مقالات

اليمن يقلب جيوبوليتيك الخليج

بعد تساقُط أحجار الدومينو السعودية والإمارتية على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي كيف سيكون المشهد الأخير وفق المُعطيات والمعلومات الواقعية والميدانية؟ وهل سيتغيَّر المشهد النهائي بفَرْضٍ المعادلة اليمنية الجديدة؟ أمّ سيكون للمفاوضات بُعد أكبر لحل هذه الأزمة؟

ماجد الوشلي

1500 يوم من أيام الحرب على اليمن كانت كفيلة بأنْ تضع المُعادلة اليمنية في مصاف الاهتمامات الإقليمية والدولية، وأنْ تفرض قواعد اشتباك جديدة، ورؤية اليمن الوطنية والسيادية على المنطقة، وهذه من أهم النتائج التي تحقَّقت في خضمّ هذه المعركة، وأثبتت وجودها السياسي والعسكري، وأصبح لها رقم ثابِت وعنصر قوّي يُعتدّ به على مستوى العالم، وتبيَّن أن القُدرات السعودية والإماراتية قد استنزفت وانتقل التهديد من اليمن إلى قلب الاقتصاد والوجود السعودي، وما يؤكِّد ذلك السعي الحثيث لدول المنطقة بالتدخّل المباشر والسريع من أجل إيجاد حلول تحفظ ماء الوجه، وتُخرِج السعودية والإمارات من المأزق اليمني الذي غرقتا فيه بعد مرور خمس سنوات من الحرب الكُبرى على اليمن.

ما يتَّضح من خلال التصريحات والبيانات الدولية والأممية أنّه ليست للمجتمع الدولي والأمم المتحدة رؤية إيجابية في التعاطي مع الأزمة اليمنية، وسُبُل الوصول إلى نهاية المطاف وتقديم مُعالجات تُرضي جميع الأطراف في اليمن، ما يؤكِّد أنّ الدول الكُبرى مازالت تغضّ الطرف عن الجرائم السعودية والإماراتية ضدّ الشعب اليمني، وهذا ما نراه من خلال التخبّط واستمرار الغارات والقنابل العنقودية التي تتساقط بشكلٍ يومي في جميع المُحافظات اليمنية.

وبعد هذه الفترة العصيبة من العدوان على اليمن نشاهد أحجار الدومينو تتساقط وتتهاوى يوماً بعد يوم، وتقلب جيوبولتيك الخليج، ولعلّ أبرزها مُعادلة الطيران المُسيَّر اليمني، أولاً: وهي المعادلة التي كسرت وحيَّدت منظومات الباتريوت، وآخرها ضربات أرامكو في العُمق السعودي في منطقتي بقيق وخريص، وتداعيات الضربة على المستوى العالمي مما نتج منها توقّف كمية من إمدادات النفط الخام.

ثانياً: تطوّر المنظومة الصاروخية: عمليات التطوير في الصواريخ الباليستية وصلت إلى معدّلاتٍ كبيرةٍ في ظلّ الإمكانات المُتاحة، واستطاع الجيش اليمني واللجان الشعبية أن يصلوا بالصواريخ الباليستية، التي تعمل بالوقود السائِل إلى مدى 1500كم، وتمَّت تجربتها في العُمق السعودي.

ثالثاً: على المستوى البرّي المُفاجآت العسكرية الكُبرى على الحدود اليمنية السعودية وكَسْر الجيش السعودي ومُرتزقته، وكان آخرها عملية “نصرٌ من الله” بمحور نجران والتي أسقطت ثلاثة ألوية سعودية، وحرَّرت حوالى 500 كيلو متر في عُمق الأراضي السعودية.

رابعاً: الهَلَع والرُعب الإماراتي من أيّ استهداف تتعرَّض له دبي أو أبو ظبي أو غيرهما لضربات تُسفِر عن انهيار منظومة الأمن والاقتصاد الذي استقطب أموال الخليج والعالم وأظهر هشاشة البنية الإماراتية بشكلٍ واضح.

ومن أهمّ تداعيات السقوط المُدوّي والاستنزاف العميق للتحالف السعودي هي التصريحات الأخيرة منذُ الحرب على اليمن حسب رويترز بأن السعودية تدرس بجدّيةٍ اقتراحات رئيس المجلس السياسي الأعلى في صنعاء مهدي المشاط، وفتحت إتصالات معهم عبر وسيط ثالث لوقف إطلاق النار في اليمن، وهذا ما صرَّح به أيضاً وليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان وهي المرة الأولى التي فيها يُعلن موافقته ونيَّته لوقف الحرب على اليمن والخروج من المأزق اليمني مع حفظ ماء الوجه، ولكن كيف ستكون ردَّة فعل دولة الإمارات والتي مازالت تراوِغ بكل تحرّكاتها العسكرية والميدانية في محافظة الحديدة والجنوب وخاصة في حضروموت، وهل ستقبل بالخروج والانسحاب أم لا؟ ثم ما هي الخطوات الفعلية التي ستُقدم عليها السعودية في سبيل الاستجابة لمبادرة الرئيس مهدي المشاط؟ إذْ لا يمكن الركون إلى مُجرَّد التصريح!

ونلاحظ أن السعودية والإمارات والولايات المتحدة وبريطانيا للمرة الأولى على تفاوت وجهات نظرها، بحسب رسائل في الكواليس واختبار مسار السويد، أقرب من أيّ وقت مضى من الاستهداء إلى مخرج ينشلها من المُستنقع الذي وقعتْ فيه.

هذا التطوّر يأتي بعد عامٍ من الاقتناع بعدم جدوى حلّ عسكري شامل، لكنه تأجّل بفعل النصائح الأميركية والإماراتية بإمكانية لعب الورقة الأخيرة “معركة الحديدة والساحل الغربي” والتي وصلت كسالفتها (معركة صنعاء) إلى نتيجةٍ صفريةٍ بعد الهزائم المُتتالية على العديد من الجبهات الداخلية والحدودية، وهنا لا بدّ من معرفة عُمق الأسباب التي أدَّت إلى تأخير الانسحاب النهائي.

يبقى من الثابِت أن أطماع أبو ظبي في موانئ اليمن ما تزال قائمة، وتشهد عليها مُمارسات القوات الإماراتية في المخا والمكلا وجزيرة سُقطرى وعدن والحديدة ذاتها، ولذلك لم يكن مُستغرَباً أن الخفض لم يشمل مناطق في شبوة والساحل الغربي، بل جرى العكس عملياً، وتمّ تعزيز القوات في هذه المناطق .

بعد تساقُط أحجار الدومينو السعودية والإمارتية على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي كيف سيكون المشهد الأخير وفق المُعطيات والمعلومات الواقعية والميدانية؟ وهل سيتغيَّر المشهد النهائي بفَرْضٍ المعادلة اليمنية الجديدة؟ أمّ سيكون للمفاوضات بُعد أكبر لحل هذه الأزمة؟

في اعتقادي إن الأزمة اليمنية لن تتغيَّر وتتحوَّل إلا إذا كان هناك ردع استراتيجي يضمن للشعب اليمني سيادته وأمنه واستقراره، وأن يفرض سيادته على كل المناطق اليمنية، ولا يقبل بالحلول الجزئية مهما كانت التداعيات، ولا بدّ من كَسْرِ المُعادلة العسكرية على جميع الجبهات من دون الدخول في مساوماتٍ غير مُنصِفة، وهذا يستدعي الحِكمة والنظرة ذات الأفق البعيد في الخروج والتوصّل إلى المشهد الأخير لليمن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق