دينية

خطاب الحسين عليه السلام في كربلاء

 

للإمام عليه السلام في كربلاء بضع خطب، الأولى عند وصوله إلى كربلاء، والثانية ليلة العاشر، والثالثة يوم العاشر، وقد يكون له غيرها ولكن تلك الثلاث أهمّها.

أوّلاً: الخطبة الأولى: حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: «قد نزل بنا ما ترون من الأمر… وإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برماً»(5).

ماذا يُستفاد من هذه الخطبة؟

1. يواصل الإمام الحسين عليه السلام امتحان عزائم أنصاره من خلال تذكيرهم بتنكّر الدنيا وإدبار معروفها قائلاً لهم: إنّنا في عالم لا يُعمل فيه بالحقّ، ولا يُتناهى فيه عن الباطل، فالمؤمن لا يرضى بعيشة ذليلة، ويفضّل الموت على حياة كهذه.

2. مع مشهد كهذا من ذلّة الحياة تحت سيف الظالمين، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه: وإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، لأنّ الحياة الذليلة لا تليق بالمؤمن، فيختار لقاء الله بالشهادة ويحصل على الحياة السعيدة بدل الخنوع أمام سياط الظلمة.

ثانياً: الخطبة الثانية: رواها الطبري عن أبي مخنف عن الإمام السجّاد عليه السلام قال: «… فسمعتُ أبي وهو يقول لأصحابه: أُثني على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء… فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى… هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً»(6).

لقد أثنى الإمام الحسين عليه السلام على الله تعالى وحمده حمداً كثيراً، على ما أنعم عليهم من كرامة النبوّة، والقرآن، والدين، والهداية من ضلالة الشرك، ثمّ توجّه إلى أصحابه وأهل بيته وخاطبهم بتلك الكلمات مشفقاً عليهم. كلام فيه شهادة من خامس أصحاب الكساء أنّهم الأوفى والأفضل في زمنٍ ساد فيه الخذلان والتقهقر، وقد أذن لهم بالرحيل وأحلّ لهم ما له عليهم من حقّ الطاعة، وأرشدهم للاستفادة من غشية الليل وظلامه.

ثالثاً: الخطبة الثالثة: خطبها الإمام عليه السلام قبل بدْء القتال في اليوم العاشر. فقد روى الشيخ المفيد قدس سره في الإرشاد يقول: ثمّ دعا الحسين براحلته فركبها، ونادى بأعلى صوته: «أيّها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما يحقّ لكم عليّ… والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد…»(7).

يُستفاد من هذا الخطاب نقاط عدّة:

1. «أيّها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوا»؛ يأمرهم عليه السلام بالتروّي وعدم التسرّع والعجلة في قراراتهم، مع ما في ذلك من مصلحة تنفع الإنسان في دار الدنيا والآخرة. كلماته هذه وما بعدها تدلّ على القائد المشفق على قاتليه وذابحيه، وهذه الروحيّة لم تسجّل إلّا عند أهل بيت العصمة عليهم السلام، وذلك لأنّ الإمام عليه السلام يرى نفسه إماماً لكلّ البشريّة وحجّة على خلق الله.

2. «حتى أعظكم بما هو حقٌّ لكم عليَّ»؛ الموعظة حقّ للأمّة على الإمام العالم، فهو يقول لهم: إنّ لكم عليّ حقّ الموعظة والنصيحة، كما إنّ من حقّ الإمام على أمّته أن يطيعوه ويسمعوا له.

3. «وحتّى أعتذر عليكم من مقدمي عليكم»؛ لا يقصد هنا الإمام عليه السلام أنّه يعتذر، وإنّما يريد أن يكشف لهم عن مبرّرات قدومه عليهم.

4. «وإن لم تقبلوا عذري، ولم تصدّقوا قولي»، وقرأ عليه السلام آية من سورة نوح؛ أي يريد أن يقول: حركتي ورسالتي امتدادٌ لحركة الأنبياء عليهم السلام ورسالتهم، فالموقف الذي وقفه نوحٌ من قومه أنا أقفه منكم هنا.

5. «أيّها الناس، الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال»؛ يريد الإمام عليه السلام أن يصوّر للآخرين مدى صدق أهدافه: أنا ما خرجت لطلب الدنيا، فلا قيمة لها عندي، ثمّ يستشهد بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ (فاطر: 5)؛ ليبيّن لهم أنّ حركته قرآنيّة.

6. «وأراكم قد اجتمعتم على أمر أسخطتم الله فيه عليكم»؛ يبيّن لهم الإمام عليه السلام ازدواجيّة الشخصيّة عندهم: كيف أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ تزحفون إلى ذريّته وعترته تريدون قتلهم؟ لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله.

7. «ثمّ ارجعوا لأنفسكم فحاسبوها، اسألوا أنفسكم من أنا؟ أيحلّ لكم قتلي؟ ألست ابن بنت نبيّكم؟»؛ يدعوهم إلى مراجعة أنفسهم ومحاسبتها، ويذكّرهم بنسبه وبما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له ولأخيه، وكلّ هذا حتّى لا يقعوا في شرّ يستوجبون بسببه النار والعذاب.

8. «ويحكم! أتطلبونني بدم قتيلٍ لكم قتلته»؛ بيان المظلوميّة هنا أيضاً لأجلهم، لعلّ العاطفة تفعل شيئاً في دواخلهم وبواطنهم.

9. «لا والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد»؛ عبارة قالها عليه السلام بصوت مجلجل نابع من صميم القرآن والإسلام، ومتّصل بصيحات الأنبياء، لمّا طلبوا منه النزول على حكم يزيد.

10. «تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً! أحين استصرختمونا والهين، فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم»؛ بيّن لهم كيف انقلبوا على عهودهم ورسائلهم وما كتبوه له من حاجتهم إليه بسبب ظلم بني أميّة إيّاهم، لكنّهم خذلوه وخدعتهم الدنيا.

كانت هذه الخطب جزءاً من الثورة الحسينيّة الخالدة، وكما كان لها أثرٌ وبيانٌ في زمانها، فهي إلى الآن ترفدنا ببيانه عليه السلام، وتجيب نداء كلّ حسينيّ أراد سلوك طريق الحقّ والوقوف في وجه طواغيت الظلم.

(1) القطا: جمع قطاة وهو طائر في حجم الحمام صوته: قطاقطا.
(2) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 45، ص 2. مثل يضرب لمن حمل على مكروه من غير إرادته، وقيل غير ذلك. راجع: مجمع الأمثال، الميداني، ج 2، ص 123 .
(3) بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 44، ص 366-367.
(4) العسلان: جمع عاسل وهو الذئب.
(5) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 14، ص 217-218.
(6) تاريخ الطبري، الطبري، ج 4، ص 317.
(7) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج 2، ص 97-98.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock