كانت والدتي امرأة حنونة وفهيمة للغاية، وكانت تحب أطفالها وتتفهّمهم، مثل جميع الأمهات بالطبع… كانت جذابة للغاية ومتحدثة ولبقة… لم تتحدّث مع أيّ شخص عن فقرها. كانت دائماً تتكتم على معاناتها بطرق مختلفة.

كان والداي رائعين للغاية. ووالدتي امرأة فهيمة جداً، متعلّمة، تقرأ الكتب، ذات ذوق شعري وفنّيّ، عالمة بـ[شِعر] الحافظ – بالطبع، عندما أقول عالمة بـ«الحافظ» ليس بالمعنى العلمي وما إلى ذلك، بل بمعنى الأُنس بديوان الحافظ – وكانت على دراية تامة بـالقرآن، وذات صوت جميل أيضاً.

1- الأُنس بـ«القرآن»

عندما كنّا أطفالاً، كنّا نجلس جميعاً ووالدتي تقرأ القرآن، وكانت تقرؤه بأسلوب مشوّق وجميل. كنّا، نحن الأطفالَ، نتجمّع حولها وتقرأ لنا آيات عن حياة الأنبياء. لقد سمعت بنفسي لأول مرة سيرة النبي موسى (ع) والنبي إبراهيم (ع) وبعض الأنبياء الآخرين من والدتي. كانت عندما تقرأ القرآن وتصل إلى الآيات التي يُذكر فيها أسماء الأنبياء، تبدأ الشّرح.

2- الأُنس بشعر الحافظ وديوانه

بعض القصائد للحافظ التي ما زلت أتذّكرها – بعدما صارت قرابة الستين – سمعتها من والدتي في ذلك الوقت. من جملتها، أتذكر هذين البيتين:(1)

سحر چون خسرو خاور عَلَم در کوهساران زد   به دست مرحمت یارم در امّیدواران زد

[فجراً، حينما رفعت ملكة الشرق (الشمس) رايتها فوق الجبال *** طرق معشوقي بلطفٍ باب الآملين]

دوش دیدم که ملائک در میخانه زدند   گل آدم بسرشتند و به پیمانه زدند

[البارحة رأيت أنّ الملائكة طرقوا باب بيت العشّاق *** صنعوا طين آدم وسكبوه في الكأس]

3- على معرفةٍ بأحاديث أهل البيت (ع) وبالعربية

كما كانت على دراية بالحديث. كانت تروي حديثاً ووالدي يعترض عليها بأنه لم يمرّ على هذا الحديث حتى الآن، فكانت تذكر له مصدره.

تعلمتُ الأساسيات لتلاوة القرآن وقواعد العربية من والدتي. من الواضح أنها من نفخ فيّ روح الشّجاعة والنّضال.

4- من أهل الدّعاء والأُنس مع الله

أتذكّر أنني لم أبلغ بعدُ عندما أدّيت أعمال عرفة. أعمال ذلك اليوم طويلة – لا بدّ أنكم تعرفونها، فكثيرون من الشباب على دراية بها – وتستغرق ساعات. تبدأ الأعمال بعد صلاتي الظهر والعصر، وإن أراد المرء أن يؤدي كل تلك الأعمال، فقد يستمر حتى الغروب، في أيام النهار القصير.

أتذكّر حين كنتُ مع والدتي – لأنّها أيضاً من أهل الدّعاء والتوجّه [إلى الله] كثيراً والأعمال المستحبّة – ذهبنا إلى ركن من الفناء في الظّل – كان لمنزلنا فناء صغيرة – وقمنا نفرش السجادة هناك – لأنه يستحب أن تكون تحت السماء – وكان الجوّ حاراً… السّنوات العالقة في ذهني الآن، كان ذلك في الصيف أو ربما الخريف، وكان النهار طويلاً نسبياً. جلسنا في ذلك الظّل وأدّينا أعمال عرفة لساعات طويلة. [كانت الأعمال] أدعية وأذكاراً وصلاة. أمي تقرأ، ونحن نقرأ، أنا وبعض إخوتي وأخواتي أيضاً. هكذا كانت مرحلة شبابي وصباي، مرحلة الأُنس بالرّوحانيات والدّعاء والمناجاة.

5- المشجّع لي على مواصلة الطّريق الثّوريّ

على أي حال، يفكّر المرء أحياناً في المستقبل، لكنّني لا أتذكر أبداً متى فكرت في المستقبل. كان من الواضح لي ولعائلتي منذ البداية المهنةُ التي كنت سأختارها في المستقبل. كان الجميع يعلمون أنّني سأصير طالب علم، وعالم دين. هذا ما أراده والدي وأمي وقد أحبّاه جداً. أيضاً أنا كنتُ أرغب [في ذلك]، أصلاً لم أكن غير راغب في هذه المسألة.

ما أعرف أنّه بالتأكيد مثير للاهتمام لكم أنني كنت معمماً في ذلك الوقت، أي بين العاشرة والثالثة عشرة – سألني ذلك الشخص [أحد الحضور] – ارتديت العمامة فوق رأسي والصّاية فوق جسدي! قبل ذلك أيضاً. منذ ذهابي إلى المدرسة ذهبت بالصّاية. لكن في الصيف كنت أمشي بلا عمامة، وعندما يأتي الشتاء، كانت والدتي تلفّها على رأسي.

عانت والدتي كثيراً بسبب اعتقالاتي المتكررة وهجمات «السافاك» على المنزل. ولكنها كانت تقف بثبات وصلابة أمام المهاجمين الخبيثين. كانت ترد عليهم وتتجادل معهم، حتى أنها كانت مشجعتي على مواصلة هذا الطريق الشائك.

المصادر:
مقتطفات من حوار مع جمع من الفتية والشباب 3/2/1998 ومقتطفات من كتاب “إنّ مع الصبر نصرا”