مقالات

▪️زينب -عليها السلام -.. وتحديات المواجهة..

بقلم العلامة/ عدنان الجنيد

▪️الحلقة الثانية
إن من ينظر إلى كل مواقف السيدة زينب، وينظر -أيضاً- إلى عباراتها وخطبها وتحركاتها، فسيجدها كلها تمثل تحدياً يصحبه شجاعة علوية وهيبة محمدية وحكمة فاطمية، بل حتى صمتها في بعض مواقفها كان تحدياً كما ستعلمه لاحقاً ..
ولما انتهت معركة الطف، وبعد أن فصلوا الرؤوس عن الأجساد ووضعوها على الرماح، تمّ أسر بنات رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – مع الأطفال وبينهم علي بن الحسين ، وقد تعامل جيش ابن زياد معهن معاملة السبايا الأسيرات، حيث قاموا بربطهن بحبل واحد بعد أن أحرقوا خيامهن وأخذوا ما معهن من حلي..
وكانت قائدة هذا الركب السيدة زينب – عليها السلام – وسافر جيش ابن زياد -بقيادة ابن سعد- بهذا الركب إلى الكوفة، وعلى أَسِنّة الرماح رأس الإمام الحسين -عليه السلام- ورؤوس أصحابه، فقد أراد ابن سعد أن يحظى بولاية الري كما وعده المجرم ابن زياد إذا هو أتى برأس الإمام الحسين، ولما دخل الركب الزينبي الكوفة، إذا بالناس في الشوارع وفي أسقف بيوتهم ومن نوافذهم ينظرون إلى سبايا آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا بزينب تخطب بهم وتقرعهم وتبين لهم عاقبة غدرهم وتخليهم عن نصرة الحسين وآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم …إلخ ..
قال بشير بن خزيم الأسدي: ” نظرتُ إلى زينب بنت علي يومئذٍ، ولم أرَ خفرة(1) قطّ أنطق منها كأنما تنطق عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وتُفرغ عنه، أومأت إلى الناس أن اسكتوا ! فارتدّت الأنفاس, وسكنت الأجراس، فقالت: الحمد لله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار، أما بعد.. يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر، أتبكون! فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف والنطف، والعجب والكذب والشنف، وملق الإماء، وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة، ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون..إلخ(2).
قلت : إن خطبتها لأهل الكوفة تركزت على خذلانهم للإمام الحسين وعدم نصرتهم له، وبينت فضاعة ما ارتكبوه من هذا التخاذل الذي أدى إلى ارتكاب جيش ابن زياد تلك المجزرة المريعة في حق بيت الرسالة وأنوار الهداية – صلوات الله عليهم أجمعين – في أرض كربلاء،
وكذلك ذكرت -سلام الله عليها- أبرز صفات أهل الكوفة بأسلوب توبيخي وتقريع شديد..
والخطبة طويلة، وإنما اقتطفنا منها بعض العبارات كشواهد على قوة أسلوبها وسرعة تأثيرها على أهل الكوفة، حيث أذكت في قلوبهم – من خلال كلماتها – نار الندم على ما اقترفوه من عدم نصرتهم لابن بنت نبيهم – صلى الله عليه وآله وسلم – بعد أن وعدوه بالنصرة وبالوقوف إلى جانبه وأن يفدوه بأرواحهم، ولهذا أجهش أهل الكوفة بالبكاء والحنين والنوح، نساؤهم ورجالهم وصغارهم وكبارهم..
فالنساء ضربن خدودهن، ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال فلم يُرَ باكية وباكٍ أكثر من ذلك اليوم.(3).
قال الراوي : بشير خزيم الأسدي مانصه : “فوالله، لقد رأيتُ الناس يومئذٍ حيارى، كأنَّهم كانوا سكارى، يبكون ويحزنون، ويتفجّعون ويتأسّفون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم” ، قال: “ونظرت إلى شيخ من أهل الكوفة، كان واقفاً إلى جنبي، قد بكى حتى اخضلّت لحيته بدموعه، وهو يقول: صدقتِ، بأبي وأمي، كهولكم خير الكهول, وشبّانكم خير الشبان، ونساؤكم خيرُ النسوان, ونسلكم خير نسل، لا يخزى ولا يبزى..”(4) اه.
هكذا تكلمت السيدة زينب بكل شجاعة، غير مرتعبة بالحرس ولا بأفراد الجيش المدججين بالسلاح ..
لقد استطاعت -عليها السلام- في خطبتها هذه أن تؤلب أهل الكوفة على ابن زياد وجلاوزته، فغيرت نشوة نصرهم إلى هزيمة معنوية ساحقة بقوة إرادتها وعظمة تحديها وتمسكها بمبادئها .. ولاعجب في ذلك، فجدها إمام الأنبياء، وأبوها سيد الأوصياء، وأمها سيدة نساء العالمين، وأخواها الحسن والحسين سبطا رسول الله وسيدا شباب أهل الجنة، ومن كان كذلك فلا عجب في ذلك.
………..الهامش …….
(1) خفرةً : المرأة الشديدة الحياء.
(2) انظر : الخوارزمي، مقتل الحسين (ع): 2/45-47 ، “بلاغات النساء “ص24 لابن طيفور أحمد بن أبي طاهر (ت 280هجرية) .
و” اللهوف في قتلى الطفوف ” ص90-91 للسيد علي بن موسى المعروف ب السيد ابن طاووس و”لواعج الأشجان” للسيد الأمين:ص 205.و” الاحتجاج على أهل اللجاج”لأحمد بن علي الطبرسي[ج 2 ص 304-305.] تحقيق: محمد باقر الخرسان، مشهد، نشر مرتضى، 1403 هـ،
و” مناقب آل أبي طالب (ع)” لابن شهر آشوب محمد بن علي [115/4] -قم – لناشر: علامة، 1379 هـ،
وغيرها من المصادر التي ذكرت هذه الخطبة
معنى الختل: الخداع، وقيل هو أشد الغدر
رقأت: جفت.
الصلف: الذي يمتدح بما ليس عنده.
الشنف: البغض بغير حق.
الغمز: الطعن والعيب.
ملق الإماء : الملق بمعنى التذلل
الدمنة: المزبلة.
الفضة: الجص والملحودة القبر.
(3) انظر : “اللهوف في قتلى الطفوف”-ص 91-92 ، و “لواعج الأشجان” للسيد الأمين: 205.
(4) ” مقتل الحسن (ع) ” للخوارزمي [ 47/2]، و ” مثير الأحزان ” لابن نما ص86 ، و” اللهوف في قتلى الطفوف.

المصدر: متابعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock