دينية

إنّما خرجتُ لطلب الصلاح

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين، محمّد وآله الطاهرين.

السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلَّت بفنائك، عليك منّي سلام الله أبداً ما بقيتُ وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتك، السلام على الحسين، وعلى عليّ بن الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

إلى مولانا صاحب الزمان وصاحب العزاء (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى نائبه وليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء، ونحن على أعتاب شهر محرّمٍ الحرام، سائلين المولى أن يرزقنا شفاعة الحسين يوم الورود، ويثبّت لنا قدمَ صدقٍ عنده مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (عليه السلام).

أرسل الله عزّ وجلّ أنبياءه ورسله (عليهم السلام) هدايةً للناس، وإخراجاً لهم من الظلمات إلى النور، وإنّ من الهداية العمل على إصلاح الفساد، وإبطال ما يحيكه خصوم الأنبياء وأعداؤهم من خداعٍ ومكر وأساليب يواجهون بها نهج الهداية الإلهيّة للإنسان؛ وذلك لضمان عدم الانحراف في خطّ الرسالات الإلهيّة.

وإنّ الرسول الأعظم محمّداً (صلّى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء (عليهم السلام)، ولا نبيَّ بعده؛ لذا فإنّ ضمانة هذا الخطّ من الانحراف والعامل الأساس في إصلاح الفساد الّذي قد يلحق به، سيكون على عهدة أوصيائه الأطهار (عليهم السلام). وإنّ أعظم عمليّة إصلاح جرت في هذا النهج، كانت على يدَي الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء؛ إذ إنّ أخطر عمليّة فساد وإفساد وانحراف أصاب الخطّ وأتباعه كان في تلك المرحلة؛ فلا بدّ من كون مواجهة الفساد والانحراف بحجمهما وزيادة؛ وذلك لتأمين الضمانة وتحقيق سلامة نهج الرسالة. وربّما يكشف لنا حجم التضحيات التي تُقدّم من قبل الأوصياء (عليهم السلام) عن حجم التهديدات والانحراف، وهذا هو الواقع الذي عاش فيه الإمام الحسين (عليه السلام).

الفساد الأُمويّ وقيام الإمام الحسين (عليه السلام)
رُوي عن الحسن البصريّ أنّه قال: «أربع خصال كنّ في معاوية، لو لم تكن فيه منهنّ إلّا واحدة، لكانت مُوبِقة[1]: انتزاؤه[2] على هذه الأمّة بالسفهاء، حتّى ابتزّها أمرَها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة؛ واستخلافه ابنه بعده سكّيراً خمّيراً، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير؛ وادّعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «الولد للفراش، وللعاهر الحجر»؛ وقتله حجراً، ويلاً له من حجر وأصحاب حجر، ويلاً له من حجر وأصحاب حجر»[3].

إنّ أخطر عمليّة ارتداد بدأت، كانت في عهد معاوية، وإنّ أكبر عمليّة تضليل إعلاميّ وحرب نفسيّة، نجد بدايتها حينما تربّع معاوية على كرسيّ الخلافة الإسلاميّة، وتجسّدت بسبِّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على منابر المسلمين لمدّة طويلة. وحين آل الأمر إلى ابنه يزيد، أُوكلت إليه المهمّة الكبرى، وهي تشويه صورة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في عقول المسلمين، وإزالة حبّه من قلوبهم ونفوسهم، والقضاء على الإسلام؛ لذا نجده قد قام -وعلى مدار ثلاث سنوات متوالية- بقتل الإمام الحسين (عليه السلام) بادئ الأمر، ثمّ مهاجمة المدينة المنوّرة واستباحتها لجيشه ثلاثة أيّام في واقعة الحرَّة، ثمّ رمي الكعبة الشريفة بالمنجنيق.

وما يُعبّر عن حقيقة التهديد وخطورة الانحراف أيضاً، ما نُقل عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة: «فوالله، ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء؛ إنّ رجلاً ينكح الأمّهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة. والله، لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليتُ لله فيه بلاءً حسناً»[4].

لذلك، فإنّ قيام الإمام الحسين (عليه السلام) بثورته والتضحيات العظيمة الّتي قدّمها، إنّما كان للوقوف أمام هذه الحركة الأمويّة الارتداديّة، وقد عبّر عن هذه الحقيقة حينما قال (عليه السلام): «وإنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجتُ لطلب النجاح والصلاح في أمّة جدّي محمّد (صلّى الله عليه وآله)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»[5].

الإحياء الحسينيّ حفظٌ لخطّ النبوّة
من هنا، فإنّ من جملة الأهداف الكبرى لإحياء القضيّة الحسينيّة هو الحفاظ على حركة الإصلاح في أمّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ويمكن القول: إنّ الإحياء العاشورائيّ هو صرخة مستمرّة وجهد دائم ومتواصل لعمليّة الإصلاح لكلّ فساد، وتقويم لكلّ اعوجاج قد يصيب أمّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى ينتهي الأمر إلى صاحب الزمان (عجّل الله فرجه الشريف)؛ إذ إنّ إحياء السيرة المباركة للإمام الحسين (عليه السلام)، وبيان الدور الفعّال والمؤثِّر لهذه السيرة في حفظ النهج، يشكّل أهمّ العوامل في ضمانته من الانحراف.

حرارةٌ في القلوب
لطالما كان عامل الزمان كفيلاً بتبديل ثقافة البشر من حالة ا

لى أخرى، ومساهماً أساسيّاً في عمليّة النسيان ومحو الذاكرة. ولتحصين العقول والنفوس من العامل المذكور، كان لا بدّ من وجود قضيّة تكون مصدراً لحرارةٍ لا تبرد أبداً، وبالتالي ترفض النفوس الخنوع والتكاسل والتردّد، وتُبقي روحَ الإقدام والتضحية متوهِّجة. وإنّ كربلاء الإمام الحسين (عليه السلام) هي إكسير النفوس والأرواح والعقول، وقد عبّر النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) عن هذه الحقيقة قائلاً: «إنّ لقتل الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبردُ أبداً»[6].

إحياء الأمر وثوابته
ولا يقتصر مفهوم إحياء الأمر على إقامة المراسم، ومجالس الفرح والحزن، أو بعض الأنشطة العامّة فحسب، بل لا بدّ في تحقّقه من الاعتقاد والالتزام بمجموعةٍ من المبادئ، تبدأ بمعرفة أهل البيت (عليهم السلام) والعقيدة الصحيحة بهم، والإيمان الواعي بنهجهم ومبادئهم؛ وذلك لأنّ في معرفتهم (عليهم السلام) وولايتهم والإيمان بهم، وأنّهم آل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المطهّرون، وولاة الأمر وخلفاؤه على العباد، بقاء الإسلام المحمّديّ الأصيل وحفظه، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «مَن مَنَّ الله عليه بمعرفة أهل بيتي وولايتهم، فقد جمع الله له الخيرَ كلَّه»[7].

إنّ إحياء ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، لا يكون إلّا بإحياء ثوابت هذه الثورة، وبثّ الروح الحسينيّة في الأمّة على امتداد الزمان والمكان، فكلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء، ومن هذه الثوابت:

1. الشهادة سعادة وحياة: قال (عليه السلام) في مسيره إلى كربلاء: «إنّ هذه الدنيا قد تغيّرَت وتنكّرَت وأدبر معروفها، فلم يبقَ منها إلّا صُبابةٌ كصبابة الإناء، وخسيسُ عيشٍ كالمرعى الوبيل؛ ألا ترَون أنّ الحقّ لا يُعمَل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه؟ لِيرغبِ المؤمنُ في لقاء الله مُحِقّاً؛ فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً»[8].

2. عدم الركون للظلم والظالمين: لقد كتب يزيد بن معاوية عند موت أبيه إلى واليه على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يأخذ البيعة من الإمام الحسين (عليه السلام)، ولا يرخّص له في التأخّر، فعرَض الوليد البيعة على الإمام (عليه السلام)، فأجابه (عليه السلام): «أيّها الأمير، إنّ البيعة لا تكون سرّاً، ولكن إذا دعوتَ الناس غداً، فادعُنا معهم»، فقال مروان للوليد: لا تقبل -أيّها الأمير- عذره، ومتى لم يبايع فاضرب عنقه، فغضب الحسين (عليه السلام)، ثمّ قال: «ويلٌ لك يابن الزرقاء، أنت تأمر بضرب عنقي؟! كذبت والله ولؤمت»، ثمّ أقبل على الوليد، فقال: «أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، بنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرَّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة»[9].

3. العزّة: قال (عليه السلام): «ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ، قد ركز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة! يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهُرت، وأنوف حميّة ونفوس أبيّة، من أن نؤثِر طاعة اللئام على مصارع الكرام»[10].

[1] مُوبِقة: مُهلِكة، والمُوبِقات: الكبائر من المعاصي؛ لأنّهنّ مُهلِكات.
[2] انتزى على الشيء: وثب عليه.
[3] الطبريّ، تاريخ الطبريّ، ج4، ص208.
[4] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج5، ص66.
[5] ابن أعثم الكوفيّ، الفتوح، ج5، ص21.
[6] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج10، ص318.
[7] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص561.
[8] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ص245.
[9] السيّد ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص17.
[10] المصدر نفسه، ص59.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock