من القول.

فعدم تعرض كثير من المتقدمين لتفاصيل الحكومة الإسلامية يرجع إلى الظروف الصعبة التي عاشها علماؤنا الذين كانوا يتنقلون من مكان إلى مكان مطاردين مشردين، وهذا الشيخ الطوسي خير شاهد على ما نقول حيث لاحقه الغزاة ففر من بغداد إلى النجف، وأحرقت مكتبته، وشرد طلابه.

وفي المرة الثانية عندما هجم المغول على بلاد الشرق، وهكذا كان يتكرر هذا الحدث الأمر الذي جعل البحث عن تفاصيل الحكومة بحثاً في الغرائب، والنوافل.

 ولعل هذا هو مقصود السيد الإمام الخميني+ من وضع المجتمع الإسلامي، ووضع مجامعنا العلمية على وجه الخصوص يجعل هذا الموضوع بعيداً عن الأذهان حتى لقد عاد اليوم بحاجة إلى برهان.

الدين والسياسة

ما هو الدين

 إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ([16])

ما هو الدين: هو عقيدة تتملك المرء العاقل منشؤها الايمان النفسي العميق ، مستحوذة على سلوكه تجاه نفسه وغيره .

ولكي نعرف ما هو الدين ، وما هو الإسلام ، الذي رضيه الله لنا دينا في هذا اليوم ، ينبغي أن ننظر في الآيات التي تحدثت عن الدين والإسلام ، من أول آية إلى آخر آية . ينبغي أن نعرف أن الإسلام الذي قال الله تعالى عنه : إن الدين عند الله الإسلام . . . ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين([17]) . ( سورة آل عمران : 85 ) . فكل الأنبياء كانوا مسلمين من آدم إلى نوح إلى إبراهيم× إلى رسول الله‘

 ففي نوح يوقل تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِي {71} فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ([18])

هذا الإسلام الذي صار الجانب التنفيذي منه ركنا في بنائه ، من يوم جدد إبراهيم عليه السلام بناء البيت ودعا ربه كما أمره ، أن يكون نبي الأمة المسلمة خاتمة الأمم ، وأئمتها ، من ذريته : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ( سورة البقرة : 127 ) فبعد أن أتم إبراهيم بناء قبلة الحق للعالم ، طلب من ربه ما وعده به ، فقال إلهي أنا معمار بيتك وهذا ابني العامل معي في بناء بيتك . . فاجعل أجر بنائنا ما وعدتنا : ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم([19]) . ( سورة البقرة : 128 ) .

وفي آية أخرى :إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ {131. ( سورة البقرة :} وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ([20]).

وفي آية أخرى : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ {67}

وفي موسى يقول تعالى: وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ،

وعندما جاء السحرة إلى فرعون ليحاججوا موسى فرأوا الآيات والمعجزات أمنوا بدين موسى، فلاحظوا حوارهم: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ {121} رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ {122} قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ {123}  لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ {124} قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ {125} وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ([21]) الأعراف.

وهذا فرعون يسلم بعد فوات الأوان فلم يقبل منه: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ.

 وهذا عيسى مع حواريين ينطق بالإسلام: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ([22])

هذا الإسلام الذي أسس قبلته وأساسه إبراهيم عليه السلام ، ثم بعث الله به سيد المرسلين من ولد إبراهيم صلى الله عليه وآله فأشاد صرحه ، وبنى أمته ، بجهاد وجهود مباركة مقدسة طيلة ثلاث وعشرين سنة ، وكان عامل البناء معه بدل إسماعيل : علي بن أبي طالب عليه السلام ! هذا الإسلام الذي أنزله الله تعالى ، بقي إلى أواخر عمر النبي صلى الله عليه وآله ناقصا ، وبالذات إلى اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، فأعلن الله إكماله ! !فما هو قدر ذلك اليوم ، الذي ظل الإسلام يفتقد كماله حتى وجده ؟ !

وفي زمن ابراهيم لوط كان مسلماً وبل وموسى كان مسلما

إذن الدين واحد وهو التسليم لله وحده والاعتقاد أو التدين بوحدانيته تعالى، وبرسله وبما أنزله مع الرسل من الكتاب، والإخبار عن المغيبات والعود إليه تعالى، نعم نستخرج من التوحيد العدل، ومن النبوة الإمامة فتصير الأصول خمسة ترجع إلى ثلاثة.

 وأما والمذاهب والشرائع والمناهج فكلها آليات لتبليغ هذا الدين.

  وفي دعاء الندبة: وكل شرعت له شريعة ونهجت له منهاجا وتخيرت له اوصياء مستحفظا بعد مستحفظ من مدة الى مدة اقامة لدينك وحجة على عبادك ولئلا يزو الحق عن مقره ويغلب الباطل على اهله ولا يقول احد لولا ارسلت الينا رسولا منذرا واقمت لنا علما هاديا فنتبع اياتك من قبل ان نذل ونخزى([23])

 والدين بهذا المعنى هو الذي ترخص له النفوس وتبذل له المهج، فضلاً عن الأولاد والأموال، فإن الله تعالى لم يخلق خلقاً أحب إليه من محمد وآله.

 لكن رغم أنهم المصطفون الأفضل من عباده وهم أحباؤه، وأولياؤه، فقد أذن له أن يؤذوا ويقتلوا ويشردوا ويقتلوا في الأمصار، كل ذلك إقامة للدين، وإحياء لشريعة سيد المرسلين، فغن كان هؤلاء يقتلوا ويشردون فمن باب أولى أن نذهب نحن وما نملك فداءً لهذا الدين.

 وما عقيدتنا في الدفاع عن ولاية الفقيه ، وإحياء هذه النظرية إلا لأنها الأمثل والأفضل في تبليغ الدين، وإقامة حكومة العدل الإلهي على الأرض، في عصر غيبة المعصوم، وعدم تحديد سفراء من بعده بالاسم والشخص، فكان الفقهاء هم ولاة الأمر، في غيبتهم هذه النظرية لها أدلتها من النص و العقل بل هي امتداد وغصن من شجرة أصول الدين، وفرع من فروع الإمامة لكن بمعنى خاص جداً وفي مرتبة محدود لا ندعي المساواة للأئمة أبداً كما سيظهر.

 ولها بعد فقهي أيضاً ذكره الفقهاء في كتبهم الفقهية، فيكون لها بعدان أصول من جهة وفقهي من جهة أخرى. هي ولاية سياسية دينية بمعنى حكومة الدين على السياسة، أي تديين السياسة، لا العكس كما استغلها الكثيرون، فامتطوا الدين لمآرب شخصية وسياسية، فكان الدين عندهم وسيلة لا هدفاً، أما في نظرية ولاية الفقيه فالسياسة وسيلة والدين هو الهدف، الدين الذي يعلو ولا يعلى عليه، وله يرخص الغالي والثمين.

ما هي السياسة؟

للسياسة معنيان أحدهما إيجابي والآخر سلبي:

أما الإيجابي فهو علم أو فن الإدارة والتنظيم، وتدبير الأمور لئلا يلزم الهرج والمرج، في النظام البشري.

 وهذا التعريف جدير بالاهتمام فإن له مؤيدات في شريعتنا، منها: ما عن أمير المؤمنين×: الله  الله في نظم أمركم، وقصده من النظم هنا العمل المنسق جماعياً لبلوغ الأهداف المتوخاة.

 ومنها ما عن الإمام السجاد × في رسالة الحقوق: وحق…. وحق…. وحق سائسك عليك، فمن هو السائس الذي له حق علي؟ هو الذي يدير الأمور ويقودها نحو الهدف المنشود. فالسائس هنا هو القائد المفترض الطاعة، أو هو أبرز مصاديقه.

 ومنا ما عن الصادق×: سيّسوا أموركم بالصدق.

 أي دبروا ونظموا أموركم بالصدق، فتسييس الأمور وتنظيمها وتدبيرها من الدين بل هي عين الدين كما سيأتي.

 وأم المعنى الآخر: فهو فن الحيلة والخديعة لحيازة السلطة والتأمر على الناس، وهو معنى سلبي.

 وقد استعمل هذا الأمر بعد رسول الله بشتى الطرق لحيازة السلطة، وورث معاوية هذا الأمر فاحتال وتغطرس حتى استتبت له الأمور، وقد قال علي× لولا التقى لكنت أدهى العرب ،فالسياسة بهذا المعنى خالية من التقوى والورع وهي وسيلة دنيئة لنيل الرغبات الدنيوية، وكسب السلطة والمقدرات، وقد مارس هذا الأمر أكثر حكام العالم، من الأمويين إلى العباسيين فالعثمانيين، ومن جهة أخرى الدول المستكبرة والمتغطرسة، استعملت السياسة بهذا المعنى لحيازة السلطة.

 والسياسة بهذا المعنى خروج عن الدين بل الدين بريء منها محارب لها رافض لاستعمالها وأكثر الآيات التي تتحدث عن العدل و القسط ناظر لدحض هذا النوع من السياسة، بل كل صراعنا مع الظالمين والمستكبرين لأجل التخلص من ظلمهم وسلطتهم الشيطانية وإقامة السلطة الإلهية العادلة على الأرض.

فلاحظوا في مسألة الشورى عندما سئل علي× عن التزامه بخط الشيخين، حتى يعطى البيعة، فرفض وكان صريحاً شفافاً، ولقد كان بإمكانه أن يفعل كما فعل معاوية مع الإمام الحسن× فيقبل بدواً ويخدعهم، ثم يقول ما قلته لكم تحت قدمي هاتين، والإمام× معذور شرعاً لأنه الإمام الواقعي، وله دليله الظاهري من أن هذه الشورى لم يرد فيها دليل ولا نص، وليست عقد يجب الوفاء به، إنما أعطيتكم وعد،  ولا يحرم الخلاف بالوعد مع أهل الغدر بل حتى ولو كان عقداً فهو عقد باطل واقعاً لا قيمة له ولا يجب الوفاء به.

ثم يحوز السلطة ويدير الأمة ولو فعل لما وصل بنا الأمر الآن إلى ما نحن عليه، وكذلك الإمام الحسن، وفي تعاطيه الشفاف والواضح مع معاوية وهو يعلم أنه ماكر، وليس بخليفة ولا يحق له التسلق عليها، ولا التفكير بأدناها، لكنه× لم يستعمل الخديعة والحيلة لأنها ليست من الدين، بل الإيمان قيد الغدر.

 وكذلك في ثورة أبي عبد الله الحسين× لقد كان بإمكان مسلم بن عقيل& أن يغدر بعبيد الله ويستعمل الأسلوب الماكر ولعله يقلب الأمور في الكوفة لصالحه ولصالح الإمام×، لكن التزامه بقول لرسول الله: >الإيمان قيد الفتك، أو الغدر<([24]) جعل الأمور تسير بهذا النحو.

فبالمعنى الأول الإيجابي ديننا عين سياستنا وسياستنا عين ديننا، ولا يصح الفصل بينهما بوجه من الوجوه بل من يكون أفضل من أهل الدين والتقوى والورع ليحكموا بين الناس؟

 نعم أن يحكموا باسم الدين للدين، لا لتسييس الدين والوصول به إلى المآرب والحطام الدنيوي، والمنافع الشخصية الخاصة، الزائلة التي لا تعدل عفطة عنز كما أدبنا أمير المؤمنين روحي فداه.

 أما بالمعنى الثاني فالدين بريء منها، وإنما جاء لمحاربة أمثال هذه الأساليب وإقامة العدل بين الناس، ولأجل هذا قام جميع الأنبياء والرسل.

 الأنبياء والرسل والعمل السياسي

هل ابتعد الأنبياء عن السياسة أم كانت كل رسالاتهم وتصرفاتهم ضمن دائرة السياسة؟

لو راجعنا حركة الأنبياء بنحو عام، فكلهم كانوا أهل العمل السياسي النظيف أي الشفاف والواضح ولم يتركوا الساحة لغيرهم ويشتغلوا بالمحاريب والعبادات الفردية والباطنية الخاصة.

 فإبراهيم‘، عندما قارع النمرود وحاججه وكسر الأصنام، كسرها وهو يصرف في أمور سياسية غير دينية أم أن الدين أمره أن يقوم بهذا الفعل الذي يحطم آلهة زعموا أنها أرباب من دون الله؟

 وعندما قال الله عز وجل لموسى اذهب إلى فرعون إنه طغى، بعد أن علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً، ذهب موسى إلى العمل السياسي أم استنسب المحراب والعبادة الصومعية، والكهنوتية، وقال لربه أنا عابد ناسك يهمني المحراب والطقوس الخاصة، وهذا أمر سياسي علي أن ابتعد عنه؟

وعندما خرج سليمان ليحارب بلقيس وجاء بعرشها من اليمن إلى فلسطين، كان عمله سياسي أم محرابي؟

وعندما صلبوا شبيه عيسى على الصليب، وما قتلوا وما صلبوه ولكن شبه لهم لأنه يعبد الله في المحراب، ولا يقترب من سلطة السلاطين.

الهدف الحقيقي من الدين

إخواني لو كان الهدف من الدين هو فقط التربية الفردية والعبادة الباطنية، لما استشهد كل من استشهد وقتل كل من قتل، وأوذي كل من أوذي، كما تقدم، وهؤلاء الطغاة لا يضرهم أن نعبد الله ليلاً ونهاراً ونطوف حول البيت على مدار الساعة ونرجم الشيطان في منى كل يوم، شرط أن لا نقترب من أطماعهم ومخططاتهم، فلنترك لهم القدرة والسلطة يديرون من خلالها البلاد فيسرقون خيراتنا، وينهبون بلادنا ويستبيحون أعراضنا، ثم يعيشون لترفهم وملذاتهم، ونحن نستهلك فتات ما يرمونه لكلابهم، وخنازيرهم!!! كلا وحاشا أن نكون كذلك.

وهذا هو المراد من الفصل بين الدين والسياسة والوجه الحقيقي لدعوتهم، وإن لمعوها بكل وسائل التلميع والتبييض.

 العلاقة بين الدين والسياسة

فنحن لا نرى أي معنى للفصل بين الدين والسياسة عندنا بل ديننا عين سياستنا وسياستنا عين ديننا، نعم نحن نسعى إلى تديين السياسة لا تسييس الدين.

فمن أين نشأ الفصل بين الدين والسياسة؟

 دعاوى الفصل بين الدين والسياسة

مارت لوثر1483م ـ 1546

 1 ـ أول من فصل بين الدين والسياسة هو مارتن لوثر عندما ثار على الكنيسة.

 وميز بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية، وأعطى السلطة للأمراء لا للكهنة.

2 ـ كما آمن بنظرية الطاعة العمياء للأمير لا للكاهن.

3 ـ أبرز عنصر القومية في تكوين الدولة كان لا يثق بالشعب.

4 ـ اعتبر أن الجوهر الدين هو عبارة عن حياة صوفية وتجربة باطنية ولا يمكن نقلها للغير

5 ـ يعتقد أن القوة لا تقيم الدين بل الإقناع وأن الحق لا يقام بالقوة ولا ينشر بالقوة ولا يستمر بها.

6 ـ أعطى الحكام سلطة قيدت الكنسية لسلطانا لدولة.

فالكن 1505 ـ 1564.

1 ـ فصل بين الدين والسياسة وحصر الدين في الكنيسة، وجعل مهمتها خاصة ببناء الروح الفردية.

2 ـ أقر الطاعة العمياء عن لوثر للحاكم لأنه يستمد سلطة منا لله.

 3 ـ اعتبر أن بعض السادير تعطي  حق المقاومة السياسة للفرد إذا انحرف الحاكم وتحول إلى طاغية. لكنه يرى أن الحاكم الظالم عقاب للناس.

 ولكن أعتباعه اعتمدوا حق المقاومة في الثور الفرنسية

 بودان 1530 ـ 1596

 نشأة الدولة عند بودان:  قال إن الجهورية هي الحكم المستقيم لعدة أسر ولما هو مشترك لديها شرط أن تتوفر لهل قوة سيدة.

 وبهذا اعطى لأرباب العائلات أهمية كبرى في نشؤ الدولة لذا اعطى للأب سلطة على عائلته وللملك سلطة على رعيته ويؤخذ عليه في الربط بينهما.

 وفي السيادة:

ذهب إلى أنها السلطة العليا التي يخضع لها  المواطنون والرعايا.

 فكلهم سواء في لزوم الطاعة وميزها بثلاثة أممور: سلطة دائمة ـ سلطة مطلق ـ سلطة لا تقبل النقض.

 جون لوك: 1632 ـ  1704

على أعقاب ما دعا إليه هوبز من النظام الفردي الاستبدادي

دعا إلى العلمانية المطلقة وأعطى الشعب حق المقاومة لأن الحكم والحكام ليقيموا العدل والخير في البشرية فإذا استعملوا السلطة بنحو فاحش ومفرط جاء دور الشعب في الحفاظ على حقوقه.

 مونتسكيو: 1689 ـ 1755

 الفصل بين السلطات: التشريعية والتنفيذية والقضائية

 جان جاك روسو 1712 ـ 1778

 هو المنظر الأول للثورة الفرنسية التي انتصرت عام 1779

والمعطي للشعب الإرادة المطلقة والسلطة وواجب السهر على تنفيذ القوانين.

 ورأى أنا لدولة غير الحكومة فالدولة هي الأمة ككل والحكومة هي الهيئة التي تختارها الأمة لإرادة السيادة.

وبعد روسو جاء الفكر الليبرالي الذي آمن بالنظرية النفعية الفردية رواده

 جيرمي بينتام 1748 ـ 1832 المؤسس لليبرالية والنفعي

 وجون ستيوارت ميل  1806 ـ 1873

من أهم أقواله لا تستطيع البشرية جمعاء أن تسكت معترضا واحداً

الدين والحكومة

 الحكومة هي الجهاز الذي من خلاله تمارس السلطة والدولة هو السلطة التي تمتلك سيادة هذا الجهاز.

 ضرورة الحكومة

لا بد أن نشير إلى : أن الإسلام يرى ـ كما يراه العقلاء ـ حتميّة وجود حاكم مهيمن، يعمل على فرض النظام، ومنع الفوضى، وهو في رأيه هذا منسجم مع الواقع، ومتوافق مع قضاء الفطرة، الذي لا يمكن إنكاره، ولا المماراة فيه.

فعن أمير المؤمنين عليه السلام: >الإمامة نظام الأمّة[25].

وعنه عليه السلام: >لا بد من إمارة، ورزق للأمير… إلخ<[26].

وعنه عليه السلام:> لا بد للناس من أمير، بر، أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلّغ الله فيه الأجل ويجمع به الفيئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يسبريح بر، ويستراح من فاجر<[27].

توضيح: ليس المقصود هنا عرضية ولاية الفاجر لولاية الإمام البر أو العادل، كيف وهل تستوي النور والظلمة؟ بل المقصود من اللابدية هنا: أن الحياة لا تستقيم إلا بإمام والأولوية للإمام العادل، ولا نجد أحداً من المسلمين يدعو إلى إمام الفاجر، بدواً، وأصالة، فكيف بإمام المسلمين، وأمير المؤمنين×، وهنا يخطئ ابن أبي الحديد حيث سوّى بين العادل والفاجر في تفسير كلام أمير المؤمنين×.

 والحق في التفسير أن نقول: أنه لا بد للناس من إمام كما لا بد  للإنسان أن يأكل ليعيش، فأولاً لا بد أن يأكل الحلال الطيب، فإن لم يجد فلا بد أن يأكل حتى ولو كان حراماً فإن بقاء الحياة هي المعيار الأساس لقبول أكل الحرام كالميتة مثلاً.

 وهنا كذلك لا بدية النظام ووجود منظم، تقتضي قبول الحاكم الظالم لكن عند تعذر الحاكم العادل كما جاز أكل الميتة عند تعذر الحلال.

وعنه عليه الصلاة والسلام: أسد حطوم، خير من سلطان ظلوم، سلطان ظلوم، خير من فتن تدوم[28].

وعن الأمام الرضا عليه السلام، وهو يذكر علل جعل أولى الأمر والأمر بطاعتهم:

ومنها : أنّا لا نجد فرقة من الفرق، ولا ملّة من الملل، بقوا وعاشوا إلا بقيم ورئيس لما لا بد لهم منه في أمر الدين، فلم يجز في حكمة الحكيم: أن يترك الخلق مما يعلم أنه لا بد لهم منه، ولا قوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوهم، ويقسمون به فيئهم، ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم<([29]).

فانهم >عليهم الصلاة والسلام< إنما يخبرون بهذه الكلمات عن حكم الفطرة، وقضاء الطبيعة والواقع بالحاجة إلى حاكم، وليسوا في مقام جعل شرعي هنا، فإن حكومة الفاجر مرفوضة في الأسلام جملة وتفصيلاً، كما أن كلمات الإمام الرضا عليه السلام، وكذلك كلمات الإمام على (عليه الصلاة والسلام) التي يفضل فيها الأسد الحطوم على الوالي الغشوم تشير إلى ما ذكرناه بشكل واضح.

وبعد هذا… فلا مجال للإصغاء لقول من يقول: إنه لا حاجة إلى حاكم، ولا داعي إلى نظام، فإن ذلك قول لا يستند إلى ما يبرره، لا على مستوى النظرية، ولا على صعيد الواقع الخارجي… هذا كلّه بالنسبة إلى قضاء الإسلام والفطرة بضرورة وجود حاكم.

 أما الخطوط ا لتي جرى العمل عليها في العصور التالي لعصر النبي‘:

فناك ثلاث خطوط اتبعت بعد إزاحة الإمامة الحقيقية عن سدة الحكم:

الأول : الإسلام الملكي الذي تفرخ من الإسلام الأموي . . وعن بني أمية الذي جعلوا الخلافة ملكاً عضوضاً يتوارثونها.

الثاني : الإسلام السعودي أو الوهابي الذي تفرخ من إسلام الخوارج . . الذين قضوا على لخلافة أمير المؤمنين بتآمر مع معاوية.

الثالث : الإسلام الشيعي الذي يعبر عن الإسلام النبوي . . المتوازن بين النص والعقل والمنسجم مع الفطر والواقع تمام الانسجام كما سيأتي؟

وسوف نعرض في هذا الباب انعكاسات هذه الصور الثلاث على القضايا التالية : – الدولة الإسلامية . . – الفكر الإسلامي . . – التيارات الإسلامية . . ا

لدولة الإسلامية أقام الأمويون نظاما ملكيا هو الأول من نوعه في الإسلام وسارت الحكومات التي جاءت من بعدهم على هذا النهج . وساير الفكر الإسلامي هذا الوضع وبنى نظرية الدولة الإسلامية على أساسه . .

 ولقد كانت أهم ملامح نظام الحكم الإسلامي على مر التاريخ تنحصر فيما يلي : * الاستبداد . . * البذخ . . * الملكية . . * افتقاد حرية الرأي واحترام الإنسان . .

ولم يحدث في تاريخ الفكر الإسلامي أن اصطدم الفقهاء بهذه القواعد بل عايشوها وتفاعلوا معها تماما كما يتعايش فقهاء اليوم مع الحكومات المعاصرة .

فقد كان الحاكم هو الذي يعين القضاة ويتدخل في الأحكام وهو الذي يعين الخليفة من بعده وهو صاحب الرأي الأوحد في البلاد ويعيش حياة مترفة على حساب المسلمين الكادحين المطحونين . . وما يأسف له المرء أن هذه الصورة المنحرفة للحكم الإسلامي باركها الفقهاء ودعموها ونسجوا من حولها الروايات والفتاوى التي تبرر هذه الصورة وتدفع بالمسلمين إلى التعاطف معها . . ( 1 ) فهم قد دافعوا عن انحرافات عثمان وبرروها .

. ودافعوا عن بني أمية وبني العباسي . . ثم عن الأيوبيين والمماليك والعثمانيين . . ثم ها هم يبكون اليوم على دولة الخلافة العثمانية ويحلمون بعودة حكم الخلفاء .

ناسين أو متناسين الجرائم والانتهاكات والدماء التي أراقها الخلفاء طوال فترات التاريخ الإسلامي من أجل تثبيت عروشهم . . إن هؤلاء الفقهاء لا تعنيهم ممارسات الحكام ومواقفهم لكونها لا تمس الدين ولا تصطدم بهم فما دامت لا تمس الدين ولا تصطدم بهم فهي إذن في صالح المسلمين . . وكيف للحكام أن يمسوا الدين وهو ركيزتهم الأساسية ووسيلة تأمين وجودهم ومستقبلهم ؟

وكيف لهم أن يصطدموا بالفقهاء وهم حلفائهم وآداتهم في تطويع المسلمين وتحذيرهم . . ؟

ومثل هذا الموقف إنما هو نابع من التصور الأحادي الذي يجعلهم يتصورون كل ما يخرج عن دائرتهم ودائرة إسلامهم هو الباطل والضلال المبين . فمن ثم يحق للحاكم أن يقتل وأن ينهب وأن ينتهك الحرمات ما دام كل ذلك يجري في دائرة المخالفين . وإن أهم انعكاسات الخط الأموي على فكرة الدولة وشكلها ومقوماتها إنما يتمثل في اعتماد الفقهاء لثلاثة صور لقيام الحكم في الإسلام هي مستنبطة من واقع حكم الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان . .

الصورة الأولى : الشورى من خلال أهل الحل والعقد وهي مستنبطة من السقيفة ومن فعل أبي بكر وفعل عمر حين أوصى بالستة مع أمير المؤمنين، و أين كان من أولهم حتى يقرن بآخرهم كما قال سلام الله عليه.

الصورة الثانية : الوصية وهي مشتقة من فعل أبي بكر حين أوصى لعمر وقد مهدت هذه الفكرة لقيام الملكية فيما بعد 

الصورة الثالثة : ولاية العهد وهي مستنبطة من سلوك معاوية وحكام بني أمية وبني العباس وقد أضفت هذه الصورة المشروعية على نظم الحكم الملكية التي قامت في بلاد المسلمين طوال فترات التاريخ . .

يقول القاضي أبو يعلى عن كيفية اختيار الحاكم : وهي فرض على الكفاية مخاطب بها طائفتان من الناس :

                        إحداهما : أهل الاجتهاد حتى يختاروا .

                       والثانية : من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم الإمامة .

أما أهل الاختيار فيعتبر فيهم ثلاثة شروط               

 أحدها : العدالة .

  والثاني : العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة .

والثالث أن يكون من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو للإمامة أصلح . .

 وأما أهل الإمامة فيعتبر فيهم أربع شروط .

أحدها : أن يكون قرشيا من الصميم وقد روى أحمد : لا يكون من غير قريش خليفة .

الثاني : أن يكون على صفة من يصلح أن يكون قاضيا : من الحرية والبلوغ والعقل والعلم والعدالة .

الثالث : أن يكون قيما بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود لا تلحقه رأفة في ذلك والذب عن الأمة.

الرابع : أن يكون من أفضلهم في العلم والدين .

ضرورة المؤسسات التنفيذية

 معنى الحكومة

للحكومة معنيان: أحدهما بالمعنى الاخص وهي السلطة التنفيذية أو المجلس الوزاري.

 والثاني: السيادة والولاية على الناس.

 وتتمة البحث تأتي إن شاء الله

الفهرس:

[19]) ـ

[20]) ـ

[21]) ـ

[22]) ـ

[23]) ـ مقطع من دعاء الندبة.

[25] غرر الحكم المطبوع مع الترجمة الفارسية ج1 ص36، ولكن في نهج البلاغة الحكمة رقم 252 وفي غرر الحكم ج2 ص 525… الامانة، والامانات.

[26] دعائم الاسلام ج 2 ص 538.

[27] نهج البلاغة، بشرح عبده، الخطبة رقم 39، وراجع أنساب الاشراف، بتحقيق المحمودي ج2 ص 377 و 352 وتأريخ اليعقوبي ج 2 ص 209، والبحار ج75 ص 352 وكنز العمال ج 11 ص 309 و286 وج 5 ص 448 ورمز له بـ : ق وهب وعبد الرزاق، وابن جرير، وخشيش في الاستقامة ونقله في مصادر نهج البلاغة ج1 ص 440 عن قوت القلوب ج1 ص 530 وعن غيره.

[28] البحار ج 75 ص 359 عن كنز الفوائد للكراجكى وراجع: دستور معالم الحكم ص 170، وغرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص 437 وج 2 ص 784.

[29] عيون أخبار الرضا ج2 ص 101، وعلل الشرايع ج1ص253 ط سنة 1385، وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 412 و413، وراجع المكاسب للشيخ الانصاري ص 153.

المصدر: متابعات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock